بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

الديوان الأول للشاعر المقاتل: (وشم على نهدى فتاة)

1 min read

بقلم : الشاعر حسن طلب (مصر)

وأنا أطالع ما فاتنى من آراء الصديقات الفضليات والأصدقاء الأفاضل حول حرب تحرير سيناء فى 6 أكتوبر 1973، بمناسبة ذكراها الثامنة والأربعين، عاد بى الزمن إلى الوراء ليضعنى أمام صورة المقاتل الذى كنته: مشاركا فى حرب الاستنزاف ثم فى العبور المظفر.. ويالها من لحظات لا تنسى! ولعل أبقاها فى الوجدان ما جمع بين المقاتل والشاعر؛ حيث كنت أنتهز فرصة الإجازة القصيرة الخاطفة (48 ساعة كل شهر إذا سمحت ظروف الاشتباكات)، لكى أسرع بقصائد ديوانى الأول الذى كتبت معظمه فى لحظات الهدوء على خط النار: (وشم على نهدى فتاة) إلى الصحف والمجلات؛ وكم كانت فرحتى غامرة وأنا أجد قصائدى منشورة فى جريدة (المساء) أو فى مجلة (النصر) التى كان يشرف على القسم الثقافى فيها الشاعر/ مصطفى الشندويلى رحمه الله، وغيرهما من المنابر الثقافية، وأهمها مجلة (المجلة) التى نشرت أول قصائدى فيها (بروميثيوس عجوزًا) فى أثناء رئاسة الدكتور عبد القادر القط لتحريرها خلفا للأديب العظيم يحيى حقى ولم يمنعنى قصر الإجازات الخاطفة من التفكير فى جمع تلك القصائد الأولى لنشرها فى ديوان بعد أن اكتملت التجربة فى نظرى، ولم يبق إلا أن يزكيها ناقد كبير موثوق به، فاحترت من كان ملء السمع والبصر فى حياتنا الثقافية: الأستاذ/ رجاء النقاش رحمه الله. وفى إحدى الإجازات 1971 حملت قصائدى وذهبت إلى مكتبه فى مجلة (الإذاعة والتليفزيون) التى كان رئبسا لتحريرها، وكان مقرها بشارع منصور بجوار (المبتديان). ولن أستطيع أن أصف هيبة اللقاء الأول بين الشاعر المغمور والناقد الشهير، بمثل ما صوره قلم رجاء النقاش ببساطته الساحرة، فى كلمته التى أصبحت مقدمة للديوان:- =======================================[….. ودخل الغريب؛ فإذا بشاب رفيع أسمر، يوحى إليك بكثير من المعانى حتى قبل أن يتكلم! وجه متعب حائر، وهو مع ذلك وجه راض هادئ؛ أما عيناه فكانتا قلقتين، ولكنهما كانتا تفيضان أيضا بالحياء والخجل. وعرفت على الفور، رغم ملابسه المدنية، أننى أمام شاب ريفى. وعلى الفور أيضا فتحت له قلبى؛ فأنا ضعيف إلى أبعد الحدود أمام أبناء القرى الوافدين إلى المدينة؛ ذلك لأننى كنت واحدا منهم ذات يوم؛ عرفت مثلهم غربة المدينة، وشبعت عرقا وخجلا كلما قابلنى موقف لا أستطيع التصرف فيه؛ وما أكثر ما كنت أعجز عن التصرف؛ فالدنيا فى المدينة الكبيرة تختلف تمام الاختلاف عن الدنيا فى القرية؛ والناس أيضا يختلفون. واستمعت إلى الشاب الغريب؛ لم يتكلم كثيرا، ولكنه قدم إلى مجموعة من الأوراق، وقال لى: هذه قصائد أريد أن أعرضها عليك. وأخذت أقرأ القصائد؛ ونسيت ضيفى وأنا أستغرق فى القراءة، وأنتقل من بيت إلى بيت، ومن قصيدة إلى قصيدة. وبعد نصف ساعة من الاستغراق فى القراءة؛ أفقت، لأجد أمامى الشاب الغريب فى هدوئه وخجله لا يكاد يتحرك، بل لا يكاد يتنفس! شعرت أننى أمام موهبة فنية حقيقية، قد ينقصها بعض التدريب والتمرين والصقل؛ ولكن شرارة الفن الحقيقى تنطلق من بين سطور قصائده ولا شك. سألته من هو؟ وماذا يعمل؟ فقال لى: أنا مجند فى الجيش، موقعى هو الجبهة الأمامية فى قناة السويس، وأنا متخرج فى كلية الآداب قسم الفلسفة. وبدأنا نتحدث؛ وأحسست أنى أعرف هذا الشاب منذ وقت طويل؛ فهو واحد منا، واحد من أبناء القرية المصرية الذين خرجوا من قلب الظروف الصعبة، ليتعلموا، وليشقوا لأنفسهم ولبلادهم طريقا فى الصخر. * * * هذا هو حسن طلب، الشاعر الجديد المثقف، الذى يقف على الجبهة منذ عدة سنوات، راضيا بدوره ورسالته. لا تشعر معه بأى قلق مفتعل؛ لأنه لا يحمل فى قلبه طموحا غير حقيقى؛ بل تشعر على العكس، بقلق عميق هادئ؛ وما أقسى وأخصب هذا القلق العميق الهادئ عند الذين يعرفونه؛ إنه نوع من النار الكامنة فى القلب، والتى تعيش فى داخل الإنسان، دون أن يُسمح لها بأن تقضى على ابتسامة الوجه، أو همس الكلمات، أو هدوء التصرف الراضى بما تأتى به أحداث الحياة والأيام. وقد انعكس هذا القلق الهادئ العميق على شعر حسن طلب؛ وانعكست على هذا الشعر أيضا ثقافة أدبية، وثقافة عامة واسعة. وأول ما يلفت النظر فى شعر حسن طلب، هو هذه الحرارة أو السخونة التى تشع من كلماته وتجاربه؛ قليلا ما تلتقى ببيت فاتر، أو بقصيدة باردة، أو بتجربة يعبر عنها وهو سأمان. إنه شاعر يحس بوقع الحياة، ويعرف معنى الألم، ويتطلع إلى الفجر وإلى إشراق الشمس؛ طلبا للدفء له، ولكل إنسان بسيط فى هذا العالم. هذه الحرارة التى تشع من شعر حسن طلب وتجاربه؛ مصدرها الصدق فى الإحساس، والصدق فى التعبير. إنه ليس شاعرا ينقل تجارب غيره؛ ولا شاعرا يعبر عن مشاكل لا يحس بها، لمجرد أن الشعراء الآخرين يعبرون عن هذه التجارب؛ فهو صادق معنا، ومع نفسه وفنه؛ وهذا الصدق هو مصدر الحرارة، ومصدر الغنائية الخصبة فى قصائد. * * * ثقافة حسن طلب ساعدته مساعدة حقيقية فى خلق عالمه الشعرى؛ فكثيرا ما نلمح روح الأساطير الشعبية والأساطير القديمة فى شعره. وهو لا يستخدم هذه الأساطير استخداما فجا؛ بل يستخدمها بأنامل الفنان المثقف، الذى يعرف ماذا يفعل، وماذا يكتب، وماذا يقول. على أن الثقافة لا تتمثل فى استخدامه للأساطير فحسب؛ بل تتمثل أيضا فى العمق الذى نحس به فى تجاربه الشعرية. إنه لا يعيش على هامش الحياة، ولا ينظر إلى سطح الأشياء؛ بل هو يعيش وينظر إلى الأعماق؛ يساعده فى الرؤية والكشف عقل مثقف، وبصيرة مضيئة، ونفس ترفض الزيف ولا تلقى بالا إليه. لست أريد بهذه الكلمات أن أقدم دراسة عن شعر حسن طلب؛ بل هى كلمة أقدمها تحية لهذا الشاعر الشاب، والإنسان المكافح، الصادق فى إحساسه وتعبيره؛ أقدمها إليه بمناسبة هذا الديوان الجديد، الذى يتقدم به حسن طلب لأول مرة إلى عالم الشعراء، ويخط به اسمه فى تلك اللوحة السحرية: لوحة الفنانين الموهوبين من أبناء بلدنا، الذين امتزجت مواهبهم بأعمق الهموم والآلام؛ ولم يفقدوا أبدا فضيلة الصبر، والتفاؤل الحقيقى العميق، والصمود لمتاعب الأيام؛ ثم التفجر بعد ذلك بشتى ينابيع الغناء والجمال والموسيقا والشعر؛ من بين صخور التعب، وأشواك الأسى والشقاء. حسن طلب فى هذا الديوان يفتح الباب بخجل، ولكن بأصالة؛ لموهبته الجديدة العذبة. وإيمانى أن هذا الديوان ليس أفضل ما لديه، وليس أجمل ما يملك؛ فما زال فى قلبه الكثير؛ وما زالت موهبته تستطيع أن تقدم فى الغد وتعطى. ولست أشك فى أنه، وقد بدأ؛ سوف يواصل الطريق العظيم].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *