السبت. ديسمبر 14th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

” مراكب الموت ” قراءة نقدية للقصَّة القصيرة ” الرحيل

1 min read

بقلم الناقد عاطف عز الدين – شموس نيوز

هذه ليست دراسة نقديَّة عن قصة ” الرحيل ” للقاصة المصريَّة سميحة المناسترلي؛ بقدر ما هي رسالة عتاب للنقاد المتخصصين في النثر العربي الذين لم يتناولوا قصة ” الرحيل ” بالرغم من ترجمتها في الجرائد الأوروبيَّة ، لتدخل القاصة المصريَّة سميحة المناسترلي دائرة الضُّوء في السَّاحة الأدبيَّة أوروبيا، والمعروف أن الجرائد الأوروبيَّة تطلب من النقاد لديها أن يتناولوا القصص التي نالت إعجاب القارئ عكس المُتعارف عليه عندنا ، فالنَّاقد العربي يكتب فقط عن الذين يرتبط بهم ايديولوجيا ويميل إليهم عاطفيا بِغض النَّظر عن قيمة النَّص الأدبي!!
و قصة ” الرحيل ” هي القصَّة الثامنة في المجموعة القصصيَّة ” الحصان ” للقاصة المصريَّة سميحة المناسترلي
وتدور قصة ” الرحيل ” حول سفر الشَّباب العربي إلى أوروبا للبحث عن فرص عمل ، حيث استخدمت القاصة بحرفيَّة نفس التكنيك الذي استخدمه الروائي الانجليزي الشَّهير وليم جولدنج الفائز بنوبل عام 1983 ، وذلك في روايته ” بنشار مارتن ” إذ استخدم المؤلفان تكنيك الفلاش باك ، فشخصيَّة ” ربيع ” تتذكر حياتهابعد أن تناول شايا به مخدر .
و” وربيع ” هو الشَّخصيَّة المحوريَّة في قصَّة ” الرحيل ” ، فهو مواطن مصري ريفي بسيط ، يتعثر في تعليمه ، ويفشل في الحصول على وظيفة مما جعله يفشل في زواجه ، فيخوض تجربة السَّفر إلى أوروبا التي تفشل ويدفع حياته ثمنا لهذا الفشل
تقول القاصة في افتتاح قصة ” الرحيل ” :
(ما هذا الصداع القاتل ؟ !! آلام تكاد تَفتِك برأسي …
تمتم ربيع بداخله في محاولة فاشلة لرفع جفونه … تمتم مرة ثانية في رعب ، يا إلهي لا أمتلك القدرة على فتح فكي ، أو تحريك عضلة لساني ، ربي أشعر كأني مشلول أو في كون آخر ..
أين أنا ؟ قالها في إعياء نام وذهب في شبه غيبوبة .)
تستخدم القاصة ضمير الغائب لتحكي مأساة ” ربيع ” الذي قرر السَّفر إلى أوروبا ليبدأ مشوار البحث عن العمل ليبني مستقبله، ويلاحظ القارئ اقتدار القاصة في اختيار الاسم المناسب للشخصيَّة ، التي تكافح من أجل السَّفر بحثا عن حياة أفضل لكنَّها تفقد حياتها قبل ان تحقق حلمها في البحث عن الوظيفة لحياة مستقرة ، فيتم اغتيال حلمها البسيط، ومن هنا فإن اختيار اسم ” ربيع ” يجعلنا أمام تعاطف القاصة مع البسطاء والذين اغتيلوا في مقتبل العمر قبل تحقيق حلمهم .
والقارئ لقصة ” الرحيل ” يدرك أن القاصة استخدمت الفلاش باك كتكنيك فني ، فربيع يشعر بالصداع القاتل لأنه شرب شايا به مخدر ، لذلك عندما يفيق قليلا يسأل نفسه : ” أين أنا ؟ ”
ويلاحظ القارئ أن القاصة في.مفتتح قصتها تستخدم أسلوب تيار الوعي ، فتقول : ( يا إلهي لا أمتلك القدرة على فتح فمي ، أو تحريك عضلة لساني ، ربي أشعر كأني مشلول أو في كون آخر .. )
يتذكر ربيع ذكرياته مع أصدقائه ( غريب ومحمود و مهاود ) الذين تركوا قريتهم وسافروا بحرا لأوروبا ، ونلاحظ أن القاصة لا تسرد الأحداث الهامة في حياة ” ربيع ” سردا يعتمد على تتبع الزمن إذ أنَّها لجأت إلى بعض الأحداث غير المرتبة لأن بطل القصَّة يعيش في غيبوبة ، ومن هنا كان الاستخدام المثالي لتيار الوعي الذي ابتدعه الروائي الايرلندي جيمس جويس في رواية ” يوليسيس ” ، وكأن الذين يتركون وطنهم يعيشون أيضا في غيبوبة !!!
وهنا يجب أن يتوقف القارئ عند هذا الجزء من قصَّة ” الرحيل ” فهو أهم الأجزاء على الاطلاق ، وفيه يتذكر ” ربيع ” تحذير خاله :
{ بينما ترن هذه الكلمات في أذنيه كان يمر شريط بذهنه ، يستعرض به حالة الحداد بكل منازل القرية على شبابها المفقود ، تذكر خاله عندما همس لأمه مُحذرا :
أوعى ياأم ربيع تسمعي كلام ابنك .. ربيع شاب طايش .. بالك انتي موضوع الهجرة دي والمراكب ؟ ديه كله جرايم ونصب ف نصب .. أنا سمعت في القسم وعلى لسان الأمنا إن في عصابات بتيقى ورا المواضيع ديه !! أي ورب الكعبة .. بيخدوهم يشغلوهم في حاجات بطالة ، والأنكد من كدا .. ديه في عصابات بتغرق المراكب ويصوروهم وهم بيغرقوا ، وبعدين ينتشلوهم يبيعوهم في مستشفيات أوروبا أو يمشوهم في سكة الإجرام .}
وأهميَّة هذا الجزء تأتي من أنَّه يمهد للنهاية التراجيديَّة لراغبي السَّفر ، لذا تقول القاصة في نهاية القصَّة :
{لاحظت الممرضة ما يفعله ربيع وأنَّه على وشك الإفاقة ، أشارت للجراح الذي أمرها بنظرة صارمة بإعادة تخديره …}
وأرجو أن تكون هذه القراءة النقديَّة لقصَّة ” الرحيل ” للقاصة المصرية سميحة المناسترلي صورة مُشرفة للنقد العربي رفيع المُستوى أمام كبار نُقاد أوروبا
النَّاقد عاطف عز الدين عبد الفتاح
الاسم في موقع جوجل : الناقد عاطف عز الدين عبد الفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *