الأثنين. فبراير 24th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

وداعا رانقة….لمحمد الوادي

1 min read

بقلم: د.إشعاب بوسرغين
ناقد وباحث في الجماليات

الضياع بين الصرخة والشهقة
ألجمني الحياء حين تنطعت وسمحت لنفسي ان أتعرف على المبدع الكبير الدكتور محمد الوادي: دكتوراه في الادب العربي تخصص مسرح، كاتب ، باحث، ناقد مسرحي ،قصاص، شاعر وفنان تشكيلي …لم يكن اللقاء الا صدفة شاءها القدر … خلق آدب وعلم غزير …انتكصت على عقبي. فضولي أشعرني بانني اصبحت كالسائح الهائم في فردوس معرفة قل نظيرها ينابيع من نبضات تختزل كل معاني الحياة تشنف المسامع بالدرر المتلألئة تغنيك عن التأمل لأنها الاصل والواقع.
و لكي اهتدي الى مصدر الاشعاع الذي تتدفق سيوله المعرفية التي ترتوي منه ابداعات هذا المبدع الكبير كان لابد لي من البحث عن حاستي المتمردة في فردوس العشاق ، لأنها الخبيرة باقتناص أسباب الوجع التي يسردها الاحساس خاصة حينما يكون الغدر من أنثى .
وداعا رانقة…هي مشكاتي التي أتيت منها بقبس لحيرتي، لم تكن سهلة البلوغ لأنها من هناك من ارخبيل العشق حيث ترقد تلك الشقراء ذات الابراج الشاهقة والخلايا المسكونة بالعشق الآثم ..
كان الوجد قد ازهر في اوصاله حين هم بترميم الذكريات المبعثرات في سلة روحه المكلومة، لم يكن الرجوع للبدايات صعبا، فبمجرد ما اطلق العنان للحروف تناسلت فيما بينها فتولدت عنه ذلك الاحساس الذي يختزل الروح والجسد في ادق تفاصيله، حركاته ومشاعره… رانقة .
كن كثيرات من تلهفن لسرقة النظرة ولو من وراء الستار ، ارتابهن الفضول والرغبة في تقبيل وجنتيه الملائكيتين ، لم تكن الولادة سهلة تلك الليلة اختلطت فيها الثرثرة بالحلكة لم يوقفها سوى النباهة والتجربة ، لكن سرعان ما تفطن لواقع الحال فادرك بان الحياة خداع وفساد ، ما اجبره على الاختيار اما الرضوخ او العصيان .فشل تعنته لأنه كاد يفارق الحياة …عاش حمدان يتيم الاب بين جده وامه وجدته كثير الصمت والانزواء قوي الذاكرة والبديهة تعشقه الجميلات ويتلهفن لمصاحبته لكن توالي الوفاة ببيته :اخته الصغيرة التي لم يفارقه طيفها ابدا ، ثم اباه وجده وجدته.. انهكاه فلم يعد يرغب في الاستمرار بالبلدة فقرر الرحيل واي رحيل للدار البيضاء .
غادر متيمته المجنونة خدوج التي لا تابه باي شيء حين تلقاه ، لا تفرق بين الحلال والحرام لأنها تعي جيدا بان مغامراتها غير محفوفة بالمخاطر مادام حمدان طفلا صغيرا ولا احد يمكن ان يشك في علاقته .
كانت الرحلة من فاس للدار البيضاء طويلة تخللتها مجموعة من الاحداث لازالت تتراقص امام عينيه كأنها وقعت بالأمس القريب …كبر الطفل ونمت معه موهبة الكتابة فكر في التدوين وكانت وداعا رانقة: اول قطرة فيض من غزير علم ذاكرة قوية ، ذاكرة يراها كالتاريخ لا تطوى ولا تموت قد تصاب بالكسل وقد تتدمر بعض من خلاياها لكنها تبقى حية، ولن يبقيها الا التدوين والكتابة لأنها الولادة الطافحة والموت الاسطوري في نفس الوقت ..
رانقة، اسم رمزي محوري لتلك الجميلة من الاصول الامازيغية، الشعلة التي فجرت بذاته بركان الرغبة في الانبعاث من جديد بعدما ظن بانه قد انهار وارغمته على ممارسة الحياة بكل الوانها الشفافة والداكنة عبر حلم ابداعي جميل ولد بين صرخة شقّت صدرا ضاق به الوجود المليء بالعبث والشّرّ والموت وشهقة روح عانت من وهم منشود تبخر بعدما اصبحت علاقتهما مجرد ذكريات محروقات على هشيم وطأته أقدام الانا الثائرة الغامضة وذرته بعدما لعبت به رياح الخليج وضباب العالم الجديد امريكا.

وداعا رانقة: لنميط النقاب عن الحكاية ونعري من البداية العتبات قبل النهايات عنوان لم يكن بالصدفة لأنه من خلاله يمكن اكتشاف فضاء الرواية ومحمولاتها :الحيرة والحلم، الحزن والانكسار.. اما سيميائية صورة الغلاف نرى بان اختيار لونها الداكن اضافة الى صورة الظلين وقت الغروب أدق تعبير لإبداع مشحون بالألم ومكبوت بالأمل الذي راوده منذ أن رمقت عيناه طيفها الساحر …رواية هي كيم شاعري وصفي ساحر يعج بالذبذبات الحركية للجسد وايمائيته ولوحاته الوصفية تهز المشاعر حينا لترفعها لعالم ميتافيزيقي صعب الادراك والتي لا يمكن فهمها أحيانا اخرى دون ربطها بهويتها واصولها المرتوية من مياه ورغة وسبو… مما يرغمك على الانتشاء بأدق تفاصيله لأنه اكثر عمق مما يبوح به اللسان…التقنيات السردية قريبة من المشهد الدرامي كيف لا ودكتوراه في المسرح تشفع له بذلك وان لم يأخذ براي هنري جيمس الذي ينادي بمسرحة الرواية مع ذلك لا يمكن اطلاقا تصنيفها في خانة المسرواية ما دام الراوي لم ينح منحى المشهد الدرامي في سرد الاحداث المتوالية من خلال استعمال الحوار، وجزئيات الحركة، مكتفيا بقداسة السر وعدم الجهر بالمشاعر. ولعل الهدف من وراء ذلك هو تعطيل زمن السرد ولربما توقيفه كما قال تودوروف، وهذا ما يفسر ربما رجوعه المتعمد للأحداث حتى يعطي للقارئ إحساسا بالمشاركة الفعلية الشيء الذي يؤكد مقصدية المشاهد والمعاني المبتغاة ، وهنا تكمن جمالية هذا العمل الروائي حيث اجتمعت فيه كل المؤثرات الفنية (المشهد المسرحي)والنفسية محاولا الانسلاخ من الطابوهات والتقاليد ليحقق ذلك التوازن النفسي ولومن خلال عالمه المتخيل مع واقعه المتأزم….

إشعاب بوسرغين
ناقد وباحث في الجماليات