الثلاثاء. نوفمبر 12th, 2019

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

يوميات مسافرة

1 min read

الدكتورة إلهام مراد تابتي – الجزائر – شموس نيوز

يوميات مسافرة 4

حزنت كثيرا لكلام العجوز و انفطر قلبي نصفين من الأسى. …كان يتكلم و كله حرقة…و لم تفارق صورتها جيبه منذ رحيلها…يقول لي كي تبقى دائما قريبة من قلبي.
ثم سألته بصوت خافت عن سبب سفره الدائم رغم كبر سنه…فأنا لاحظته في الباص أكثر من مرة… . بل إن صح التعبير كان يسافر معنا يوميا تقريبا و انا مندهشة من ذلك إذ أستبعد فكرة انه يذهب للعمل بين الولايات فسنه لا يسمح بالتأكيد. …
طأطأ رأسه برهة ثم أصدر أنينا صاحبته هزة رأس و كأنه يتحسر على حياته…ثم اردف قائلا : كنت اعيش مع زوجتي في المدينة التي نحن متوجهون اليها. .في بيت أشبه ما يكون بعش عصافير. .متناغمة أصواتنا ..متفاهمة عقولنا…متجانسة أرواحنا حتى طباعنا كانت مشتركة اهتماماتنا واحدة …مشاكلنا واحدة..كان كل منا يعيش للآخر و كل منا يحاول إسعاد الاخر بشتى الطرق.

لم تكن سعادتنا زائفة بالمرة و الدليل على ذلك عدم وجود اي خصام بيننا طوال مدة زواجنا…كنا كروحين في جسد واحد….اييييه…يتحسر مسترسلا…أما بعد وفاة الغالية.. اخذتني ابنتي للعيش معها في بيت زوجها في المدينة التي انطلقنا منها…..

يوميات مسافرة 5

..كانت تلك رغبتها بعد ان استبعدت فكرة العيش مع ابني بسبب زوجته التي تعاملني بكل برود و جفاء…لم ارد خلق المشاكل بينها و ببن ابني فقررت الابتعاد و العيش مع ابنتي على الأقل زوجها رجل صالح و يعتبرني بمثابة الأب الذي لم يعرفه ابدا…إلا أنني كنت استحيي منه و اتحسس من تطفلي عليهم فأولا وأخيرا انا لست سوى دخيل على حياتهم و على حميميتهم…فقررت متعمدا ان أطيل فترة غيابي عن المنزل و أسافر يوميا الى بيتي في المدينة الأخرى حيث أم الغوالي..اذهب يوميا الى العش الذي طالما احتضنني و غمرني بالفرح…البيت الذي طالما شهد ضحكاتنا و قصصنا و دعاباتنا..البيت الذي امتلأ حبا و ودا و سعادة تحول بعدها الى ركام من صخر.. بيت تجوبه الاشباح و يسكنه العدم و الفراغ. …فقررت إذن أن اعيد الحياة اليه…نعم أذهب يوميا. ..افتح الشبابيك. ..أسقي الغرس و النبات و الشجر…أفتح الراديو و اشغل إذاعتها المفضلة. …ألقي التحية على جيراننا القدامى أقدم الهدايا و الحلوة من هنا و هناك. ..اتصدق يوميا على روحها الطاهرة. .. و أطبخ بعض الأحيان ليس جوعا و إنما كي تنبعث من المطبخ روحها و نفسها فاستشعر وجودها.. بت مؤخرا اكلمها و تكلمني…احدثها فترد علي…أعلم ان هذا غير مقبول و لكني ارتاح لذلك و استجمع قواي 
للمضي في ما تبقى لي من عمر …

يوميات مسافرة 6

ثم في اخر النهار …أعود لغلق النوافذ بإحكام و ترك البيت كما كان حتى اعود اليه في اليوم التالي. ..
صرت على هذا الحال منذ وفاتها و لم اترك ذلك إلا في الضرورة القصوى او لمرض او علة….حبي لها وفاءي لا يسمحان لي بنسيانها هكذا 
..هي تستحق الخلود على الأقل في مخيلتي و فكري…هذا اقل ما يمكنني فعله وفاء لها و لعطاءها و السعادة الزوجية المثالية التي غمرتني بها.
هنا بدأت الدموع بالتساقط رغما عني لم استطع تجاهل المشاهر الجياشة التي يحملها هذا العجوز في صدره…ياله من شخصية متميزة و يالها من قصة عجيبة. 
وصلنا وجهتنا فودعني العجوز و هو يحاول رسم الابتسامة على وجهي بعد ان لاحظ شدة تاثري و تفاعلي…تبسمت قليلا و تمنيت له يوما موفقا.

يوميات مسافرة 7

ها اذا اتخذ مكاني كالعادة.. .بات مقعدي مميزا و الكل يعرفه…قرأت القرآن كالعادة ثم ارحت ظهري قليلا …فإذا بمنظر يشد انتباهي و يعضبني في نفس الوقت. ..أم مستهترة تبدو شابة و صغيرة ملامحها لا توحي باحترام قط… تصعد الحافلة و هي تجر ثلاثة اطفال …جلست في المقدمة و تركت اطفالها كل في ناحية….تتكلم و تتبادل أطراف الحديث مع صديقتها او اختها لست أدري. ..التي تجلس بجانبها….بعد مدة توقف السائق جانب الطريق السيار و ارسل مساعده او كما نقول القابض ليشتري بعض الموز فإذا بها تتبعه حتى تشتري هي الأخرى. 
عادت لمقعدها و ابنها الصغير جالس وراءها لا يتجاوز الخمس سنوات ..اعطته موزة …فقشرها و اعطى القشور لأمه انتظرت منها ان تضع القشور في حقيبتها ريثما تصل إلى بيتها و لكنها لم تحرك ساكنا و اخذت تنظر الى القابض …الذي بدوره هم بأخذ القشور من يديه و رميها بها من أمام نافذتيو على قارعة الطريق عيني عينك…صعقت و انتابني الذهول….كيف له التصرف هكذا….كيف هانت عليه الطبيعة و الخضار حتى يفعل بها ذلك…ماذنب البيئة حتى يلوثها و ينشر فيها سم القذارة و عدم الرقي و التحضر…الى متى هذه التصرفات المشينة و السلوكات الرجعية…لم تقتصر الكارثة على هذا الحد و إنما بينما انا منهارة من تصرف القابض و المرأة واضعة يدي على رأسي من الصدمة فإذا بالطفل تسقط من يده الموزة على ارض الحافلة….لم ينتبه اليه القابض و لا الأم طبعا فهي مسترسلة بالحديث الاهم….ما عي إلا ثواني حتى انتفض الطفل الصغير من مقعده و التقط الموزة من الارض….و الأم لا حس و لا خبر. …ثم تابع ياكلها بكل نهم و شراهة….أما انا فأصبحت مصيبتي مصيبتين…ثم تاتي الام بعدها لتندهش حين يمرض طفلها او يصاب بتسمم او اسهال حاد يضني جسده…و تتعجب المسكينة من اين التقط المرض!!!!!!يا الهي…لماذا انا هكذا….اتفاعل مع كل ما حولي من ايجاب و سلبي …اتمنى من كل قلبي عدم رؤية مشهد كهذا و لو أنني متاكدة ان ذلك غير ممكن…فيومياتي في الحافلة حافلة 
بالاحداث.. .ترقبوها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *