التربية في النوبة وفي مصر زمان

المؤرخ النوبى يحىي صابر

بقلم المؤرخ النوبي يحيى صابر

نعم جيلنا تربي علي التكافل والتعاون .. طريقة تربية جيلنا كان مختلفا كلية .. المدرس كان له هيبة اذا اخطأنا كان يعاقبنا بالضرب اذا لزم الأمر ولم يكن هناك احدا من الأهالي يعترض بل كانوا يشجعون المدرس فكانوا يعاملوننا وكأننا اخوانهم او ابناؤهم ..

كنا نأكل مع الكبار ولم يكن يجرؤ احد ان يمد يده علي قطعة اللحم فقد كان الكبير يقوم بالتوزيع (المناب) فتعلمنا المساواة وعدم الطمع .

كنا نأكل من طبق واحد او قصعة واحدة (فالكا) ونجتمع عليها وقد يكون (الغموس) او الطبيخ قليلا فكنا نحتاط حتي يكفينا جميعا فتعلمنا الايثار..

كنا نسافر الي القاهرة او الاسكندرية نقيم عند العم او الخال فنجد كل الترحاب بل يهدوننا ما كان ينقصنا .. وحتي من لم يكن له عم او خال كان يقيم عند الأقارب ..

كنا نشترك في الشقة الواحدة مع عائلة اخري ونأكل معا علي طبلية واحدة . حتي من لم يكن له أقارب علي الاطلاق وكان يقوم بزيارة القاهرة او الاسكندرية قادما من النوبة الغريقة كنا نتباري في استضافته وفي الجمعية كان الاعضاء يقومون بالواجب وهو مسافر فيتم تحصيل من كل عضو ما يستطيع دفعه مقابل (حق الدخان) كما كان يطلق عليه .

فكان يعود الي القرية محملا ما ينقص اولاده واسرته وايضا بعض النقدية !!.. ومن كان يعمل في الشمال حينما يقوم بزيارة القرية وعند العودة كان يهب جلبابه او صديريته لأصدقائه وأقاربه والبعض كان يقوم بحجز الجلابية او اي شئ اخر من باب (العشم).. والعشم لا يكون الا مع من تحبه ..

جدي لأمي رحمه الله لم يكن يتناول طعام الغداء داخل المنزل علي الاطلاق فكنا نتناول امام محله التجاري المقابل للطريق العام وكان يشاركنا غالبا المارة في طعامنا وما يعد لنا كان كافيا لأي احد يشاركنا ولم نكن نطلب الزيادة فعرفنا معني البركة .

من كان يعمل في الشمال كان يتكفل بمصاريف اقاربه ويرسل لهم حوالة بريدية شهريا .. وحتي عندما سافرنا للعمل في الخارج فكان همنا الأول توفير عمل مناسب لأقرب الأقارب بدلا من اهدائه جلابية او قميص !!..

الآن حدث ولا حرج فلم يعد احد يسأل علي الأخر واستقلوا وتباعدوا وهناك اسر لايجتمعون حتي عند الطعام وان اجتمعوا كل يأكل من طبقه وقال لي صديق انه حينما وبخ ابنه حيث لم يعجبه طريقة تناوله للطعام فقالت زوجته ما تسيبو ياكل زي ما هو عايز !! ..

حتي سلطة الأب ضاعت في التربية في بعض الاسر !!.. آثرنا التباعد والاستقلال والمولي عز وجل يعطي للأنسان ما يحبه فكتب علينا التباعد بالكورونا حتي نتباعد اكثر واكثر .. اللهم نسألك العفو والعافية .
يحيي صابر