بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

العلم والدين (١) هل يوجد تعارض بين العلم والدين؟

1 min read

بقلم : فاتن فاروق عبد المنعم

قولا واحدا لا يوجد أي تعارض ولا قيد أنملة، إذن أين تكمن الإشكالية؟

تكمن في كون إما الفهم خاطئ للنص الديني، أو أن الدين نفسه عبثت به أيدي الذين يكتبون عن الهوى، وحتى لا يفهم حديثي من مغزى واحد وهو الانحياز لديني وإن لم يكن هذا عيبا في حد ذاته،

فإنني سوف أتطرق لهذا الأمر من أكثر من زاوية لأنه من أجل أسباب الذين ألحدوا في دين الله في كل زمان ومكان،

ولأن الموضوع قديم متجدد، والشيطان لا يألو جهدا في تغيير جلده ليلبس على الناس دينهم،

فإنه يتلقف مستجدات كل عصر ليجعل منها منطقة رخوة يخترق بها النفوس المعتلة والتي على شفا حفرة توشك الوقوع فيها، العلم الذي أصبح عند البعض صنما يعبد من دون الله.

كانت أوروبا تعتقد أن بومة منيرفا (إلهة الحكمة والفنون عند الإغريق) تطير في غسق الليل طبقا للأسطورة الشهيرة،

فالتمس الفيلسوف الألماني فرديريك هيجل لأوروبا العذر في ولوجها مرج عصورها الوسطى المظلمة لأنهم كانوا ضحايا الأساطير،

والأسطورة في الديانات الوثنية موجودة بصور شتى وبها خوارق العادات لاجتذاب أكبر عدد من المريدين والتابعين،

ثم أثبت لهم هيجل أن منيرفا لم تطر إلا في وضح النهار ،

أما ظلام أوروبا كان بسبب الموروث اليوناني الإغريقي الذي ظل جامدا لا يقربه الأوروبي طبقا للإيمان المسيحي الذي يحدده رجال الكنيسة،

فشهوة الأكل من الشجرة بالجنة هي من هبطت بالإنسان إلى الأرض،

ذلك الإنسان الذي دفعه فضوله للأكل من الشجرة المحرمة لذا فإن كل فضول إلى المعرفة هو إثم،

فقد نهى بولس الرسول عن أي نوع من أنواع البحث عن الحقيقة في هذا العالم وأن محاولة المعرفة في الدنيا ليس إلا غرور،

ذلك المعتقد الذي غرسته الكنيسة بداخل الإنسان الأوروبي:
«إن استعمال العقل البشري في الكشف عن الطبيعة وأسرارها، بدلا من تسخيرها في خدمة الأديان السماوية هو سوء استعمال لها»

«سأبدد حكمة الحكماء وأنبذ معرفة العارفين»

«وصف الأب تيرتوليان فضول العقل بأنه إثم وفضول فاحش»

والحق أن هذا الفكر قاد الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء إلى الإلحاد منذ القرن الثاني عشر وإلى الآن.

لذا كان تحجيم الدين من قبل الأوروبيين ضرورة ملحة كي ينطلقوا جاعلين الدين في هامش الحياة،

بسبب مغالاة رجال الدين وتعنتهم فكانوا السبب الرئيسي في هذا التهميش، وبهذه العقلية أيضا تم حرق مكتبة الأسكندرية.

بكاء المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة:
على حرق مكتبة الأسكندرية (السيرابيون) الآهلة بالإرث اليوناني الضخم الذي تنامى على مدى مئات السنين فتقول:

«إن السماء تصطبغ باللون الأحمر فوق عاصمة المعرفة على دلتا النيل،

هذا في الوقت التي تتهاوى فيه درر لا تعوض من الأشعار والفلسفة اليونانية والعلوم الإغريقية ضحية لعمليات إبادة من تدبير التعصب المسيحي،

إن إحراق مكتبة الأسكندرية الكبرى والذي يصرون بعناد تحميل العرب مسئوليته، رغم أنهم فتحوا المدينة بعد انقضاء أربعة قرون على ذلك الحدث،

كدليل على بربرية مزعومة بشهوة الانتقام بالتدمير،

قد دل هذا الحريق على أنه بعد دراسة وافية هو من أعمال الإبادة المسيحية، فضلا عن أنه دعاية موجهة ضد الإسلام»

قصة الخلق
على النقيض في الجانب الآخر من البحر المتوسط، تلقف العرب الإرث اليوناني بثقل عقل يدعوه إيمانه لطلب العلم ولو في الصين،

فكان الدين نفسه بالنسبة إليهم الكشاف الذي أضاء ظلام عقولهم الدامس ودفعها للبحث والتقصي والكشف غير المشروط وهذا طبيعي وبديهي،

وعودة إلى قصة الخلق والتي تفك هذا الإشكال في هدوء، خلق الله آدم والذي قال عنه الله جل وعلا في سورة البقرة:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كلَّهَا ثمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كنتُمْ صَادِقِينَ (31)

قَالُوا سبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تبْدُونَ وَمَا كنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}

الإعمار يستلزم التعلم
وطالما أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض لإعمارها، فالإعمار يستلزم التعلم، والتعلم يستلزم البحث والتقصي الدائم دون انقطاع،

ذلك أن هذا الكشف والجوس في الأرض لهو التطبيق البشري الفعلي لخلق الإنسان والذي هو خليفة الله في الأرض لإعمارها،

وهو ما يؤكد أن العلم والدين لا يتعارضان بأي حال من الأحوال إلا إذا تدخلت الأهواء والمصالح الدنيوية.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]

وكل ماهر بعلم ما أو صنعة ما أو موهبة في أي مجال هو من أهل الذكر في مجاله.

﴿ قَالَ لَهُ موسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تعَلِّمَنِ مِمَّا علِّمْتَ رشْدًا ﴾ [الكهف: 66]

وفي هذه الآية تتبع سيدنا موسي النبي المرسل لشخص عادي وهو سيدنا الخضر حبا ورغبة في التعلم.

﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مسْتَقِرًّا عِنْدَهُ

قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

[النمل: 40]

قال الذي عنده «علم» وهو الجني الذي حاور سيدنا سليمان

وقال له أنا آتيك به (عرش ملكة سبأ) فهذا الجني تميز بالعلم وهو حث للمؤمنين على التعلم.

﴿أَمَّنْ هوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ

قلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أولُو الْأَلْبَابِ﴾

[الزمر: 9]

لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، هذا أيضا حث على التعلم لما يجعل لحامل العلم ميزة عن الجاهل به.

الآيات الحاثة على العلم والتعلم
والحقيقة أن الآيات الحاثة على العلم والتعلم كثيرة واكتفي بهذه الأمثلة آنفة الذكر.

هذا الاستعراض الموجز يدحض ادعاءات الطبيعيين والدهريين واللادينيين الذين يؤفكون،

فكل مخلوق من المخلوقات له دورة حياة «وهذا من مكتشفات العلم» ودورة الحياة تعني أنه بموت عضو فإنه يولد عضو جديد كي تبقى الدورة متصلة،

وطالما أنها دورة، لها ديمومة ما شاء الله للحياة على الأرض أن تستمر، فلابد أن الموت والميلاد المقترنان معا في «دورة» يكون اقترانهما بيد واحدة، فاعلة،

لها من القوة والسطو ما يضعف بجانبه أي قوة أخرى،

إنها قوة الله الذي لا يستطيع كائنا من كان أن يفسد ناموسه، لأنه نظام تام متقن محكم.

وحتى يكون الحديث في هذا الشأن تام ومحدد فإنه لو تعارض نص ديني صريح مع العلم،

فالنص الديني المنزل بوحي من الله أصدق،

والآخر دعي ويبقى البينة على من أدعى ولكن أحيانا لا يمتلك المؤمن المقومات الدنيوية

التي بها يثبت صحة ما يعتقده وهو حادث بالفعل،

لذا يبقى صحيح الإيمان حائط صد للفتن وتخرصات شياطين الإنس والجن..

وهذا يحتاج لبحث منفصل.

وللحديث بقية إن شاء الله