بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

أدْعيَـاء الشعر والنّقد وتشويه معنى ” الغموض” في قصيدة النثر العربية الحديثة

1 min read

يبقى هدف كل شاعر هو كتابة النص الشعري الذي يحقق من خلاله التواصل مع المتلقي بشكل ابداعي خلاّق بعيدا عن التقريرية والخطابية، ولهذا تتطلّب قصيدة النثر العربية او ما يسمى بالشعر الحرّ مرجعية ثقافية واسعة بالاضافة الى الوعي الكبير بخصوصيتها الصعبة الولوج، والتي لا تتأتّى إلاّ للشاعر المتحصـّن بالثقافة وبالوعي الشعري المتميز والقادر على خلق مسافات دلالية وإيحائيّة وتعبيريّة في نصه الشعري.

وعليه، فــ”الـغموض” كصفة مشروعة في الشعر يتيح للشاعر ان ينتقل بنصه إلى مرحلة أعمق وأكثر غنى سواء على مستوى القيمة المضمونية أو القيمة الجمالية وبالتالي يوسّع من حوله دوائر التأويل والجمال ويظهر مدى قدرته على الارتقاء بنصه الشعري ليصبح مصدرا للإدهاش وللسحر من خلال لغة شـعرية مكثفـة بالمجاز والاسـتعارة وتوظيف الرمـز والأسـطورة بحرفية..
وايضا من خلال الصور الفنية الرامزة التي تشير الى افكاره أو الى شحناته العاطفية والنفسية، وتُـفرغُ اللغة من معناها المعجمي لتُشحنها بحمولات جمالية عميقة المعنى والفكر.

لكن هذا القول لا يعني الميل الى الإبهام والالغاز والطلاسم في التراكيب النحوية تحت ذريعة الرمزية .. إذ يقول جون كوهين : “أن الغموض في القصيدة أساسي بالنسبة إليها ولكنه ليس مجانياً، إنه الثمن الذي تدفعه مقابل إيضاح من نوع آخر”

ولعل من اهم الظواهر التي تصادفنا اليوم في المشهد الشعري هي ظاهرة ارتفاع أعداد (الشعراء) الشباب الذين اقتحموا، أو بعبارة اصحّ ، أقْـحموا أنفسهم في عوالم الرمزية والغموض دون دراية بمفهومهما ، يضعون بين يدي المتلقي نصوصاً فاقدة لأية خصوصية وغارقة في التغريب والتعْمية، أقلّ ما يقال عنها أنها ارباك للقارئ .
فما االفائدة من نص شعري لا يفهمه المتلقي ؟

” هؤلاء الشعراء” فهموا الحداثة في قصيدة النثر العربية على غير معناها الحقيقي ، يخلطون بين الرمزية الموجَّهة وبين الغموض المتطرف او الهذيان المجاني ، ولم يُدركوا ان الرمز المدروس او الغموض (الشفاف) المحبب في قصيدة النثر العربية خيارات جمالية وتقنية فنية عالية لا تُقحَمُ بشكل اعتباطي في النص وانما تدمج فيه بمهارة لتبرهن عن شاعريّة فذة وتدعو القارئ الى التأمل والتفكير العميق والشهي من خلال ” ضوء جمالي خافت ” يتركه الشاعر لكي يستهدي به القارئ الى المعنى او الى الفكرة.
أليس القارئ مشاركًا في العملية الإبداعية لخلق النص.؟
اذن كيف لا يستوعب ” الشاعر” من هؤلاء انه في نصوصه الغامضة المتطرفة يُقصي القارئ من ” المشاركة ومن اعادة تفكيك النص وانتاجه ” بالقراءة” ؟؟
فإذا كان النص هو دليل الشاعر .. فكيف للقارئ إذن ان يستدل على شاعريته وهو يضع بين يديه نصا مطلسما وملغزا؟

لقد تناقشت في هذا الموضوع مع بعض شعراء الغموض المتطرف او ” شعراء الأحاجي والألغاز” كما اسماهم الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، فحاولوا جاهدين، إقناعي بان هذا النوع من ” الغموض المعقد” اصبح من ضروريات قصيدة النثر العربية الحديثة .. وان على القارئ ان يفهم ما يقولون ؟؟؟؟
ومن قال ان ” الجمال” يُستشفُّ من “الألغاز والأحاجي “؟

فحتى أدونيس اعترف بأنّ رفضه للقطع مع الواقع، لا يعني التعبير عنه بمفاهيم ومواقف وجمل مبهمة لا يفهمها إلا هو، لهذا فهو يقول :
” الشعر نقيض الوضوح الذي يجعل القصيدة سطحا بلا عمق، والشعر كذلك نقيض الابهام الذي يجعل من القصيدة كفها مظلما” .

وبعيدا عن ادعاء المعرفة وكرأي شخصي لقارئة متذوقة للشعر ، اجد ان مغالاة ” هؤلاء الشعراء” في الغموض الملغز والمعقد ليس الا نتاجَ جهل باسرار قصيدة النثر العربية الحديثة من حيث الصورة المركبة والاستعارة والرمز والمجاز، ومن حيث ماهية الغموض الشفاف ،المقبول والمحبذ ، فنصوصهم تتعمد التعمية والتعقيد ، وتكشف بالتالي عن قصور في ” خيال “الشاعر اذ تسعى بالدرجة الاولى الى الابهار المتصنع والبحث عن الشهرة والتضليل بقصد إدعاءِ الشاعرية.

وهذا مثال بسيط على الغموض المعقد أو ” الهذيان المجاني” :

” … مدّتْ بَطنَها الشمسُ
كحٍلزونٍ على خوصةِ الصبحِ
لتتخثرَ أفياءُ الظُهرِ كمشطِ ذُبابٍ على شعرِ المزابلْ
أعرجُ يتوكأُ الغروبَ على الأقطابِ
كحافرٍ عُتّقتْ فيهِ مساميرُ زنوجي
فهامتْ تنحرُ مشاعِلُهم جلدَ الخيمة
لتسيلَ هجرتي ليلاً على زجاجِ السماءِ”

وأتساءل :
اين ” الشراكة ” هنا بين المتحدث (الشاعر) والمستمع ( القارئ) وكيف ستتحقق فاعلية القراءة التأملية الاستكشافية التي من اجلها كتب الشاعر نصه هذا ؟
أم انه يكتب لنفسه فقط ؟

أجل …
يحق للشاعر ما لا يحق لغيره باعتبار النص الشعري الحر .. نصّا كونيّا متحرراً من كل القيود وغير خاضع لشروط اللغة والتعبير ، وانا لست هنا بصدد استنكار الغموض والرمز كصفات مشروعة في القصيدة النثرية العربية وملازمة للإبداع الشعري لكني استنكر وبشدة على ” هؤلاء الشعراء” رصّهم العشوائي للكلمات المطلسمة والتي تستعصى على القارئ وتستوجب الاستعانة بكتاب “مفاتيح سليمان العظيمة” !

فهذا الشاعر مثلا استعان بالرمز الاسطوري “سيزيف” في نصه هذا لكنه لم يحقق هنا سوى غموضا متطرفا لم يكن له من داعٍ في النص :

وفي عازوز “نواس”
رأى طفلة وهران
تلاشى في الصور
أذن المغرب.. من وقت قريب
صاحت الحامل
” في بطني حجر”
كان ” سيزيف ” على مرمى حجر

وبعد ايها الشاعر ؟؟؟
فانا هنا كقارئة عادية اجد نفسي امام حشد من الرموز والأساطير التي يراد منها استعراض العضلات الثقافية دون ادراك لمعناها الحقيقي او لجدواها في النص أصلاً .
وقد يحس القارئ بمرارة عندما يدخل هذه المتاهات ” الشعرية” ويخرج منها بغصة في القلب .. “الى الحد الذي يجعل واحدا مثل ” محمود درويش” متورطا في الشعر منذ ربع قرن ونيف،(كما قال) مضطرا لاعلان ضيقه بالشعر واكثر من ذلك يمقته، يزدريه ولا يفهمه”

أمعقول هذا ؟؟؟؟؟؟

ثمّ لاحظوا معي هذا النص :

يسقط شكوك الظل
من أطرافه
كموجة مخضلة في السرير
يصغى لرنين الغيب
ينقر قنديل الطاولة
بساحل من الخشب
يصطاد فم الماء
من نافذة مثلومة
في غفلة الأساطير
أنى تثاءب بندول في الصندل
ملتحفا بطانيات بوذا
حالما في الكوكايين
بدم نارد
يسيل من فم تنين
يذرع لؤلؤة الزرقة
بصالات وداع ملكية وجنود

