بقلم فاطمة مندي

صعد القطار في ساعة مبكرة ، جال ببصره فى أرجاء العربات ، رأى رقم المقعد المدون على تذكرته، ذهب إلى مقعده، جلس عليه. أخذ جريدته، قرأ الموضوعات التى يحبها. توقف القطار المتوجه إلى أسوان فى محطة رئيسية، نظر عبر نافذة القطار، شاهد ركابا يصعدون، وآخرين يهبطون، وآخرين يسارعون الخطى للحاق بالقطار،

أرتد بصره داخل عربات القطار يكمل تصفحه للجريدة، وجد فتاة رائعة الجمال، جلست أمامه، وجهها ملائكي تسبغه الحمرة، علامات الحياء تكسو مظهرها، نضرة ورونق تنتشر بين قسمات الوجه، جسم متناسق يطفى عليها روعة وجمال، قوام فاره يعطيها شموخ . نظر إليها على إستحياء، ثم رجع ببصره لجريدته، نظر مرة ثانية، لم تقو نفسه على الأستمرار فى قراءة الجريدة، طوى جريدته ، شاخص النظر إلى لا شيء. ينظر إلى الفتاة فيجدها تنظر إليه على أستحياء وخجل .

يرتد ببصره، ينظر مرة أخرى، فيجد عينيها تبتسم له وتحدثه، تسأله من أنت؟ ما أسمك؟ من تكون؟ ماذا تعمل؟ وتجيب عيناه عليها: من أنتي؟ ما أسمك؟ ماذا تكونين؟ ماذا تحبين؟ ما كل هذا الجمال؟ تبارك الله فيما خلق!. إن أمهر الفنانين لا يقو على رسم هذا الأبداع وهذا الجمال الرباني! إنه فقط من صنع الله! وأنتظر حديثها وأنتظرت حديثه، ظلت عيونهما تتجاذب أطراف الحديث.

تبتسم عيناه لها، فتخجل وتغطي جفونها مقلتيها خجلاً، تنظر إليه فيبتسم. تبتسم بدورها أبتسامة الخجل، تنظر لأناملها، ثم تنظر إليه، تفتح كتابها تتصفح منه عدة أوراق، تغلقه، يفتح جريدته يتصفح منها يغلقها. قرر أن ينهي هذا الصمت، يبدأ الحديث، يعبر لها عن مدى إعجابه، عن تعلق ، قلبه الذى دق به ناقوس بداية قصة حب عنيفة، نبضات قلبه تعالت اصوتها، انفرجت شفتاه للحديث. قاطع هذا سقوط كتابها على أرض القطار، سارع فى الأنحناء اولاً، التقط الكتاب من على أرض العربة،

ناولها الكتاب دون التفوه . نظرت إليه، وأبتسمت شكرته بحركة من رأسها. نظر إليها باسماً أوشك القطار على الوصول إلى محطته الأخيرة. قال فى نفسه لماذا الصمت؟!

يجب أن احادثها، أعرف من هي؟ من تكون؟ أنني أمتلك ما يؤهلني للفوز بأية فتاة مهما علا شأنها، فأنا من علية القوم واغناهم! لماذا الجبن إذن؟! إن عينيها تحدثني، ثغرها يبتسم لي، لو بادرت بحديثها لن تمانع، شيء ما بداخلي يمنعني من البوح لها بمكنون مشاعري.

جاء مفتش القطار، باحثاً عن تذاكر الركاب. وصل إليهما محدثا: تذاكر. قام من ثباته يبحث عن تذكرته فى جيوب بنطاله، فتش هنا وهناك ، فى جميع جيوبه، دون جدوى. حدثه المفتش قائلاً: لازم تدفع ثمن التذكرة مدعومة بغرامة. نظر إليه الفتى مندهشاً مدت هى يدها بتذكرتها للمفتش .

اشر عليها بقلمه ثم اعطاها إياها مرة أخرى. وجه المفتش حديثه للفتى: خلص يا أستاذ. نطق الفتى أوه، هو هو هو. فهم المفتش أنه أبكم. تذكر الفتى فتاته، نظر إليها وجدها تنظر إليه، فى دهشة، بل قد شخص نظرها عليه، ولمعت عيناها، من شدة المفاجئة. أخرج اوراق مالية كثيرة، ناولها للمفتش في اسف وخجل.

وقفت من ثباتها، نظرت إليه ثم جلست، اطرقت برأسها على أرض القطا، التقطت شيئاً، مدت أناملها للمفتش بتذكرة الفتى. نظرت إليه محدقة، أسهبت فى النظر، وقف قبالتها ينتظر رد الفعل، لقد علمت إعاقته علمت أنه لا يتكلم، لقد أصابه الخرس، منذ نعومة أظافره. .

جلست الفتاه، فى توتر قلق. اشاحت بوجهها فى أتجاه أخر. أطرقت برأسها للأرض، قلبت كفيها ، فركت أناملها ، جلس الفتى محدقاً إليها ،ينتظر رد فعلها ، مثبت مقلتيه عليها. نظرت لكفيها تفرك فيهما بحدة وشدة وقلق،

نظرت فى الاتجاه المعاكس مرة أخرى. هبت واقفة، أستعطفها بنظراته، وقع قلمها من يدها. التقطه وهب واقفاً ، وأومأ لها برأسه ، بمعنى تفضلى. أنطلقت دمعة من عينيها . فبادرها بسؤاله عن دموعها؟ عن طريق الأشارة وبعض الكلمات الغير مفهومة. ردت عليه بنفس الكلمات الغير مفهومة، وبلغة الأشارة أنها أيضا لا تتكلم .

جلس الأثنين وضحكوا ضحكات مدوية ، دمعت عيناهما معا، سلم كليهما على الأخر وفهم الأثنان انهم عندهم نفس الأعاقة . فاطمة مندي‏”