أنس عطية الفقي في عيد ميلاده التاسع والخمسين

بقلم عبد الرحمن هاشم

يظل العلامة الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي علما بارزا بين أبناء جيله وعصره، وقد برزت مواهبه وتعددت إسهاماته في منظومة من الأدوار المتوازية والمتكاملة التي أثّرت في من حوله وكل من تعامل معه.

فهو إضافة إلى حضوره المتصل المتوهج، صاحب مواهب فنية وأدبية وإدارية وتربوية، جعلته في نظر المحيطين به وكل من يشاهده معلما شاخصا من معالم الحركة التعليمية والتربوية والأدبية والإدارية في مصر.

ظلت أصداء نجومية الدكتور أنس عطية الفقي وظلالها الممتدة تمثل طرازًا لامعا ونافعًا وحانيا، وقد عبَّرت هذه الأصداء والظلال عن أداء متميز وبارز، بل ومتوهج في إتقان العمل والاتصال بطلابه ومريديه واستشراف المستقبل بحنكة وبصيرة.

وهو نفسه شخصية مؤهلة لهذا التميز في الحضور، وفي الفعل، وفي التأثير، وفي الاقتداء، وقد قُدِّرَ له أن يسلك طريق أهل التصوف منذ صغره، فعرف كيف يتعامل مع ما حباه الله به من مواهب ونِعم أدى شكرها في خدمة البشر ووظفها لتكريس القيم والمبادئ.

كان أنس الأصغر بين ثمانية من الأشقاء، ولد ونشأ في قرية كفر الأشراف مركز الزقازيق محافظة الشرقية مساء الجمعة ليلة الحادي والعشرين من شهر رجب الفرد الموافق 1383هـ السابع من ديسمبر سنة 1963م، ثم انتظم في مسار التعليم المدني التقليدي، فحصل على الشهادة الإبتدائية ثم الإعدادية، ومن مدينة القنايات المجاورة لبلدته حصل على الشهادة الثانوية وكان متفوقا في دراسته منذ نعومة أظفاره، متميزا في ممارسة الرياضة والفنون الأدبية، وبخاصة فن الشعر العربي إبداعا وإلقاءً، ولمع اسمه في المدرسة كنجم مبكرا.

وبعد حصوله على الثانوية حاولت عائلته أن تقنعه بالالتحاق بإحدى كليات القمة فآثر أن يلتحق بقسم اللغة العربية الذي لم يكن عليه إقبال كبير ليحقق طموحه في مجال الدراسات العربية والإسلامية فأصر على الالتحاق بكلية الآداب جامعة الزقازيق واستمر بها حتى حصل على الماجستير ثم الدكتوراه.

وفي الفترة بين تخرجه وحصوله على درجة الدكتوراه عمل بالتدريس في المدارس الحكومية الإعدادية والثانوية ثم سافر إلى دول الخليج ليعمل بالسعودية تارة وبجامعة الإمارات تارة أخرى، وعاد بعدها ليعمل بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وليترقى في المناصب الإدارية قبل أن ينال درجة الأستاذية وبعدها فتولى رئاسة قسم اللغة العربية بكلية اللغات والترجمة وعمادة المتطلبات الجامعية ومركز تحقيق التراث العربي ورئاسة تحرير مجلة جامعة مصر للدراسات الإنسانية، كما تولى الإشراف على الأنشطة الثقافية والدينية بالجامعة، وظل يؤدي الدروس الدينية بمسجدها العامر. كما انتدبته أكاديمية الشرطة ليدرس لطلاب الدراسات العليا، وله طريقة في التدريس تجمع بين العذوبة والسهولة والعمق، وتأخذ بمجامع القلوب لِمَا يتخللها من أبيات شعرية جميلة وحِكَم وأمثلة حسية تقريبية بألفاظ واضحة بسيطة ليس فيها تكلف أو تعقيد، وكان لنا الشرف كله والفخر كله يوم قبوله الإشراف العام على موقع العالم اليوم نيوز.

وهو مثال لأستاذ الجامعة الجاد في عمله، الحريص على بث روح المحبة فيمن حوله، ويصفه محبوه بأن وجوده بينهم رحمة من الله وعطية فهو اسم على مُسمى؛ إذ لولاه لحلَّت بهم أزمات لا قِبَل لهم بها، ولكنه بحكمته وحنكته وترويه وبُعد نظره يجد لهم المخرج منها وكأنها لم تقع.

وكان دأبه عجيبا، لا يكل من عمل الخير ولا يفتر -حتى وهو في بيته- وكنت أصحبه في كثير من أعماله فأجد من التعب ما لا يجده، ولكني أخفي ما في نفسي من تعب اقتداء به وأدبا معه، وكان -بلا شك- ذكيا فطنا لماحا مستوعبا لمقاصد الشرع ومرونة الشريعة وأحكام الواقع.

إذا مشى في الشارع، أو دخل على قوم تعلقت به الأنظار في إجلال ومودة، ورأوا طلعة مهيبة، تمتد طولا وعرضا، وتنطوي بدلته على جسم متين، يلوح منه وجه يشع منه النور، وتقطر صفحته بهاء وسماحة وتواضعا.

يزداد وجهه الجميل تألقا وبشاشة عقب كل مساعدة يقدمها للآخرين، شأن الكريم الفاضل يحب الخير ويصنعه، ويزداد بصنعه رضا واطمئنانا.

وكما جمع بين فنون التدريس والإلقاء والخطابة والتربية، فهو أيضا شاعر بالفطرة خبير بالأوزان على السليقة؛ أذنه أذن موسيقية تعرف البيت المكسور من البيت السليم، وقلَّ من يحوز هذه الموهبة في مصر الآن.

حباه الله الحكمة وفصل الخطاب؛ أما الحكمة فيبدو أنه قد ورثها عن أمه رحمها الله فيقول في ذلك “لم أجد من النساء أحكم منها.. طوال عمرها اتسمت بالحكمة وتقدير عواقب الأمور والتروي وعدم الاندفاع”، وأما فصل الخطاب فقد جاءه هبة من الله، وبذلك حاز الجلال والبهاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

له باع كبير في الدرس الصوفي وتحقيق تراث الصوفية، فحقق كتاب درة الأسرار في مناقب وأقوال الإمام أبي الحسن الشاذلي وتلميذه أبي العباس المرسي، وكتب عن جمال الأسلوب في الحكم العطائية، كما كتب عن الاتجاه الناقد في شعر البوصيري، وحقق الطبقات الكبرى للإمام عبد الوهاب الشعراني، وحقق ديوان سيدي علي وفا رضي الله عنه، وكذلك كتاب لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية، كما حقق عهد الإمام علي بن أبي طالب لواليه على مصر مالك الأشتر، وكتاب تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي،

وشرح قصيدة عمارة اليمني في رثاء الدولة الفاطمية، وله دراسة مقارنة بعنوان “ضرب المثل بين نصوص الإنجيل والنصوص الإسلامية”، بما يمكن أن نضع هذه البحوث ضمن خانة الدراسات العربية والإسلامية المتميزة.

وكعادة العظماء، فإنه يزهد في الظهور، ويجعل أعماله ومواقفه هي التي تشير إليه وتدل عليه، فحظي باحترام بالغ من علماء العصر البارزين على مختلف تخصصاتهم وقد أتاه الله الحجة البالغة، فلم يستطع أحد منهم أن يعترضه أو يقلل من عظمته.

ورغم ما يلقاه من بعض الحاسدين، فإنه شأن الكبار، يقابل إساءتهم بالإحسان، ويعفو ويصفح، حتى لقد صدق فيه قول شوقي أمير الشعراء:

ونراه أرفعَ أن يقول دنيّة … يوم الخصومة أو يخطّ سبابا

لا يخدمُ الأممَ الرجالُ إذا هُمو … لم يخدموا الأخلاق والآدابا

وربما يتساءل هؤلاء: “لماذا يحبّ الناس أنس الفقي ويؤثرونه على أنفسهم؟”.

إنهم يحبونه لحب الله له، ويؤثرونه لمحض الرحمة التي وضعها الله في قلبه فوسعت جميع مَنْ معه وَمَنْ حوله، ولأنهم لم يسمعوا عنه أنه من دعاة التيئيس أو الكراهية أو العصبية، إنه في نظرهم رجل أسلمه الله مفاتيح القلوب.

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإني لم أر أحدا آذاه إلا وانتقم الله منه، إنْ في مال أو صحة، أو استقرار وسلام نفسي.

وكم تولى بروحه السمحة وبديهته الحاضرة تلطيف الجو بين المتخاصمين والمتشاحنين أفرادا وعائلات وقام بالدور المنوط بعالم الدين وحكيم القوم كأحسن ما يكون القيام. وإذا حدثتك عن تعهده لأهل بيته وحبه لهم وشغفه بهم أحدثك عن الإيثار والبذل والتضحية والفداء والنصح والشفقة والصبر وكنت دائما أسمعه يقول: الأولاد يتامى بدون أبيهم وإذا كان أبوهم حيَّا لكنه يقتر عليهم ولا يسندهم ولا ينصح لهم ولا يكرمهم فهم يتامى رغم وجوده حيا يرزق.

أما خدمه فأوجز ما يمكن أن يقال في سلوكه معهم أنه اعتبرهم من أهل بيته؛ يجزل لهم العطاء والصلة، ويديم تفقدهم، ويكثر من الجلوس معهم والاستماع لهمومهم ومشاكلهم.

ومع عائلته والناس أجمعين يصدق فيه القول المأثور: “المؤمن كالغيث أينما حلَّ نفع”.

ومما يجدر ذكره في هذا المقال أن أنس الفقي شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عظيم المدح له، كبير الاعتناء بمادحيه، كثير الشغف بمجالس الصلاة عليه؛ يقيمها في بيته فيؤمها القوم من كل مكان، ويقوم على ضيافتهم وإكرامهم خير قيام، متأثرا بصفة الكرم التي جُبل عليها حبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

كان له قريب بالقرية محب لمديح النبي صلى الله عليه وسلم وثقل عليه المرض فبلغ الساعة التي يبلغها كل محتضر على فراش الموت وكان لا يتكلم ولا يتحرك وعندما دخل عليه أنس وسمع صوته وأحسَّ به جالسا بجواره مَدَّ له يده ليسلم عليه وظل قابضا عليها وهو ينشد ما كان ينشده في الزمان الأول:

أنا بامدح اللي خطرْ ع الرمل لمْ علِّمْ

وفوقْ صخور الفلا قدمو الشريفْ علّمْ

وتعجب الحاضرون من هذا المدد الرباني الذي أنطق هذا المحب أثناء الزيارة وانتعش الأمل في شفائه ولكن قضاء الله كان غالبا فكانت هذه بشرى خير قبل انتقاله إلى جوار مولاه الكريم.

كان يحب إخواننا السوريين المقيمين بمدينة 6 أكتوبر ويعاملهم معاملة الإنسان العظيم الكريم حتى أن الشيوخ منهم كانوا يدعون الله أن يحفظه ويديمه نعمة عليهم؛ أذكر أن أحدهم قصده كي يُقيم حفل عرسه عنده في البيت وتحديدا في المكان الذي تقام فيه “الحضرة” فرحب بذلك وجهَّز كل شيء لإسعاد العروسين وأسرتيهما، ويشاء العلي القدير أن يقبض روح الحاجة سامية عطية الفقي شقيقة شيخنا قبل الحفل بيوم، فأصرَّ الشيخ على إتمامه وذهب هو وأسرته إلى قرية كفر الأشراف مركز الزقازيق وصلى على أخته ودفنها في قرية النخاس وقام نحوها بالواجب وفي الوقت الذي كان يتلقى فيه العزاء مساء الإثنين في القرية كان العريس السوري يحتفل بالزواج وتكوين أسرة جديدة ولا يدري هو أو أي أحد من المدعوين عن شيخهم شيئا سوى أن أخته تجري عملية جراحية وقد ذهب إليها ليعودها!

وأستاذنا أنس -آنسه الله- مدَّاح متمرس تجده يؤدي الإنشاد والمديح بصوته العذب الرقراق فيضاهي النقشبندي ونصر الدين طوبار، وتجده طوال شهري رمضان وربيع الأنور كأجود ما يكون؛ يبذل علمه وماله ووقته في إقامة مجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحق له أن يلحق بنسبه وأن يتحقق بحسبه وأن يعرفه معرفة المشاهدة.

وهو يحفظ الأوراد الشاذلية كما يحفظ القرآن الكريم، ويجد فيها راحة لقلبه، وسكينة لنفسه، وسؤددا لحياته.

يعزّ عليه أن يجد أحدا من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتنكب الطريق، فكان يرفق وينصح ويتابع ويُذكِّر بشرف النسب وشرف المُنتسب إليه.

بكم يهتدي يا نبي الهدى … وليٌّ إلى حبكم ينتسب

سل الله يجعل له مخرجا … ويرزقه من حيث لا يحتسب

ويُورد ما سمعه من أن أهل بيت النبي كانوا دائما يرددون:

نحن بالله عزنا والحبيب المقرّب

بهما عَزَّ نصرنا لا بجاه ومنصب

والذي رام ذلنا من قريب وأجنبي

سيفنا فيه قولنا حسبنا الله والنبي

وإذا أضفت إلى ما امتاز به من طلاقة اللسان، وقوة الحجة، والقدرة على اجتذاب انتباه السامعين، والتجرد من السعي للمناصب، والنفع الشخصي، ووطنية التناول للقضايا، وطلب المشورة، والتواضع، ونظافة اليد، والتورع عما في أيدي الناس، وصدق المقصد، ونقاء الطوية؛ فإن مواقفه الإنسانية تمثل صفحات ناصعة من التضحية والبذل ونسيان حظ النفس، بل تعكس نفسا تجردت فآمنت بواجب الوجود عن مشاهدة لا عن سماع، بحيث لا تنظر إلى حول أحد إلا حوله، ولا تستمد قوة إلا من قوته.

هذه النفس المشرقة التي صفّت أقدامها على خطى نفوس الأولياء الذين اتصلوا بروح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حصرت لها من الحِكَمِ والتأملات والاستشهادات والمأثورات ما أثبته في هذا المقال، ومن ذلك:

كن دائما في كنف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

كيف ينتصر من الخلق من يرى الله فعالا فيهم؟

أعرَفُ الناس بالله أعذرُهم لخلقه.

أهل الخصوص يتميزون عن غيرهم من عامة المؤمنين بصدق التوجه مع المحبة والأدب.

الأنا تجلب العنا.

بحب محمد نتعبد.

معاداة الأولياء تجلب الشقاء.

الطهارة طريق لانشراح الصدر.

علامة القبول مزيدٌ من الإقبال.

بقدر اتباعك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر ما يظهر فيك من نوره.

متى اجتمع لك أمران أحدُهما ثقيل على النفس فقدِّم ما هو ثقيل على النفس.

رب الأسباب يملك كل باب.

إنما فاز من فاز بصحبة من فاز.

كل من يعشق محمد في أمان وسلام.

يظل السالك يقوم ويقع ويقوم ويقع حتى يقوم فلا يقع.

يجب أن نسكن تحت مجاري الأقدار.

من ظن أن هناك قدرة لمخلوق مع قدرة الخالق فقد أساء الأدب ولم يدرك أن الله أكبر.

والحر كالتبر مهما كان موضعه فليس يصدأ بالأعراض جوهره.

والمسك ما شفَّ عنه ذاته لا ما غدا ينعته بائعه.

جلَّ ربنا أن تُكرر له العبودية بصورة واحدة.. كل يوم هو في شأن!

وكان كثيرًا ما ينشد للعقاد:

وخالٍ يشتهي عملا ً.. وذو عملٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب .. وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ .. وطالبهم قد انفطرا
ومن فقد الجمال شكي .. وقد يشكو الذي بُهِرا
ويشقى المرء منهزما .. ولا يرتاح منتصرا
ويبغى المجد في لهفٍ .. فإن يظفر به فترا
شُكاةٌ مالها حَكَمٌ .. سوى الخصمين إن حضرا
فهل حاروا مع الأقدار .. أم هم حيروا القدرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *