موت المؤلف في ديوان «سنتذكر ونندم» للمغربي جمال الموساوي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 - 12:27 مساءً
موت المؤلف في ديوان «سنتذكر ونندم» للمغربي جمال الموساوي

بقلم محمد العرابى – المغرب

شموس نيوز – خاص

اعتبارا لعملين سابقين، على الأقل، من منجز الشاعر المغربي جمال الموساوي، قيض لي أن أقرأهما، وهما: «مدين للصدفة» 2007، و«أتعثر في الغيمة فتبكي» 2016، نلمس مع ديوانه «سنتذكر ونندم» (منشورات مقاربات، فاس، 2018)، نمو تجربته الكتابية وارتقاءها في سلم اللغة بشكل لا لبس فيه، من حيث قدرته على التحكم أكثر في اقتصاد اللغة، وبناء جملته الشعرية بما لا يفيض عن حاجته للتعبير عن مكامن عالمه الداخلي. وحينما أقول تجربة فأنا أقصد بها أصالة الصوت الشعري وفرادته، بحيث أنك حينما تقرأ نصوص الشاعر تقول بأنك بصدد تجربة تخص جمال الموساوي وحده، وليس بصدد أي شاعر آخر، تحس بأنك أبعد ما تكون عن هذه الأنا الشعرية الفارغة الخاصة بالتلفظ ذاته، التي يسميها عتاة البنيويين بـ«موت المؤلف»، أي بهذا الحدث الذي جرى الاحتفاء به، باعتباره انفتاحا للكتابة على اللاتناهي في التدليل والقراءة، يجرِّد أنا الكتابة من أي تاريخ شخصي، أو أي آثار سيرية. القصد، تمييز هذا لصوت الشعري عن كثير مما هو مطروح في المنجز الشعري المغربي، الذي ينحو إما لأن يكون صدى لشاعر من أحد أطراف المعمورة، وإما لأن يكون تعبيرا لمجموعة تضم أكثر من شاعر لأكثر من لغة، وإذن تغيب عنه تلك الدمغة وأصالة التجربة التي تشع بصدق كلامها الخاص، مهما كان ضوؤها خافتا، إذا أتيح لنا أن نستعمل، على الأرجح، تعبير إميل سيوران؛ نافذة الترجمة على ضيقها وجزئيتها، مكنتني من عقد مقارنات جزئية دائما، وعززت لديّ الإحساس (لكنه إحساس لا يفتقر لنماذج وأصوات خفيضة تتحدث في خلواتها أو على الهامش عن افتقار كثير من الأصوات للأصالة أو عن ذيوع أصوات شعرية «معلبة» آتية من هناك، في خضوع تام لمنطق العولمة) بأننا بصدد نوع من «الهوام» الشعري، الفاقد للملامح والمنبت عن التربة الطبيعية التي من المفروض أن تعطي لكل تجربة نكهتها الخاصة. التعميم بالطبع سيكون مخلا ومغامرا، بل حتى متهورا.

في هذا الإطار يقول جمال الموساوي: «أبحث عن فكرة/ تنتمي إليَّ/ بغموضها/ وانفلات عينيها/ في اتجاهات متعددة/ بعبثية السؤال فيها وهي تشد أذن الحياة/ برفق»؛ هكذا يباشر الشاعر بحثه المضني عن الفكرة، وأي فكرة؟ إذا علمنا أن الأفكار «والمعاني تنساب كما تخيلها الجاحظ»، و«كل الأفكار ثيبات في هذا الليل»، فالفكرة المقصودة هي تلك التي يتحدث عنها جيل دولوز، حينما يعتبر أن إيجاد الأفكار هو من أصعب الأشياء وأعزِّها، الفكرة التي تنتمي إلى الشاعر وتشبهه، في شكه وتمزقه، في تردّده وهشاشته. فكرة، عوض أن تنير دروب الذات، وتجلي مسالكها الفكرية تقذف تجلياتها وتمثيلاتها بالبطلان وبالقلق والغموض بما يجعل وجودها يصبح هشا أكثر فأكثر: «ثمة من وجهة نظر الشاعر/ كثير من الغموض،/ قلق يفتك بالقلب الهش/ ثمة أفكار سوداء تماما/ ونار تبعثر حزمة ضوء». «ثمة أفكار مثل نباتات ذابلة».

الكائن الشعري

الكائن الشعري الذي يريد الشاعر أن يرسم ملامحه يتجسد كأفضل ما يكون في جناح الفراشة، في ولعها الصوفي في الاحتراق بنار الوجــــد «الفــــراشات تموت في حضرة النور»، لذلك يضاعف الأمثلة والصور ويقرنها بكل الكائنات السريعة العطب من زهرةٍ وعصفورةٍ وغيمةٍ وشفةٍ ونملٍ وشمعةٍ وطفلٍ وعشبٍ وأمٍّ وقرني حلزون: «جاءوا بك من الحلم/ مثل رسم في جناح فراشة/ هشًّا مثل يتيم/ لك ولاء الزهرة في الحدائق/ لك ابتسامة العصفورة». «سأشتاق/ فأنا كائن بعاطفة هشة/ إلى غيمة في المجاز».

هو ابن الإنسان فقط، الإنسان البسيط: «بسيط، ابن بسيط، ابن بسيطة»، بلا ملامح مصطنعة أو تلفيقات الأسطورة التي لا تليق بمقام الشاعر المسرف في هشاشته ونزوعه للزوال بتعزيز قيم النفي التي تبعده عن التزييف الملحمي، إن على صعيد الأيديولوجيا أو التاريــــخ، لنشدد على قيم «النار» و«الجب» و«اليم» وإحالاتها الأسطورية المعروفة في المقطع التالي: «لم تولد كما يولد الناس/ يا فتى الجبل العظيم/ بنار فوق رأسك/ وريح مسخرة بين السماء والأرض/ جاء العتالون بك/ ليس من جبّ،/ ولا من يمّ».

كل زاده في هذه الحياة التي يعشقها بهوس، أحلام موؤدة، يمكِّنه فضاء الليل من تذكر خراب الذات والتحليق في أثر هذه الأحلام، ومحاولة استدراجها إلى فضاء «جنة البياض»، إلى الكتابة، إلى اللغة. هو إذن مجرد حالم يعبر الأزمنة ويقع على جراحه ويحاول لملمة دموعه من خلال غنائية غير مخلة أو واقعة في شرك بكائية مرضية. واقعيته لا تحجب عنه أيضا مرارة المعيش وقسوته، وتدفعه للتشكيك في قيمة الشاعر الاعتبارية، حتى لتتملكه الرغبة، بدافع من يأسه، لمغادرة حقل الحلم وإحراق مكتبته الرمزية والتحول على غرار رامبو إلى بائع سلاح في القرن الإفريقي: «أفكر في بيع متلاشيات/ الوقت ملائم كي يتحول الشاعر إلى سمسار»، لكنه ينتهي دائما إلى هذا الوعي القاسي بأن التحليق الحالم يصطدم دائما بالواقع، بالمجتمع الذي يعمم الاستيلاب ويصادر حرية الفرد ورغبته غير المشروطة في أن يكون حرا، ويعيده إلى المربع الأول كونه كائنا هشا يتماهى مع الفراشة سريعة العطب والزوال، وتلك هي قوته.

نمثل لهذا المسار الحالم للشاعر كما يتصوره، وكما يصوغه جمال الموساوي بكلماته الخاصة، في النص الأول من مجموعته، والمعنون بـ«في معنى الفراشة»:

«بالأمس حلمت بالنار/ كان المطر يظلل القلب/ حلمت بالملائكة تأتيني بالشهوات/ والنغم/ لم أنم/ على الأريكة كالعادة عندما يدلني الحنين/ حملت الصور إلى المصباح المتواطئ/ إلى عتمة لا يصلها طيف/ لأرى النور المشع بلا اتفاق مسبق/ بلا هاتف مثلا/ وبلا سبب وجيه على الأقل/ حلمت بالنار كما لم تخطر على الإنسان الأول/ بأصابعي في فم البركان الأزرق/ بشفتي في مكان ما/ من هذا الفراغ المكتمل/ وكان هناك مطر/ طوفان كامل من اللغة يتدحرج من عل/ إليَّ/ هنا/ في هذا المنعطف/ على جناح غيمتي الأبدية/ إليَّ/ هنا/ في بحيرة الشك النائم في خلاياي/ إليَّ/ هنا/ في الأسفل/ هنا، الكائنات ليست نورانية بكاملها/ ولست، مهما حاولت/ سوى فراشة/ أفرد جناحين للهشاشة/ وهناك ما ينسخ الأفكار، وما يملي/ على الكائن معنى أن يكون/ أن يكون/ فراشة هشة ينهشها الزوال».

الجمالية السلبية

بدون تباطؤ، ولأن المقام لا يسمح بمقدمات نظرية حول المفهوم، نسارع إلى القول بأن المقصود هنا بالسلبية تلك القدرة على النقد والاحتجاج والتمرد على قيم المجتمع، ومن له القدرة على أن يرفع هذا العصيان الدائم هو الفن عموما، والشعر ما دمنا بصدده الآن، والجمالية السلبية تُعرَّف بمقابلتها بالجمالية الإيجابية الطوباوية، التي تؤمن بأن الصراع سينحل في النهاية بمجرد انهيار النظام الرأسمالي بفعل تناقضاته الداخلية. ولأن المجتمع أصبح مستلبا تهيمن عليه السلطة والقمع، ومتشيئا يعمم صنمية السلعة، فالجمالية السلبية ترى في الفن أداة للتحرر من خلال مواجهة التشيؤ بمزيد من التشيؤ والعدوانية والقسوة والقبح والرعب واللا إنسانية، أي بكل القيم التي تأبِّد اللامعنى. (في مفهوم السلبية: «الجماليات بين الفلسفة والأدب عند أدرنو»، معزوز عبد العالي).

هذا التمهيد ضروري لاقتحام الرؤية الجمالية السلبية التي تخترق كثيرا من نصوص «سنتذكر ونندم»، حيث يعطي الشاعر الكلمة للأشياء لأن تقدم نفسها بحياد نسبي، وتقول قيمها في استقلالية عن أنا الكتابة اللصيقة بالذاتية، التي أصبحت قدر الفكر المعاصر حسب هيدغر. تقول جوليا كريستيفا في هذا الصدد: «وهذا منهج شائع في تاريخ الفلسفة المعاصرة. فقد نجده عند هايدغر، الذي وإن كان يعلن أفول النزعة الإنسانية، أي أن الفكر تخلى في أيامنا عن الفردانية الإنسانية كمصدر لكل عمل، يظل على اعتقاده بأن الذات الإنسانية إذا كانت قابلة للمحو، فإن الذاتية لا يمكن تجاوزها. وإذن ستظل هناك دائما نقطة تلتجئ إليها إنسانية مرفوضة ومقنَّعة في هيئة ذاتية» ( كريستيفا: ضمن الكتاب الجماعي تحت إشراف غريماس «دراسات في السيميولوجيا الشعرية»). إعطاء الكلمة للأشياء لكي تقول ما هي عليه (في نوع من الفينومينولوجيا) معناه تمزيق الطابع الميثولوجي الذي يلوث عالم الإنسان وتمثيلاته الرمزية. في قصيدة «هناك حظ أقل» نتلمس هذا الحضور المكثف لأشياء العالم المختلفة، وتراصفها في لامبالاة شبيهة بلامبالاة عالم لاإنساني. كل جملة فيها كيان مستقل عن غيره إلا بحمل قصد القارئ عليه، ومحاولته المقاربة بين جزره المتباعدة وأشجاره الوحيدة المنعزلة: «الشجرة البعيدة في الصحراء»، «نمضي في الممر الوحيد/ إلى عزلة الشجرة». حتى أن نون «نمضي» هنا لا تعزز هذا الوجود الجماعي ومصير التواصل، بقدر ما تعزز القيمة الغسقية للأفول معاً ومغادرة المسرح الكوني. وهذه الجمل الأسمية التي تؤبد معنى الحياد والسكون، والوقوع خارج الزمن الإنساني. حتى جريمة القتل يُرمى القفص بالمسؤولية عنها، لتنتهي القصيدة بدون أن تنتهي آثارها وما لفظته من وعد أو وعيد: هناك حظ أقل بأن يفقد الصباح نصيبه من الكآبة والظل، هناك احتمال أقل بأن يخرج هذا العالم الذي نتورط بالعيش فيه من حالته الوحشية المرعبة وسيظل الوعد بالنور أمرا غير مؤكد، تماما مثل ما كان يعتقد به الشعراء والمفكِّرون الصباحيون، ما قبل السقراطيين الذين ارتبط لديهم الوعد بالإشراق ومعانقة النور بالاحتجاب والغرق في ليل الكون، في حركة ذهاب وجيئة لا تنتهي: «الشرفة التي لا تفتح إلا نادرا/ الحديقة التي تحشد عشبها بسرعة ويتماطل البستاني في زيارتها/ المجرفة الكسول المحايدة في ركن/ مقص العشب المصاب بكساح مزمن/ الجندب الذي قتلتُه وأشعل كل أكياس الندم في القلب/ الأرجوحة التي كسرتها رياح الأيام الماضية/ الصيف المتردد فيرحل ثم يعود/ المطر الذي يطل من تلك الغمامة في بيت الشاعر/. «كما أبرقَتْ قوما عِطاشا غمامة… فلما رجوها أقشعتْ وتجلَّتِ»/ الساعة الإضافية والساعة المنقوصة/ الأجراس التي في الرأس مثل قرني حلزون/ السلحفاة الصغيرة التي خرجت ولم تعد/ الطائران اللذان اغتالهما القفص قبل أربع سنوات/ الكلب الذي سرقه شخص ما. عمود الموجات الكهروميغناطيسية المهدِّد/ الغبار. الغبار. الغبار/ هناك حظ أقل/ لكي يفقد وجه الصباح سحنته الرمادية».

ولست أدري بأي ضربة حظ وجدت هذا الرجع بين هذه القصيدة وقصيدة قصيرة لرونيه شار من أوراق هيبنوس منشورة ضمن كتابه «جلبة وسرّ»، (القصيدة كانت مهداة في الأصل لمارتن هايدغر)، وإن كان الالتقاء في وحدات دلالية قليلة من قبيل البستاني والمجرفة والقلب، قد يكون من قبيل المصادفة، ولا يعني، ربما، شيئا كثيرا إلا أن يكون انعكاسا لكلمات مشعَّة تظل تتردَّد أصداؤها في كياننا، كقراء.

الخريف يتقدَّم ، إلى الأمام، إلى الخلف، أسرع من رفش البستاني.

الخريف لا يندفع أمام القلب الذي يطلب الغصن مع ظله.

٭ شاعر من المغرب

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة شموس نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.