من الذي اخترع الصفر ؟

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 - 3:31 مساءً
من الذي اخترع الصفر ؟

بقلم مانويل سوري

ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

مراجعة كرم محمد يوسف

يرجع تاريخ الكربون المستند إلى وثيقة هندية قديمة وهي مخطوطة بخشالي التي ذكرت مؤخرا أول ظهور مكتوب للعدد / صفر/ في القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد ، أي قبل حوالي 500 سنة مما كان يعتقد سابقا. في حين أن الأخبار ليس لها تأثير عملي على البنية التحتية للأصفار (والبنية التحتية ) الكامنة وراء حضارتنا ذات التكنولوجيا الفائقة لكنه يذكّرنا كم نحن مدينون لهذا الاختراع . ولكن لمن نحن مدينون ؟ وكيف ينبغي تسديد هذا الدين ؟

قد ينوه السياسيون الشوفينيون بصوت عال بدور الهند ( كما يفعلون ، بجدل كبير ، والحالة هذه في نظرية فيثاغورس ) ، ولكن تاريخ الصفر لا يزال غير محدد بما فيه الكفاية ليظل موضوع البحث العلمي المستمر. استخدمه البابليون بشكل أساسي وقد وُضعت فكرة الصفر لاحقا بشكل مستقل من قبل شعب المايا. الصينيون ، في وقت ما ، أشاروا إليه بمساحة فارغة في نظام عدّهم . و يدّعي البعض أن الإغريق يمزجونه مع الفكر ، ولكن تم العثور على مفهوم الفراغ المخيف جدا في إطار فلسفة أرسطو وأرجعوه إلى الهنود . ومن المسلم به عموما أن الهندوس هم أول من صاغه كعدد مستقل ومفتاح لاستخدامه في الحسابات الرياضية أو رموز الأرقام الثنائية . ومن الواضح أن هذا التاريخ تهيمن عليه الحضارات غير الأوروبية وهو بحق كابوس على اليمين المتطرف .

ومن الواضح أنه لم يكن هناك حقوقا للملكية الفكرية سارية المفعول آنذاك . ولو كان هناك مكتب لبراءات الاختراع ، ربما كان قد صدر حُكمٌ ، كما تفعل المحاكم الآن ، بأن التقدم الرياضي كشفَ النقاب عن المعرفة الموجودة مسبقا بدلا من خلق أي شيء جديد – وبالتالي لا يمكن منح براءة اختراع فيه وكنا سنعرف اللغز فيما إذا كانت الرياضيات قد اكتُشفتْ أو اخترعت قديما منذ أفلاطون. بالتأكيد ، يعرض الصفر هذه الازدواجية: الفراغ قديم قدم الزمن ، لكنه كان ابتكارا إنسانيا لتسخيره كرمز.

واعترافا بهذا الابتكار ، وتجاهلا لجميع الإجراءات العملية ، افترضْ أن شخصا ما، بطريقة أو بأخرى ، قد اكتشف كيف يضع بطاقة تسعير على الصفر . ستكون

الامتيازات التي تتولد من ذلك مذهلة – تخيل الجداول التي تستخدم لمجرد الاستخدام الشخصي وحده! وقد يؤدي ذلك إلى إعادة توزيع كبير للثروة ، ومعظمها يذهب إلى العالم النامي.

وتتمثل إحدى الصعوبات في تقسيم المدفوعات ، حيث لا يمكن لأحد أن يدعي “ملكية” حصرية لاكتشاف الصفر. طلبت من طلاب “تاريخ الرياضيات” البحث والتقصي للحصول على اختراق دقيق عمن اكتشف الصفر ، وهو الأمر الذي كنا قد ناقشناه للتو من قبيل المصادفة عندما بدأت الأخبار التي تروي تاريخ الكربون . ولم تكن الهند على ما يرام ، فقد حققت 42 في المائة من العائدات ، على الرغم من توجيه الطلاب إلى اقتسامها مع البلدان المجاورة ، فقد وُجدت المخطوطة في ما يعرف الآن باسم باكستان ( أستطيع أن أسمع بالفعل الوزراء الهنود يولولون باحتجاجاتهم ) .

كل يوم من أيام الأسبوع ، نحصل على التعليقات المثيرة للتفكير من كتّاب أعمدة الرأي ومجلس إدارة التحرير في جريدة تايمز والكتاب المساهمون من جميع أنحاء العالم .

وانتهت بابل بنسبة 18 في المائة ، والتي إذا خصصت للعراق ، البلد الحالي في موقعه الحالي ، قد يكون تعويضا عادلا عن سنوات الحرب التي عانت منها. وجاءت اليونان بعد ذلك مع مفاجئة بنسبة 15 في المائة – ربما شعر طلابي أن البلاد كانت تعاني من النقص في جميع المساهمات الرياضية الأخرى . وقد جاءت المايا في مرتبة بنسبة 14 في المائة وهذا يعني أن المكسيك سوف تحصل على الكثير من المال من حصتها لدرجة أنها تستطيع أن تدفع تكلفة بناء الجدار مع الولايات المتحدة . وأعلنت المجموعة الأكثر ميلا إلى اليسار أنها لن تصرف الأموال على الإطلاق أو تبددها “حتى لا تشجع الروح الرأسمالية”.

وبطبيعة الحال، فإن ممارسة الخيال النقي لأسباب عديدة ، أو أي مخطط تعويضي سوف يكون ميتا عند التوصل إلى ذكر “التعويضات” . ومع ذلك ، فقد تم تسليط الضوء على حقيقة أن هناك ثقافات وشعوب تبنت الوالدية للصفر ، وبالتالي قد لا يرغب أحفادهم في فعل ذلك الآن. إذا لم يكن الأمر من أجل التعويض المالي ، على الأقل نشعر أننا مدينون لهم ببعض المسؤولية الأخلاقية المعززة ؟

إذا كان الأمر كذلك ، فإن المسؤولية الأولى قد تقع على شركات التكنولوجيا ، ويمكن القول أنها أكبر مستخدمي هذا المصدر . الآن ، وجهة الجائزة هو الهند مع مايكروسوفت وجوجل والفيسبوك فكل واحدة من هذه الشركات تنافس لجلب سكانها الكثيرين على الانترنت . قد توهمك هذه الشركات العملاقة إلى أنها بالفعل كريمة من خلال توفير الاتصال المجاني من خلال الخطط التي سوف تتواصل مع المناطق الريفية ، وتنشط الاقتصاد وتغير البلاد – ويحدث ذلك فقط من خلال

إضافة مئات الملايين من العملاء المحتملين إلى قوائمهم لمجموعة متنوعة من الإعلانات والمنتجات الإلكترونية. هل يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن مايكروسوفت ، على سبيل المثال ، ترغب أن تستثمر بكثافة في خدمات المستقبل السحابية والأمن الشبكي والتجارة الإلكترونية للهند ؟

فكر بالأمر . وسوف تستخدم الشركات المصدر الطبيعي للأصفار والأرقام الأخرى (يجدر التنويه أن العرب حصلوا على أرقامهم من الهند رغم كل شيء ) ، وتقوم هذه الشركات بحزمها وتوضيبها في خدمات ومنتجات جديدة وبيعها لهم مرة أخرى. لقد مرّت الهند في مثل هذه التجربة الساخرة من قبل . لقد أخذت الإمبراطورية البريطانية قطنها الخام من الهند ثم باعته مرة أخرى كملابس جاهزة، ودمرت صناعة النسيج المحلية وساعدت على خفض حصة الهند من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 23 في المائة إلى 3 في المائة .

لحسن الحظ ، التقدم الموازي يتعثر . وسيتم تصنيع المنتجات الالكترونية النهائية في الغالب في الهند ، حتى لو كانت مدعومة باستثمارات أجنبية. وصار البلد أيضا أكثر حكمة : لن يستسلم بسهولة إلى الاستعمار الشبكي الجديد . وفي العام الماضي ، وبموجب قرار “الحياد الصافي” الأوسع نطاقا في الهند ، حظرت الحكومة خطة “الأساسيات المجانية ” التي يقدمها فسيبوك ، والتي توفر خدمة الواي فاي المجانية، ولكن فقط لمواقع الويب التي تختارها الشركة ( فسيبوك من دون أي إعاقة وتقوم بالفعل بتسويق البديل) . وفي هذا العام ، رفضت الشركة أيضا عرضا من شركة ميكروسوفت لتقديم الربط والتواصل عبر نطاقات التلفزيون القديمة . بدلا من ذلك ، وتحت ضغط من مشغلي الشركات الخلوية الهندية ، سيتم الإعلان عن الربط والتواصل بالمزاد العلني .

والسؤال فيما إذا كانت شركات التكنولوجيا الهندية سوف تسيطر على الوضع بحاجة للبحث والتمحيص . الشيء الواضح هو أن المنافسة في السوق قوية وجارية للسيطرة على كل تلك الأصفار والآحاد. وعلى الرغم من عدم موافقة مجموعة طلاب ليبرالية ، فإن الصفر يشجع القوى الرأسمالية بغض النظر عن أي شيء.

والواقع أن الصفر ضروري بالنسبة للكثير من المساعي الإنسانية ؛ فقد أصبح جزءا أساسيا من إرثنا وكما يبدو هو غير قابل للتغيير أو الاستجابة لأي نوع من الحساب التعويضي . ومع ذلك فإن مخطوطة بخشلي تذكرنا بأن الصفر لم يكن دائما في متناول اليد. بل هو المنتج الفكري للثقافات التي ربما تختلف كثيرا عن شعوبنا ومناطقنا ومناطقها التي قد تكون قد ضعفت ولكنها يمكن أن ترتفع مرة أخرى إلى الهيمنة والسيطرة على العالم .

الحواشي :

مانيل سوري : مؤلف رواية ” مدينة ديفي ” وهو أستاذ الرياضيات في جامعة ميريلاند في مقاطعة بلتيمور.

محمد عبد الكريم يوسف : (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . كاتب و مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. يكتب في الصحف السورية والعربية والدولية باللغتين العربية والإنكليزية .مؤلف ” معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي” و ” قاموس المنتجات الصناعية ” وكتاب ” الصياغة القانونية للعقود التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية ” .

كرم محمد يوسف: (1997-) كاتب ومترجم سوري ، قسم اللغة الانكليزية في جامعة تشرين يكتب في الصحف السورية والعربية والدولية باللغتين العربية والإنكليزية .مؤلف مشارك في ” معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي” و ” قاموس المنتجات الصناعية ” وكتاب ” الصياغة القانونية للعقود التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية ” .

العنوان الأصلي والمصدر : Who Invented ‘Zero’? , The New York Times , Manil Suri, 2017.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.