يا رب علّمنا أن نصلّي. لوقا ( 13،1:11)

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 19 أغسطس 2014 - 10:00 مساءً
يا رب علّمنا أن نصلّي. لوقا ( 13،1:11)

الصّلاة هي الصّلة بيننا وبين الرّبّ. إنّها ذلك الحوار الإلهيّ الإنساني الّذي يسمح للرّبّ أن يملأنا فنتفاعل معه ويتفاعل معنا، فلا نعود نسمع إلّا صوته الّذي يهمس في أعماقنا بأناة لا توصف. إنّها صلة الحبّ بين الله والإنسان واللّغة الأخرى المختلفة بكلّ المقاييس عن تلك الّتي اعتدنا أن نستخدمها ونحن نتوجّه بالكلام إلى الله.

لقد وعى التّلاميذ مفهومهم الخاطئ لتلاوة الصّلاة، فطلبوا من يسوع أنّ يعلّمهم كيفيّة الصّلاة وذلك بعد أن رأوا السّيّد يصلّي. ( وإذ كان يصلي في موضع، لما فرغ، قال واحد من تلاميذه: “يا رب، علمنا أن نصلي كما علم يوحنا أيضا تلاميذه.”) ( لوقا 11:1). لا بدّ أن السّيّد كان في حالة من الانسجام التّام مع أبيه وظهر عليه السّلام والسّكينة والثقة الّتي تبعثها الصّلاة للنّفس. فقول التّلاميذ ( يا ربّ علّمنا أن نصلّي) يؤكّد أنّهم أحسّوا في أعماقهم وأدركوا في عقولهم أنّ يسوع في حوار عميق وحميم مع أبيه وأنّه بصلاته انفصل عن العالم المحسوس وانتقل بقلبه إلى فوق. ونحن أيضاً علينا أن نطلب باستمرار من الرّب أن يعلّمنا كيفيّة الصّلاة، فحيناً وللأسف تكون صلاتنا فاترة وباردة لا تنطلق من عقل مأخوذ بالله وقلب يلهبه الشّوق إلى اللّقاء بالحبيب الأوحد. وأحياناً تتحوّل إلى طلبات سطحيّة وأنانيّة نريد من خلالها خيرنا ولذتنا وكأنّ الله موجود فقط ليلبّي رغباتنا.

إنّ كيفيّة صلاتنا مرتبطة بكيفيّة علاقتنا بالرّبّ. كما نحبّ الرّبّ نصلّي، فإذا كانت محبّتنا له هشّة أو آنيّة كذلك تكون صلاتنا فاترة ومرتبطة بمصلحة معيّنة. أمّا إذا كانت محبّتنا للرّبّ تفوق كلّ حبّ وإذا كنّا لا نسلك إلّا بحسب مشيئته بالتّالي تكون صلاتنا صلة وعلاقة حبّ لا تنتهي بين الرّبّ وبيننا. وهل ينتهي الكلام بين الحبيب والمحبوب؟ ألا يتمنّى الأحبّاء أن يتواصلوا مع بعضهم البعض إلى ما لا نهاية؟

قال الرّبّ: ” متى صلّيتم فقولوا أبانا الّذي في السّماوات…” ( لوقا 2:11)، وبهذه العبارة يبدّل يسوع مفهوم الصّلاة كليّاً ويجعلها علاقة حميميّة مع الله وفرح اللّقاء بين الحبيب والمحبوب. لقاء الابن بأبيه يختلف كلّيّاً عن لقاء العبد بسيّده، فالأوّل لقاء فرح وثقة ومودّة ورحمة وأمّا الثّاني فيفترض السّلطة والأوامر والطّاعة خوفاً. الابن يتشارك مع أبيه في كلّ شيء ويتحاور معه وأمّا العبد فيلبّي أوامر سيّده دون مناقشة. من هنا يمكننا أن نتبيّن أهمّية صلاتنا كارتباط بالرّبّ الصّديق والأب وليس بالسّيد البعيد الّذي لا نفهم عليه ولا يفهم علينا. والأب لا يمنع عن أبنائه أيّ شيء طالما أنّه لخيرهم ولا يحرمهم من الفرح والطّمأنينة والأمان، ” فمن منكم، وهو أب، يسأله ابنه خبزاً، فيعطيه حجراً؟ أو سمكة، فيعطيه حيّة بدل السمكة؟ أو إذا سأله بيضة، فيعطيه عقرباً؟ فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة، فكم بالحري الآب الذي من السّماء، يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟”. ( لوقا 13،12،11:11).

يؤكّد يسوع أن ” اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له.” ( لوقا 10،9:11). هاتين الآيتين تبيّن لنا أنّ الصّلاة فعل حبّ وجهاد في سبيل المحبوب الإلهي وليس تمتمات أو كلمات نقرأها في كتاب. طبعاً نحن بحاجة إلى النّصوص واللّغة البشرّية إلّا أنّه علينا أن نتخطّاها بفعل حبّ ينبع من القلب يعاونه فعل ثقة بأنّ الرّبّ لا يردّنا خائبين. هذا الفعل هو سعي إلى الاتّحاد بيسوع والسّلوك في طريقه وحده والوثوق به بشكل مطلق وببساطة الأطفال.

” الصلاة تحوّل القلوب اللّحمية إلى قلوب روحانية، والقلوب الفاترة إلى قلوب غيورة، والقلوب البشريّة إلى قلوب سماويّة “، يقول القدّيس يوحنا الذّهبيّ الفمّ. وهذا بفعل الاتّحاد بيسوع المسيح فينقلنا هذا الاتّحاد إلى قلب الله ونحن بعد في العالم. ويحوّل بشريّتنا الماديّة إلى إنسانيّة سامية ترتقي إلى السّماء. وهذا التّحوّل يجعلنا نفهم أنّ ما علينا أن نطلبه بالصّلاة هو الاتّحاد بالرّبّ فقط، وهو يعتني بالباقي. ” اطلبوا ملكوت الله أوّلاً وكلّ شيء يزاد لكم”، أي اطلبوا الحياة في المسيح، فهذه الحياة الحقيقيّة هي الّتي تمكّننا من رؤية كلّ شيء بوضوح، وتجعلنا نفهم أحداث حياتنا ومن خلالها نستطيع أن نرى وجه الرّبّ في كلّ أمر مهما كان عسيراً وصعباً. ومتى اتّحدنا بالمسيح، فماذا نحتاج بعد؟ وبالتّالي فلنطلب في صلاتنا الاتّحاد بالمسيح، حتّى يكون لنا ملء الفرح، وحتّى باسمه نٌمنح كلّ شيء.

الصّلاة ليس طلبات من الرّبّ وانتظار استجابة منه، وليست عمليّة فعل وردّة فعل، بل هي عمل مشترك بيننا وبينه، بمعنى أنّنا ونحن نطلب من الرّب نعمل في ذات الوقت على توطيد العلاقة به ونؤكّد الثّقة المطلقة به. لسنوات طويلة كان المغبوط أغسطينس يعيش في الخطيئة وكانت أمّه تصلّي بحرارة وثقة من أجله دون كلل وتعب. فأتت صلاتها شركة مع الرّب في سبيل خلاص أغسطينس وباسم يسوع نالت حياة لابنها. ” اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً.” ( يوحنا 24:16). فلنطلب يسوع المسيح حتّى يكون فرحنا كاملاً، فالرّبّ كامل الصّلاح لا يمنح إلّا ما هو كامل. ولتكن صلاتنا مفعمة بالحبّ والشّوق والتّواضع والثّقة، فيكون لنا ما يريده الرّبّ لنا من خير كامل.

يا ربّ علّمنا أن نصلّي، فنرتفع معك وبك إلى فوق، وننقل إلى العالم نورك الّذي لا ينطفئ ورحمتك الّتي لا تنتهي ومحبتك الّتي لا تسقط، أنت الّذي يليق بك كلّ مجد وإكرام مع أبيك وروحك الحيّ القدّوس من الآن وإلى الأبد. أمين.
مادونا عسكر/ لبنان

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.