وهنا ايضا لا يوجد أي ترابط في المعنى بين جملة وأخرى .ولست ارى الا تلبكًا لغويا لا يهضم ..
وددت من كل قلبي لو ان ” الشاعر ” ترك لنا ضوءا خافتا نستهدي به لفهم العلاقة بين بوذا والبطانيات مثلا ؟؟؟
ولعله من المهم ان اخبر هذا ” الشاعر” ان بوذا نصح أتباعه المخلصين : بمطابقة السلوك للقلب واللسان .. فالشعر سلوك لانه يعبر عن جوهر الانسان والقلب احساس واللسان لغة … فأينهم في هذا الرصّ المبهم ؟

لكنّ المذهل حقا، هو ان هذا النوع من ( الشعراء) وجد تهليلا وتطبيلا من طرف بعض النقاد او بالاحرى ” ادعياء النقد” الذين سأسميهم في مقالي هذا ( نقّـاد الأحَاجي ) والذين يقومون بقراءات تحليلية لهذه النصوص الغامضة والغارقة في الهذيان والمنزاحة تماما عن معنى الرمزية تحت مسميات نقدية ما انزل الله بها من سلطان ثم يقدمونها للقارئ على أنها فتح مبين في الشعر

واتساءل فقط كيف تتسنى لهم ” قراءة” نصوص مغلقة تماماً عن إدراكِ المتلقي وقد يستعصي امرها عن ( الشاعر) نفسه الذي كتبها، فإن سألتَه عن معناها، يظل يدور في حلقة مفرغة ، ذلك لانها وبكل بساطة ليست إلا عملية رصٍّ لألفاظ غريبة وتراكمية، الهدف منها هو البهرجة الإشهارية، ولهذا اصبحت تعجّ بها المجلات الالكترونية والمواقع الاجتماعية ( فيس بوك بالخصوص) مما أربك الذائقة الشعرية العربية واختلط الحابل بالنابل ..

واسأل نقاد الأحاجي : اين وضوح المعنى في هذا القفز من صورة إلى صورة مثلا وكيف تربطون بين الجمل ” الشعرية” في هذا النصّ ؟ بتعويذة مثلا؟

هاأنذا في العام الذي يمثل
في العضلات المخيطة
اقرأوني بعد
ضفادع الوقت
أسلحتي في التراب البعيد
إشارتي في غيمة مسمومة
بالشوق
الذي لم تضحك عيناه
أيتها الرقعة
لم يكن الصياد حائرا
لا كان العزاء
برجا
لم أصب
إلى فرس المصباح
الغريب
المرتد على هسهسة الشجر
الفضاء الحريف
الجداجد ممطوطة
هذا العمر
والالتفات عرم
وألاعيب

فإذا كان هؤلاء الشعراء “الخارقين للعادة ” ومعهم ” نقّاد الاحاجي” يتذرّعون بمقولة أبي تمام في الغموض والتعقيد : ولم لا يفهم الناس ما اكتب ؟؟؟
فهناك فرق شاسع (كما بين السماء والارض ) بين نصوصهم الضعيفة التكوين والموغلة في الخرافية والالغاز من اجل الابهار المصطنع وبين غموض امير البيان ابي تمام حيث ان غموض ” بعض” ابياته كان عبارة عن هوسِ شاعر فطحل في طلب الصورة النادرة وبحث عميق عن الطباق والاستعارات النادرة لإدهاش المتلقي.

وربما قال قائل : يبقى المعنى في قلب الشاعر او في بطنه ( لا يهم)، ..
لكن اذا نحن جعلنا من هذه المقولة شعارا للربكة الحاصلة في المشهد الشعري بسبب نصوص الاحاجي والألغاز ،سيصبح كل من رصَّ مجموعة من الألفاظ الغريبة والجمل المبهمة الدلالة والتي لا ترابط بينها يسمى ” شاعرا ” …
وليرحم الله الشعر .

فمن يتحمل المسؤولية تجاه القارئ العربي بشأن هذه النصوص المعمية والموغلة في الغموض المتصنع والمتطرف؟
أنهم وبكل بساطة …
“أدعياء النقد” الفاشلين الذين اصبحوا يختبئون وراء هذه النصوص الملغّزة والمطلسمة لينفضوا بها الغبار عن اسمائهم التي سقطت في النسيان ولم تستطع مواكبة تطور قصيدة النثر العربية الحديثة .

ياسمينة حسيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.