بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

إله صغير.. لا يتجلى إلا فى وقته!

1 min read

الشاعر حسن طلب – مصر

أصبح لقب (الشاعر الكبير) مبتذلا غاية الابتذال هذه الأيام التى حل فيها النقد الصحافى المجامل محل النقد الجاد والمسئول؛ وأظن أن لقب (الشاعر الحقيقى) هو الأولى بالاعتبار. وأرى أن كل شاعر حقيقى لا بد من أن تنطوى جوانحه على إله صغير يعرف متى يتجلى بالضبط؛ كما يعرف متى ينبغى عليه أن يتوارى؛ حتى يسد الطريق أمام آفة الغرور التى تقتل المواهب فى مهدها.
لولا هذا الإله الصغير ما استطاع أبو ليلى (النابغة الجعدى تــ 50 هـ) أن يفخر بقومه وهو بين يدى الرسول، فيرتفع بهم إلى عنان السماء؛ بل يتطلع إلى ما يجاوزها:-
بلغنا السماءَ مجْدُنا وسَناؤنا * وإنا لنرجُو فوقَ ذلك مَظهَرَا
فلم يزجره الرسول ولم يكفره؛ ولم يزدْ على أن سأله : إلى أين المظهر يا أبا ليلى!
ولولا هذا الإله ما استطاع “جميل بثينة المتوفى عام 82هــ” أن يجهر برؤيته المخالفة لمفهوم (الجهاد)؛ فيمتنع عن الذهاب مع المجاهدين فى عصر الفتوح الإسلامية؛ لكى يجعل قيمة (الجهاد) فى الحب أقدس من الجهاد فى ميادين القتال؛ فقتيل الحب شهيد كغيره من الصديقين والشهداء:-
يقولون: جاهدْ يا “جميلُ” بغزوةٍ * وأى جهادٍ غيرهنَّ أريدُ!
لكلِّ حديثٍ بينهنَّ بشاشةٌ * وكلُّ قتيلٍ عندهنَّ شهيدُ!
وكذلك ما استطاع قيس بن الملوح أن يقول قبله فى ليلى:
أرانى إذا صليتُ يممتُ نحوها * بوجهى وإن كان المصلى ورائيا
أصلِّى فما أدرى إذا جاء ذكرُها * أثنتيْنِ صليتُ الضحَى أم ثمانيا!
ولولاه أيضا لما استطاع الخليفة الأموى الشاعر: الوليد بن يزيد، أن يؤله محبوبته “سلمى” فيقول فيها:-
لو يرَى “سلْمَى” خليلِى * لدعَى “سلمَى” إلهَا!
ورأَى حين يراها * ربَّ طاسينَ وطاهَا!
ولولاه ما سجد الفرزدق وهو فى قلب الجامع الكبير، لبيت شعر سمعه من أحد الرواة عقب الصلاة؛ فلما اعترض عليه أحد الفقهاء؛ نهره الفرزدق بقوله: [هذا موضع سجدة فى الشعر، أعرفه كما تعرف أنت مواضع السجدة فى القرآن]!
ولولا هذا الإله الصغير أيضا؛ ما استطاع الراجز الأموى البدوى، الذى انقطع الغيث عن قومه فى عصر سليمان بن عبد الملك؛ حتى كاد يهلكهم الجفاف؛ أن يخاطب ربه بمثل تلك الجرأة:-
ربَّ العبادِ: ما لنا وما لكَا؟
قد كنتَ تَسقينا فما بدَا لَكا؟
أنزلْ علينا الغيثَ لا أبَا لكَا!
وكذلك لولاه ما استطاع الشاعر الأموى: “بجير بن عبد الله القشيرى” أن يجهر بإفطار رمضان فيقول:-
ألا مَن مُبلغُ الرحمنِ عنى * بأنِّى مُفطرٌ شهرَ الصيامِ
فقل للهِ يمنعُنى شَرابى * وقلْ للهِ يمنعُنى طعامِى!
ولا استطاع المتنبى كذلك أن يجعل رضاب شفاه الغيد؛ أحلى من كلمة التوحيد:-
يترشَّفْنَ من فمِى رشَفاتٍ * هنَّ فيهِ أحلَى مِن التوحيدِ!
ولا استطاع فى مقام آخر أن يمتلئ بذاته ليعلن أنه فوق الجميع بمن فيهم ممدوحه سيف الدولة:-
سيعلمُ الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا * بأننى خيرُ مَن تسعَى به قدَمُ!
أما أبو العلاء المعرى فهو سيدهم فى هذا الباب دون منازع.


ونصيحتى للشعراء الحقيقيين: لا تخافوا من الإله الصغير إذا جمجم بين جوانحكم؛ بل عليكم أن تستحضروه لينطق على لسانكم فى مواقف بعينها: أمام نور الحقيقة فى مواجهة سدف الباطل.. أمام جبروت الطغاة.. أمام قدسية الجمال وبهاء المحبوبة…إلخ، بشرط أن تعرفوا كيف تصرفونه حتى لا يقتلكم الغرور!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *