بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

أبيض غامق … مع فابيولا

1 min read

الصحفية والشاعرة فابيولا بدوي

بقلم فابيولا بدوي – باريس

درية شفيق: هل كان الأمر في النهاية يستحق كل هذا العناء؟

اعتصمت درية شفيق في السفارة الهندية في العام 1957 ، مطالبة الرئيس جمال عبد الناصر بالاستقالة أو حصول كافة المواطنين رجالا ونساء على حقوقهم وحريتهم، ولم يكن ذلك الاعتصام الأول ل” بنت النيل” فقد اضربت عن الطعام قبلها في العام 1954 وكانت النتيجة حصول المرأة على حق الانتخاب والترشح ومساوتها بالرجل في الحقوق والواجبات للمرة الأولى بنص دستور 1956. إلا أنها من داخل السفارة الهندية التي اختارتها لأن الهند بلد محايد وحتى لا تتهم بالانحياز إلى أي جانب، اتهمت عبد الناصر بأنه ديكتاتور وأن الحريات تتقلص للحد الذي يهدد البلاد، وأن وضع المرأة يتراجع لذا طالبته بالاستقالة حال أصر على الاستمرار في نفس النهج في الحكم، دخلت سفارة الهند وحدها وتحملت تبعات صرختها الأخيرة وحدها تماما

خرجت الصحف العالمية تتصدرها حينها درية شفيق، فعنونت لندن تايمز ( المدافعة المصرية عن حقوق المرأة تضرب عن الطعام في السفارة الهندية) فيما كان العنوان الرئيسي لصحيفة دي فيلت الألمانية ( إمرأة من وادي النيل ترفع راية المقاومة ضد عبد الناصر) اما إذاعة مونت كارلو فأكدت على ما وصفتها به من قبل ( انها الرجل الوحيد في مصر) ، فيما انهالت عليها كافة الصحف المصرية تشجب موقفها حيث تعرضت لهجوم ممنهج عليها من وسائل إعلام بلادها، حتى الحلف النسائي الذي دعمته أعلن موقفه كمؤيد للرئيس جمال عبد الناصر وانقلب عليها.

لاقت درية شفيق مساندة كبيرة من الزعيم البانديت جواهر لال نهرو، رئيس الهند وقتها، الذي ظل على اتصال دائم بعبد الناصر وطلب منه عدم السماح بالتعرض لدرية إذا ما رغبت في الخروج من السفارة كما أبلغ السفير الهندي أن د. درية شفيق ضيفة على السفارة .. لم تتراجع درية شفيق حتى وهي تتابع وصفها في الصحف المصرية بالخائنة واستمرت في اضرابها حتى تم نقلها إلى المستشفى في سيارة تابعة للسفارة بعد حوالي 11 يوما من الاضراب المتواصل من أجل بلد ديمقراطي حقيقي

في يوم 17 فبراير 1957 بعدما تمالكت نفسها قليلا حملوها إلى بيتها وتحت ضغط أسرتها أنهت إضرابها الذي لم تكن قد انهته في المستشفى، وتم تحديد إقامتها داخله لا يسمح لها بمغادرته أو رؤية الشارع إلا من خلال شرفته… هكذا بين ليلة وضحاها وضعت أيقونة الحركة النسوية في مصر تحت الإقامة الجبرية، وتم حظر ومصادرة كتاباتها، وطردها زملاؤها من اتحاد بنت النيل الذي أسسته، وتم إغلاق دار النشر الخاصة بها، وحذف اسمها من الصحافة والكتب المدرسية التي كانت تفخر بوجود هذا الاسم على صفحاتها، وبدأت رحلة حزنها على محوها من الحياة وهي لا تزال تتنفس، حيث تم محو أي ذكر لها ضمن رائدات الحركة النسائية خاصة في وسائل الإعلام، ولم يقتصر الامر على كل هذا بل تم سجن زوجها ورفيق حياتها بعد عشر سنوات على عزلتها، ليقضي في السجن أربعة اشهر في العام 1967 تحت الاشتباه في عمل تخريبي ثبتت براءته منه، بعدها سافر إلى الخارج لمواصلة عمله وتم بينهما الطلاق

سنوات طويلة من الاقامة الجبرية (13 عاما) حتى وفاة الرئيس عبد الناصر، وحتى بعدما رفعت عنها فور تولي الرئيس السادات لم تغادر منزلها، وكأنها كانت ترفض مواجهة من استسلموا فجعلوها تواجه هذا المصير بعد ثلاثة عقود من النشاط والنضال والإنجازات

في العشرين من سبتمبر 1975 أي بعد 18 عاما من الاقامة الجبرية والاختيارية عاشتهم فقط مع ابنتيها، غادرتنا بإرادتها كما كانت تفعل دائما، حيث ألقت بنفسها من شرفة منزلها بالدور السادس بعدما انتهت من كتابة مذكراتها التي انهتها بأبيات للشاعر الفرنسي بول إيلوار ( أيتها الحرية/ إليك أهدى قلبي/لولاك ماكانت لي أبدا حياة)

في وداعها كتب الصحفي الكبير مصطفى أمين: رحلت المرأة التي ملأت تصريحاتها الدنيا، هذه المرأة التي ألقيت عليها الأضواء العالمية اينما ذهبت، نسي الناس اقتحامها البرلمان مطالبة بحقوق المرأة، نسوا إضرابها عن الطعام فحصلت المرأة المصرية على حقوقها الدستورية، ونسوا أنها فقدت حريتها ومجلاتها وأموالها وزوجها لأنها لم تتنازل يوما عن مطالبها، فدفعت ثمنا باهظا وفظيعا لمقاومتها بينما استسلم الآخرون

رحلت درية شفيق عن دنيانا وبعد رحيلها بحسب ما قالته إحدى بناتها: كانت أما عظيمة على الرغم من انشغالاتها، وأننا قد تعلمنا حتى من انشغالها وأنها قدمت لنا طوفانا من الحب، كما ذكرت ان درية قبل وفاتها بقليل نظرت إلى هذه الإبنة بحزن وتساءلت: هل كان الأمر في النهاية يستحق كل هذا العناء؟ إلى هنا اختم كلماتي عنها واترك الإجابة لكل من يطلع على سيرتها: هل الأمر كان يستحق أم لا؟