بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

أبيض غامق … مع فابيولا

1 min read

الصحفية والشاعرة فابيولا بدوي

بقلم فابيولا بدوي – باريس

حواء ادريس سيدة العطاء في قضايا المرأة الاجتماعية

هناك من دون شك في بلادنا ظاهرة لا يمكن ان يتجاهلها أي مراقب لمشهد الحركة النسائية العربية بشكل عام والمصرية خاصة، ألا وهي ممارسة كل أنواع الاضطهاد والاستقواء على النساء خاصة الرموز والرائدات منهن، وتاريخ الحركة النسائية في مصر لخير شاهد على تعرضهن لمرض الاستقواء الذي مورس عليهم وبلغ مداه حتى أودى ببعضهن إلى الموت قهرا أو إلى الانتحار يأسا

يمكن إحالة الأمر كله إلى المصادفة أو إلى أن كل رائدة من رائدات هذه الحركة لها مسار خاص بها وأن التعميم غير جائز. الحقيقة يمكننا مهما قلبنا الأمر على أكثر من وجه لن نصل إلا لنتيجة واحدة مفادها أن الاجحاف قد لاحق غالبيتهن، وان تعمدا واضحا كان وراء إظهار عدد قليل جدا منهن وتضخيم حضورهن ليتم الاكتفاء بهن لتزيين الواجهة. الثابت أن التوثيق التاريخي قد تغافل عن بعضهن وأزال أخريات واختزل مسيرة من لهن حق تاريخي لا جدال فيه بتصويرهن على اعتبارهن مجرد ظل لأخريات قد تم إبرازهن، فتذكر اسمائهن في سطر وأحيانا أقل، لتبدو الحركة النسائية المصرية وكأنها مواقف فردية وليست تيارا فاعلا له جذوره ولا يمكن الفصل بينه وبين حركة التنوير المجتمعي ككل

واحدة في مقدمة اللواتي قد لحق بهن هذا الظلم هي “حواء إدريس” التي يشار إليها دائما فقط على اعتبارها ابنة خال هدى شعراوي وإحدى عضوات الاتحاد النسائي المصري الذي أسسته شعراوي في العام 1923، فيما حواء إدريس هي مسيرة عطاء كبيرة وإحدى رائدات هذه الحركة ووحدها يكتب فيها عشرات المقالات

كتبت عنها سنية شعراوي حفيدة هدى شعراوي : كانت حواء إدريس كالجندي المجهول في محيط الحركة النسائية، فقد كانت تتفانى في خدمة التنمية والنهوض بمستوى المرأة كما تفعل الراهبة تعطي بلا حدود ولا تكترث لنفسها

ولدت حواء إدريس في العام 1909 من عائلة من بلاد القوقاز، جدها لأمها أمير لإحدى القبائل قتل في موقعة القرم في مواجهة الروس، والدها هو أحمد أدريس وعمتها إقبال هانم التي تزوجت في مصر من محمد باشا المصري لذا فأن أبنة عمتها هي رائدة الحركة النسائية المصرية هدى شعراوي. عاشت حواء طفولتها المبكرة في تركيا، وبعد وفاة أبيها وعمها انتقلت برفقة شقيقتها حورية إلى القاهرة لتعيشان في كفالة ومنزل ابنتة عمتهما، التي وصفتها حواء في مذكراتها بقولها: وجدنا انا وأختي في هدى شعراوي أما ثانية خصتنا ببالغ عنايتها ورعايتها، لم تدخر وسعا في عمل ما فيه راحتنا وسعادتنا. هكذا حاولت حواء أن تستمر بها الحياة بعد أن فقدت هي وأختها أسرتها وأغلى من لها في هذا العالم، لتحول الفقدان للأهل إلى مساحة عطاء للمرأة كانت وستظل مساحة خاصة بها وحدها

التحقت حواء واختها حورية بالقسم الداخلي بالكلية الأمريكية للبنات حتى أتمت الدراسة الاعدادية، ثم انتقلت في المرحلة الثانوية الى كلية البنات، لكنها لم تكمل دراستها الجامعية، يقال لأسباب صحية ويقال لأنها كانت قد انخرطت في العمل الأهلي من خلال الاتحاد النسائي المصري ووجدت فيه ضآلتها، فبحسب ما جاء في مذكراتها كان هذا العمل قد امتزج بروحي ودمي فسرت في تياره، وأنا لم اتجاوز الثانية عشر من عمري، وقد يكون هذا هو الأرجح فقد كانت لحواء، بحسب ما كتبته الاخريات في مذكراتهن، مساحة خاصة تتفانى فيها من أجل النهوض بوعي المرأة وتعريفها بحقوقها، لم تكن صدامية الطباع لكنها كانت الأبرز في الندوات والمحافل الدولية تعرف وتطالب بحقوق المرأة. هذا النشاط هو ما جعلها تلفت نظر الزعيم نهرو، رئيس الهند حينها، بعدما استمع إليها في إحد المؤتمرات في الهند وأعجب بحماسها وصدقها في طرح قضايا المرأة وحرية الشعوب، فما كان منه إلا أن دعاها إلى مأدبة عشاء تكريما لها

تطورت علاقة بحواء بهذا بالاتحاد النسائي لكنها لم تكن يوما ظلا لأحد، فأصبحت مسؤولة عن نشاطه الثقافي، كما قامت بتمثيله في عدد كبير من المؤتمرات الإقليمية في تركيا والهند والعراق والسودان ولبنان وغيرهم، مدافعة عن حقوق المرأة وأيضا عن حق الشعوب في التحرر ومقاومة الاستعمار بمشاركة النساء. كانت أكثرهن نجاحا في الأعمال التطوعية التي تؤكد أن المرأة قادرة على القول والفعل، فشاركت في بعثة الهلال الأحمر المصرية التي سافرت إلى سوريا في 1945 عقب قصف الفرنسيين لعاصمتها دمشق، وكانت الداعمة الأولى للمقاومة الشعبية المصرية ضد الاحتلال الانجليزي ولم تنس قضايا المرأة الاجتماعية يوما

وقبل ذلك كله كانت قد أسست جمعية موازية للاتحاد النسائي باسم (شقيقات الاتحاد النسائي) في العام 1933 وقد ضمت في عضوياتها أسماء صارت لامعة وشهيرة فيما بعد مثل أمينة السعيد وسهير القلماوي ومنيرة عاصم وغيرهن، وكان من أهم أنشطة تلك الجمعية هو النهوض بوعي المرأة في الأحياء الشعبية ومساعدة الأسر الفقيرة

تروي حواء في مذكراتها كيف حاربتها الصحافة آنذاك وتقول: لن انسى أبدا ما استقبلتنا به الصحافة في ذلك الوقت، إذ انهمرت علينا سلاسل السخرية الموجعة حتى أن أحدهم كتب يقول: ألا ترين صغيرتي أنه من الأوفق لك في الوقت الحاضر أن تكتفي ب ( البزازة)؟ ذلك في إشارة واضحة لصغر سنها، وعلى الرغم من كل ما واجهته لم تتوقف بل زادها الرفض لمطالبها تصميما

فأظهرت قوتها وإيمانها بحق المرأة في الحصول على حقوقها كونها نصف المجتمع الذي لا يجوز أن يعاقب طبقا لجنسه. وهو ما أكدت عليه بعدها في حوار لها بجريدة أخبار اليوم حينما صرحت بأن اهم قضاياها المجتمعية التي لن تفرط فيها أبدا هي قضية الزواج والعمل، مشددة على ضرورة منع التعدد وحق تطليق المرأة نفسها، وحقها الكامل في التعليم وأن يكون التعليم مختلطا في جميع المراحل، وعلى حقها في العمل بأجور متساوية. لكنها في الحوار نفسه قالت أن الوقت لم يحن لدخول المرأة المصرية للبرلمان وهو الرأي الذي كانت قد اتفقت عليه مجموعة الاتحاد النسائي المصري، فيما كانت الكاتبة والمناضلة منيرة ثابت تنادي بهذا الحق منذ عشرينات القرن لتلحق بها رائدة الحراك النسوي درية شفيق وتجسده على الأرض ليغدو حقا أساسيا من حقوق المرأة السياسية في بلادنا حتى الآن

استمرت هدى شعراوي في دعم مسيرة حواء ادريس حتى بعد انفصالها وتأسيسها لجمعيتها وظلت الداعمة الاولى لها حتى وفاتها في العام 1947، في المقابل استمرت حواء في عضوية مجلس إدارة الاتحاد إلى جانب نشاط جمعيتها إلى أن تم تصعيدها إلى رئاسته بعد وفاة هدى شعراوي، لتستمر في النضال من أجل حقوق المرأة الاجتماعية كافة، إلى أن قامت ثورة 1952 التي شكلت مفترقا للطرق في حياة سيدة العطاء في قضايا المرأة حواء إدريس، وللحديث بقية

الجزء الثانى والأخير

بدأنا حديثنا في المقال السابق عن المرأة التي فقدت عائلتها الصغيرة في وقت مبكر من حياتها، فاضطرت أن تترك تركيا التي لم تكن تعرف سواها إلى مصر وطنها الأكبر والأبقى لها، فعاشت هي وشقيقتها في كنف إبنة عمتها السيدة هدى شعراوي التي كانت لهما أما ثانية، والتي من خلالها سرى في دماء المراهقة الصغيرة معنى العطاء الذي يعوض عن فقد الابوين. أنها حواء إدريس من وهبت حياتها كلها لقضايا المرأة المصرية الاجتماعية، وللعمل التطوعي مع المقاومة المصرية والعربية ومنحت أجمل سنوات عمرها للدفاع عن حق الشعوب في الحرية والتحرر

ناضلت حواء إدريس من خلال الاتحاد النسائي المصري وأيضا عبر جمعيتها ” شقيقات الاتحاد النسائي” وكان همها الأول هو رفع وعي النساء للحصول على حقوقهن خصوصا المرأة في الأحياء الشعبية، وبعد وفاة رائدة الحركة النسائية في القرن العشرين هدى شعراوي في العام 1947 حلت حواء محلها كرئيسة للاتحاد النسائي المصري حتى بعد قيام ثورة 1952

ظلت حواء مثلها مثل كل من عايش الثورة تعطي وتثق أن المناخ الثوري الذي كان سائدا حينها لابد وأن ينصف المرأة ويعطيها كافة حقوقها الاجتماعية التي من دونها لا يمكن لثورة أن تستقر .. لكن آمالها قد خابت تماما بمجرد أن نشر قانون الجمعيات الأهلية بكل ما تضمنه من تعديلات ضربت العمل الأهلي في الصميم، وكان من نتائج تطبيقه تجميد نشاط الاتحاد النسائي الذي لم يعد إلى الحياة بعد جهد شاق إلا بقرار من رئيس وطويل لكنه عاد ميتا تقريبا، حيث تحول إلى مجرد كيان خدمي ينحصر نشاطه على الخدمات التعليمية والصحية تحت اسم جمعية هدى شعراوي وليس كاتحاد نسائي، أما حواء إدريس فقد تم تحجيم نشاطها تماما ليقتصر على الإشراف على حضانة تابعة للاتحاد ( سابقا) كانت قد أسستها بنفسها في العام 1846

أما عن حياتها الخاصة فلم يمزقها التوقف عن العمل العام والنضال من أجل حقوقها الإجتماعية، بل أيضا ما مر بها على المستوى الشخصي. فقد كانت حواء تقيم في قصر السيدة هدى شعراوي منذ أن حضرت طفلة من تركيا وحتى العام 1963 الذي فوجئت خلاله بقرار الاستيلاء على القصر

ذلك المكان الذي قضت به كل حياتها ولم يكن لها هي وأحفاد هدى شعراوي سواه، كان قد تقرر نزعه وتحويله إلى فندق سياحي. وعن هذا القرار تقول في مذكرتها التي نشرت مؤخرا: كأن البلد قد ضاق إلا من رقعة الأرض التي كانت تحمل ذلك المنزل، وطلبنا مهلة كي نغادر القصر ومنحنا شهرين ولكن بعد شهر واحد فوجئنا بأحد رجال الشرطة يهددنا بالطرد ما لم نترك المكان في أقرب وقت.. فكان علينا فورا أن نجد مكانا أو نفترش الشارع

في تلك الفترة إنهالت آلاف البرقيات من كل البلاد العربية والآسيوية على الرئيس جمال عبد الناصر عدم هدم المنزل وتحويله إلى متحف يبرز تاريخ النهضة النسائية في مصر، حتى الصحف المصرية كتبت بإفاضة في ذلك الموضوع ولكن كل هذا وكأنه صراخ في واد .. فخرجت حواء من المنزل نتيجة الضغوط قبل المهلة الممنوحة لهم بأكثر من ثلاثة أسابيع، ولم تجد بحوزتها من الأموال بعد تأميم كل شيء سوى ما يكفي لأن تعيش في غرفة متواضعة في إحدى البنسيونات في وسط العاصمة بينما ذهب أحفاد هدى شعراوي إلى منزل إحدى مدرساتهم الأجنبيات التي عرضت هذا عرفانا وتقديرا وحبا لجدتهم

قبل ذلك شهدت حواء على محو اسمها وكل انجازاتها وتاريخها وعطائها والاكتفاء فقط عند ذكر اسمها في الإعلام الموجه حينها بأنها إبنة خال هدى شعراوي وإحدى عضوات الاتحاد فعاشت حتى وفاتها وكأنها لم تكن ولولا كتابتها لمذكراتها في ذلك الفندق والتي سلمتها 1971 إلى مكتبة الجامعة الأمريكية خوفا من ضياعها .. ولم تنته معاناتها فقد قرر بعد سنوات صاحب البنسيون بيعه للسفر، فلم تجد مكانا سوى النوم في حجرة صغيرة بمقر جمعية هدى شعراوي إلى أن أسست لنفسها مسكنا صغيرا في نفس الجمعية بمساعدة مالية من شقيقتها حورية وتوارت فيها عن الأنظار حتى غابت عنا في ديسمبر 1988

بحسب مذكرات حواء إدريس فأنها قد ندمت على كل شيء قامت به فقد كتبت: أما عن نفسي إذا عدت مرة أخرى إلى هذه الدنيا فأنا لن اتصرف كما تصرفت في الماضي، لأنني اعلم الان أن الناس لا يهتمون سوى بالتوافه من الأمور ونحن نستحق ما حدث لنا منهم لأننا لو ملأنا الدنيا صراخا قائلين أننا أبطال وطنيون وأننا أتينا بالمعجزات من دون أن نفعل أي شيء، لكنا الآن قد دخلنا التاريخ من أوسع أبوابه، كم يحز في نفسي كإنسانة عدم المبالاة التي ألقاها أنا وزميلاتي، مما يقتل فينا كل حب لخدمة المثل العليا

ثم ختمت مذكراتها بقولها: هناك ذكريات وذكريات، بعضها مر وبعضها باقة جميلة من الأزهار، لكنها كلها قد عصفت بها ريح عاتية وشوهت رونقها وأصبحت غير قادرة حتى على اجتذاب الأنظار

لن أزيد بعد ما سطرته حواء إدريس بنفسها سوى أن أقول لها : وداعا يا سيدة العطاء .. ولا تعليق