بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

بين التقليدية والرمز ودلالته .. بطعم التوت ..!!

1 min read

بيئة النص وكاتبه محورا مهما في قراءة النصوص الأدبية وتحليلها من خلال نص طعم التوت للكاتبة / حرية سليمان

ـ لم تتغير عبده، أعرف، ولن تتغير.. اغتسل وصلي

تقولها وتزفر

توقفت أمي عن معاملتي كصبي، كانت تدرك أننى غادرت الطفولة لاعنا نحولي فرحاً ببعض شعيرات خشنة متفرقة بذقني وفوق شفتي، كانت تخشى عزلتي و تدفعنى لقراءة القرآن وتحثني على المواظبة على الصلاة بزاوية الشيخ المنجي والكف عن الحملقة بالفتيات الرائحات والغاديات أمام الدار .

لم تكن لهن روح رقية، ولم تكن أي منهن كرقية، ولا زالت أمي تردد جملتها وتغضب حين يأتينها شاكيات

 

أسبوع من المعاملة السيئة وتجنب الحديث بعد أن ضبطتني أختلس النظر لها عندما كانت تركض بصحن دارنا وكنا صغارا يسحرنا الحصاد وطقطقة القش بالتنور ومناغاة اليمام، أمسكت بطرف جلبابها وحجلت فظهرت ساقاها بيضاوان كالشمع، إرتج برعماها، كنت مبتسما بالباب حين لمحتني فتوقفت عن اللعب وتركت جلبابها متذمرة واختفت .
رقية تكبرني بعام و كنا نلعب معا، تجري البنات والاحقهن ويتمرد صدري فأسعل بنوبة ربو قصيرة فيأتين مهرولات.. كنت ألمح الجزع بعينيها فأبتهج وأتمارض لتطول النوبة حتى أننى سمعت دقات قلبها الفزع، مؤخرا أصبحت تفضل الاحاديث الجانبية بحجرة هند وفاطمة، أحاديث أقرب للهمس لا يصلني مداها، فاجأتهن مرة ودخلت عليهن بئر أسرارهن لأميط اللثام عن شغفي لأجدها متربعة كالبدر بفراش فاطمة، لم تكد تمر رأسي حتى صرخن وهاجمنني كخلية نحل ودفعنني للخارج، وجودها كان يبعث نشوة تشبه قطف التوت الناضج من شجر الفاجومي، سألت أمي عن سر احتجابها فوجمت وباغتتني بنظرة غاضبة وقالت :

 
ــ ما الذى يهمك من كونها تتجنبك ، للبنات سترلا تخدشه بفضولك .

 

كان ارتطامي بهما غير متعمد أو هكذا ادعيت، كانا صلبين نافرين كتلةٍ صغيرةٍ ببطن جبل ، سرت بى لفحة ساخنة واندفع للساني طعم التوت الحلو، تعرقت وارتبكت وانسحبت باكية ولم تلتفت لندائهن، توقعتها تخبر أمها وبدورها تخبر أمي فلا تقوم لي قائمة، لم يكن ليهنأن بخلوة إلا بعد أن يأتين ببعض ثمار الفاجومي، كان بامكاني فعل ذلك ولم يكن ليمنعنى الفاجومى نفسه ، لا لقوة وتبجح وانما كنوع من الرأفة بصبي سيرهقه تسلقها بعد قذفها العبثي بالحجارة .. كنت أرسلهن فيعدن بصحن كبير ممتليء ولذيذ.. فيهنأن بالخلوة وأهنأ بالخيال بينما تهرس أسناني التوت.. كبرت رقية ونضجت تفاحتاها وصارت أهدأ حركة وأجمل صورة.. رقية أصبحت شجرة توت ..

تمر الليالي وتركض الأصبحة

أسأل ضابط الحدود عن أرضنا التى نحرس رملها ولا تنبت توتا فيجيب لمن هذه الأرض يا عبد المؤمن

قلت : لنا

قال : ولأنها لنا فهي تنبت أكثر من التوت

ثمار الفاجومي كانت لنا برغم توسطها بقعة شرقية على البحر الصغير تبعد عن بيتنا مئة متر .. والأرض لنا لأنها تنبتنا كما تنبت الأشجار

جاء صوته يصرخ

ــ أمك تناديك يا عبد المؤمن

لم نتبين غير ارتعاش القمر.. وصوت عبورهم.. يخفينا التل، يقترب الطابور الأسود، الأرض لنا ،الفرن ،خبز الرحمات ،دخان التنور ،الشجر ،التوت ،اليمام ،الساقية ،الطريق ،الرمال ، القمر ،الشجر ،التوت ،التوت ،التوت ولا شيء لهم

جبينه الأسمر يلمع، يركض خارج الساتر.. يتوسط التبة

ـــ ماذا يفعل .!!

ــ يخرجهم

ــ وحده .؟!

ــ كلنا نفعل
ــ أمك تناديك يا عبد المؤمن ،أمك تناديك

 
فقد الظابط ساقيه فمنحوه وساما ونجمة، مات مرعي وجبريل وسليما، لم يعد الحسيني ونجم وغالي .. علقوا مكانهم النجوم والنياشين والأوسمة على الجدران.. تزوجت رقية ولم أذق توتها ولم يكن لي غيرنجمة ووسام.. لكن القرية حكت عنا .

 
***********************************

الموضوع وفكرته :
ـــــــــــــــــ

عندما تأخذ الكاتب ذكريات الطفولة في محزن الذاكرة تطلّ بعينيها الطفولة وابتساماتها البريئة من خلال نافذة الفكر الباطني على العقل الراشد للكاتب من آن لآخر بمشاهدها ولقطاتها وبعض حواراتها وألفاظها كما هي دون تبديل ، ولا شك أنها تتفاعل بداخله وتنمو معه كما ينمو الكاتب ويتضخم وعيه وقراءته للصورة والمشهد من حوله حيث تختلط الرؤى والأحداث وتنضج رويدا رويدا في مخيلته ، وصور الذكرى بمشاهدها ولقطاتها وعباراتها وأحداث الطفولة والبيئة المحيطة الأولي تطل وتصبح همّ لمجموعة أطفال يصرخون بداخله يودون العودة للحياة من جديد مختلطين دون أن يدري داخل اللاوعي بهمّه الجديد الناضج الفتي الخصب ..

ويصبح الهمّ كما صوّره نص طعم التوت .. همّ وطن بأكمله .. همّ أرض .. همّ عرض ، ومدى التداخل المبدع الشجي الذي صوّرته الكاتبة في نصها .. بين همّ الوطن وهمّ الأرض وهمّ العرض ، وفروق الجنس بين الرجل والمرأة بداية من الطفل الذكر والطفلة الأنثى من خلال شخوص حكايتها .. عبد المؤمن ورقية والمعلم المرشد والمنصح الرقيب الذي يتمثل في الأم في البيت وضابط الحدود على الجبهة وأثناء التدريب ، ومرحلة النضج والرجولة عندما يكبر الهدف ويثمن .. خلط الفكرة بموضوعها .. خلط مبدع محترف ، وكيفية تطويرها من خلال القص الهادئ السلس ، دون أن يلحظ المتلقي والكاتب نفسه آن اسكاب همّه على الورق الذي يصبح إبداعا ناضجا ذي عقل محكم بأبعاد فنية الحكيْ القصصي ..

الموضوع مجرد ذكريات طفولة من خلال بيئة الكاتب الأولى وصبغها بالفكرة من خلال نمو الوعي لديه والمفهوم الثقافي وقراءة المشهد الحالي ووجهة النظر الخاصة التي أرادت الكاتبة أن تسكبها في رأس المتلقي ألا وهي : فكرة الهمّ الأكبر .. همّ الوطن .. همّ الأرض .. همّ العرض ، وإسقاط كل هذا على حلاوة طعم المذاق من طعم التوت ..

الإسقاط على طعم التوت له أبعاد ودلالات عدة .. شجرة التوت بتطورها ومراحلها المختلفة حتى يأتي آوان الطرح .. الجني ، هي ثمرة بيضاء مضروبة بالخضار في أولها مثل طفولة شخوص قصتها عبد المؤمن ورقية في لهو الطفولة ، وكل منهما وبالأخص بطل القصة عبد المؤمن .. يعرف أول ما يعرف أنه جنس مختلف عن البنت التي يلعب معها .. هي بنت وهو ذكر ، وتنمو شجرة التوت ويأخذ لونها في التغيير قليلا وتصبح ثمرة تأخذ الأعين لا يجب أن تقطف وتأكل الآن ، كما عبد المؤمن الذي يصير صبيا يتأمل خشونة جسده ونمو أعضاءه والشعيرات الصفراء التي تنمو على صدغيه وفوق شفتيه : توقفت أمي عن معاملتي كصبي، كانت تدرك أننى غادرت الطفولة لاعنا نحولي فرحاً ببعض شعيرات خشنة متفرقة بذقني وفوق شفتي …وأيضا رقية في نتوء نهديها وامتلاء أسفلها قليلا : كان ارتطامي بهما غير متعمد أو هكذا ادعيت، كانا صلبين نافرين كتلةٍ صغيرةٍ ببطن جبل ، سرت بى لفحة ساخنة واندفع للساني طعم التوت الحلو، تعرقت وارتبكت وانسحبت باكية ولم تلتفت لندائهن .. والذات التي تتعلم بالعين في الطبيعة وتبحث عن سر الإختلاف وما يفرض على الصبية المراهقين من وجبات وإلتزامات للحفاظ على الجنس وتفرّده بقيَمه الجميلة المستقلة ، وهذا ما نوّهت عنه الكاتبة في النص بأكثر من صورة : كانت تخشى عزلتي و تدفعنى لقراءة القرآن وتحثني على المواظبة على الصلاة بزاوية الشيخ المنجي والكف عن الحملقة بالفتيات الرائحات والغاديات أمام الدار .

لم تكن لهن روح رقية، ولم تكن أي منهن كرقية، ولا زالت أمي تردد جملتها وتغضب حين يأتينها شاكيات أسبوع من المعاملة السيئة وتجنب الحديث بعد أن ضبطتني أختلس النظر لها عندما كانت تركض بصحن دارنا …. وأيضا بالمعادل على رقية : أصبحت تفضل الأحاديث الجانبية بحجرة هند وفاطمة، أحاديث أقرب للهمس لا يصلني مداها …

فلا يتعجل الشاب المراهق والشابة بهمجية المرحلة من محاولة الإختلاط الأعمى الذي لا يحسب فروق الجنسين ، وحذر القطف كما ثمرة التوت التي يجتهد المزارع الرقيب أن يراعيها أكثر ، كما تجتهد الأم أن تفرض الطقوس والمحاذير لحفظ الذات : كانت تخشى عزلتي و تدفعنى لقراءة القرآن وتحثني على المواظبة على الصلاة بزاوية الشيخ المنجي والكف عن الحملقة بالفتيات الرائحات والغاديات أمام الدار …

وتكبر شجرة التوت وتنضج وتحمر ثمرتها وتزداد طراوة وحلاوة وفي آن الوقت يكبر معناها ورمزها الموحي من خلال شخصية البطل عبد المؤمن الذي كبر وأصبح شابا يافعا وكبرت رقية واحتجبت عنه لتدخل في معنى أكبر بزيادة الفارق والوعي .. فتاة شابة كبيرة لتصبح عرض يجب الحفاظ عليه وعدم خدشه ، معنى كبر وتبلوَر في الذات للعرض وشجرة التوت بطبيعتها كمرتع وملعب ومظلة ولهو ومذاق حلو لقد أصبحت أرض ، ورقية عرض الأرض ، كما تتطوّر الفكرة وتصبح همّ كل القضايا .. وطن وأرض وعرض ، وطن كبير شامل نسدي إليه أرواحنا وأجزاء من أجسامنا ونحصل على القيمة الكبرى .. نيشان على الصدور ، ومجرايات البطولة والنيشان الفخر والعزة والكرامة والإحترام من الكبير والصغير في أهل القرية : فقد الظابط ساقيه فمنحوه وساما ونجمة، مات مرعي وجبريل وسليما، لم يعد الحسيني ونجم وغالي .. علقوا مكانهم النجوم والنياشين والأوسمة على الجدران.. تزوجت رقية ولم أذق توتها ولم يكن لي غيرنجمة ووسام.. لكن القرية حكت عنا ….

رأينا ببساطة وسلاسة كيف صنعت حرّية سليمان من خلال ذكريات الطفولة موضوعا وفكرة ذات قيمة …

الإسلوب :كان إسلوبا من المدرسة التقليدية ، وتميّز في السلاسة من خلال الراوي الذي ينقل وهو البطل ينقل ويفعل ، والمونولوج النفسي كان يجب أن يأخذ مساحة أكبر من خلال عين عبد المؤمن وفكره الذي يكبر مع كل مرحلة ، ولكنه كشف عن هويّة النص والمحكي عنه والمراد وبيئته وبيئة الشخوص وفكرهم وسلوكياتهم .

اللغة : كشفت اللغة في بساطة وبلا افتعال وتحذلق ولا تفكير في الأنسب والأفضل من الجمل والألفاظ ، وكانت مزيجا في إتقان من الجمل الفعلية الغالبة على السرد ، قاصدة تصوير المكان بلا الوقوف عند اللقطة الوصفية .. المكان المفعول فيه وبه ، والأشخاص وهي تفعل ، وقليلا من الجمل الاسمية التي تحقق الشيء ومصدره للفهم والمغزى ، وهذا وعي وحرفية من الكاتبة ، كما جاءت الجمل مباشرة وخالية من التزيّد في ألفاظها ، فساعدت على الإسترسال بلا توقف ، وكشف بعض الزوايا في المكان ونفوس الشخوص وأفكارهم ، وكان الحوار قوي في بناءه ولغته فأعطى عمق ، وكان مهموما بالفكرة والهدف المبتغى منه .. عناصر الفكرة .. في عنصر فكرة الرقيب والمنصح والمرشد الذي تمثل في الأم والحوار بينها وبين ابنها : ــ ما الذى يهمك من كونها تتجنبك ، للبنات ستر لا تخدشه بفضولك . والضابط المعلم : أسأل ضابط الحدود عن أرضنا التى نحرس رملها ولا تنبت توتا فيجيب : ـ لمن هذه الأرض يا عبد المؤمن

قلت : لنا

قال : ولأنها لنا فهي تنبت أكثر من التوت ، وهي تضرب في هذا المقطع بين عبد المؤمن وضابطه عمق الفكرة في إيجاز وتعمقها بوضوح فكرة الوطن والأرض ، وجاءت في آخر المنتصف بشكل ذكي جيد .. مسايرا التطوّر المرحلي للفكرة والموضوع وشخوصه ..

ولكنها غطست في مياه مدرسة التقليدية الغير معطرة بالورد والياسمين في بلاغة الجملة الأدبية التي تتمتع بها المدرسة الرمزية الموحية وتفعل في نفس المتلقي عبق الأدب القصصي في جمله الفريدة التي تؤخذ من على لسان الكاتب كالحِكَم والمآثورات التي تنقل عنه وتحفظ ..

الجمل ذات الصور البلاغية الأدبية التي توضح ثقافة الكاتب وعينه الخاصة المتميزة ، ولا تبعد عن البيئة الموصوفة وقوميتها ومحليتها ، وتعطي له الميزة والتفرّد عن مثيله من الكتاب .

جماليات النص والربط بين رموزه ودلالاتها :
شجرة التوت : اسقاط في منتهى البراعة على معانٍ كثيرة عدة ، وهي ترمز للأرض وترمز لمراحل نمو البطل عبد المؤمن ورقية ، متمثلة في ثمرتها وهي تتفتح في أول مرحل طفولتها بلونها الأبيض الضارب بالخضار متماشيا مع مراحل عمر عبد المؤمن ورقية ومرحلة المراهقة بثمرتها وهي تكبر فجأة ويحمر لونها ويصبح وردي متماثلا مع مرحلة البلوغ لكل منهما وبداية علامات العرض في نتوء الأطفال المراهقين متمثلا في عبد المؤمن وظهور الشعر على صدغيه وشاربه والنشوة التي تجعله ينظر للفتايات ، ورقية بنتوءها وثدياها وظهورهما وظهور مرحلة من الفكرة في فكرة العرض ، ثم الخصوبة للثمرة اليانعة المكتملة في لونها الأحمر الغامق وشعور بالقلق والخوف على العرض ودخول عبد المؤمن الجيش ودفاعه عن الوطن والأرض والعرض ، وعلى المعادل احتجاب رقية عنه وعن كل الرجال .. اسقاطا موحيا جيدا .

هويّة النص وبيئته وبيئة كاتبه :

حريّة سليمان من مواليد قرية دماص بميت غمر في المنصورة وهي من أصل طين هذه الأرض ، ترعرعت هناك وتنفست هناك نسيم عطر الأرض ساعة الفجر وتلونت عينيها بلون الخضرة ، وعاشت الأشخاص والمنازل وشجرة التوت ، واستطاعت بنصها أن ترسم لنا خريطة جفرافية بشكلها الكامل .. جعلتنا نتخيل المنازل ووشوش الناس وحركتهم ، استطاعت أن تصوّر لنا قلوبهم بصور فوتوغرافية مبهرة من خلال لقطات مشاهدها ، وكم أجادت في رسم مرحلة الطفولة في نص قصير سريع ..
استطاع النص أن يفصح عن موطنه وبيئته ويقول أنا محلي فلاح مصري بداخلي العمق والآصالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.