بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

تقنيات أسلوبية في (مواسم الخروب)

1 min read

مجموعة قصصية للقاص العراقي صالح جبار محمد
تعاين الدراسة تسع تقنيات أسلوبية توسل بها القاص في البناء المعماري لمجموعته (مواسم الخروب).ولا يخفى أن انفصال التقنيات التسعة يقتصر على الجانب التنظيري في النقد السردي ،فهي تقنيات متكاملة مندغمة في البناء الفني السردي .وأولها : ثنائية الاستهلال والخاتمة التي ترصد العلاقة التوافقية أو الضدية بين بداية القصة وخاتمتها . وثانيها: التنوع المكاني في القصة الواحدة بهدف معاينة تعدد المشاهد البصرية التي تمنح النص السردي حيوية وتنوعا وتجددا . وثالثها:التعالق بين الشخصية والحدث . ورابعها :القطع السردي الذي يحول النص السردي إلى خطاب مزدوج . وخامسها :الكشف المبكر عن ملامح الشخصية . وسادسها :البنية الدلالية لأسماء الشخصيات وسابعها : التعليل السردي الذي يحرص على الكشف عن البواعث النفسية لسلوك الشخصية. وثامنها:التصوير الفني العنقودي الذي ينصهر بالعناصر السردية . وتاسعها : تقنية التناص الذي جاء في الدراسة موزعا على التناص التاريخي والأسطوري والسياسي .

ثنائية الاستهلال والخاتمة (البداية والنهاية)
يعد استهلال الخطاب السردي عتبة يستشرف منها المتلقي آفاق النص القصصي ، أو نافذة ضيقة نحو فضاء سردي واسع . وكلما كانت العتبة شائقة وجاذبة حققت تأثيرا وإثارة ، ورسمت الملامح الأولية للقصة. ويزداد المستوى الفني للاستهلال حينما يشكل تعالقا مع الخاتمة ، سواء كان التعالق توافقيا أو ضديا . ففي قصة (الثآليل) شكل الاستهلال والخاتمة ثنائية دلالية تختزل العصب الدلالي للقصة ؛ فقد جاء الاستهلال واصفا يأس الشخصية وانكسارها كما يتجلى بقول السارد : ((رحت أحك ظاهر يدي بقوة حتى أحمر الجلد بعدها شعرت بالنعاس.. لم أعد أشعر بشيء.)) . وجاءت الخاتمة راصدة ليقظة الشخصية ورفضها للواقع في قول السارد : ((رحت أفرك ظاهر وجهي بقوة حتى أحمر جلدي .. وبقيت يقظا لا يراودني النعاس .)) ومن أجل إضاءة العلاقة الدلالية الضدية بين الاستهلال والخاتمة ينبغي الكشف عن البنية الرمزية في العنوان ( الثآليل ) ، وتفكيك الخلايا الرمزية في متن الاستهلال والخاتمة ، فالثآليل رمز للاحتلال الذي غزا جسد العراق ، فأضحى جسد الوطن موبوءا بالثآليل التي تسبب للجسد ألما ونفورا واشمئزازا ، وحاجة للحك المستمر ، واستئناسا بدلالة العنوان الرمزية فإن الشخصية في استهلال القصة تبدو مستسلمة ومحبطة ، تكتفي بحك الثآليل والاستسلام للنعاس ، وكأنها في “غيبوبة ” عما يحدث في الوطن . أما الشخصية في الخاتمة فتواصل حك الثآليل ، ولكنها تبقى يقظة لما يحدث ، ولا تشعر برغبة في النوم أو الاستسلام . وفي هذا التحول يكمن هدف الخطاب السردي والغاية من القصة ؛ فالمواطن العراقي الذي صمت قليلا في بداية العدوان على العراق أضحى يقظا مقاوما.
التنوع المكاني

يعد المكان في المعمار الفني للقصة القصيرة فضاء بصريا تتخلق فيه نطفة الحدث ، وتتشكل في حناياه الأبعاد النفسية للشخصيات ، وكلما حقق العنصر المكاني المقتضيات الفنية للشخصيات والأحداث زادت قيمته الفنية السردية ، فالمكان ليس عنصرا محايدا أو إطارا خارجيا منعزلا عن المعمار الفني . كما أن تنوع الفضاء المكاني في القصة الواحدة يمنح القصة جاذبية وتشويقا ، إذ إن تعدد المشاهد المكانية التصويرية يضفي على عناصر السرد التجدد والحيوية والانتقال البصري من مشهد إلى آخر ، ففي قصة ( الخنزير ) يعمد القاص إلى تقنية تداخل الأمكنة بأسلوب سردي لافت ؛ فتبدأ القصة بفضاء أسري مفعم بذكريات القاص عن الجد والأب ، وسرعان ما يتحول السرد إلى فضاء معسكر التدريب الذي تُشكل الحياة فيه احتقانا نفسيا بسبب المعاملة القاسية من قبل ضباط التدريب ، وبين الفضاء الأسري وفضاء معسكر التدريب تنافر نفسي . ويوظف القاص الشتيمة ( لماذا تأخرت يا خنزير )التي سمعها من الضابط لينتقل إلى فضاء ثالث فيفتح نافذة الذاكرة نحو المزرعة التي احتضنت ذكريات أيام الصبا حينما شاهد خنزيرا بريا ، ويعقد مناظرة بين صفات الخنزير البري وصفات الضابط في معسكر التدريب ، وبهذا تنصهر أحداث فضاء معسكر التدريب مع أحداث فضاء المزرعة ، ويتحقق تكامل الأحداث في مكانين مختلفين . وتعود ذاكرة القاص من فضاء المزرعة إلى فضاء معسكر التدريب ليفرغ مخزون الذاكرة عن مشاهدته للخنزير البري لينال من أولئك الضباط القساة العتاة الذين ينحدرون في معاملتهم إلى مرتبة ” الخنزير ” . واستئناسا بما تقدم أسهم تنوع المكان في تكامل جزئيات الحدث ، وإبراز الغاية من القصة.
التعالق بين الشخصية والحدث
يتوسل القاص بالشخصية لرسم أبعاد الحدث السردي، ففي قصة (اللحية الكثة) يتخذ من الشخصية المحورية إطارا يرسم فيه الأبعاد السياسية للعراق والقلق من حاضر غامض، ومستقبل مجهول المعالم والملامح، فالقاص يجمع بين البنيه السيكولوجية للشخصية ، والأحداث الدرامية السياسية في العراق . إن رصد التقاطع والتناظر والتقارب بين الشخصية والحدث يفضي إلى تأمل التواصل النفسي والدلالي بين وصف السارد للشخصية الذي استهل به القصة بقوله : ((أدركت أنه مجرد مهرج لسيرك بلحيته الطويلة…. التي خالطها الشيب نزع جلده وحياؤه معا أبدل ملابسه ذات الإيحاء الديني بملابس أخرى))والحالة التي آلت إليها العراق بعد الغزو الأمريكي ، تلك الحالة التي يختزلها وصف السارد : ((في الخارج الاشياء تحمل لونا باهتا من الإرث الثقيل الذي طوى المدينة برمتها حتى لم يعد هناك ما يساوي النظر أليه …. تعفنت الأصوات بنداء لا طائل منها سوى البضائع الرخيصة والمسروقة من مخازن الدولة التي استبيحت بهمجية مفجعة)) . إن النسيج النفسي والسلوكي للشخصية يناظر الأبعاد الدلالية للحدث ، إذ إن التحول الكبير الذي طرأ على صفات الشخصية وسلوكها يتقاطع مع التحول السياسي الذي طرأ على العراق ؛ فالشخصية تحولت من رجل دين وقور بهيئته وهيبته ومكانته الاجتماعية إلى رجل يشبه المهرج بعد أن تخلى عن ملابسه ذات الدلالة الدينية ، وهو تحول جذري يجسد الانكسار والخيبة والهزيمة النفسية ، وكذلك تحولت العراق من بلد آمن مطمئن يسوده النظام والقانون إلى بلد مثقل بالخوف ورائحة الموت، والفوضى العارمة التي أدت نهب وسلب ممتلكات الدولة وبيعها على الأرصفة بثمن بخس.
القطع السردي
في قصة ( اللحية الكثة ) تتجلى تقنية القطع السردي حينما تفصل الجمل المعترضة بين البنى السردية والحوارية ، فيصبح النص السردي مركبا من مستويين ؛ مستوى سردي داخلي ، ومستوى سردي خارجي يحيل المتلقي إلى التأمل بدوائر دلالية ومساحات تأملية . ففي وصف السارد للشخصية المحورية يقول : ((أنهى الكتابة نهض بعصبية واضحة ألقى شكواه / بث المشكلة طريقة مفتعلة للتعبير عن السخط المكتوم / لرجل يجلس قبالته أخذها منه طواها ببرود تابعت ما حدث مع( السيد) الذي يجاورني / المجاورة أنواع تتجسد حسب الافتراض/ … )) . لا يخفى أن العبارات التي وُضع تحتها خط ليست جزءا من الخطاب السردي الذي يصف سلوك الشخصية ، بل إن العبارات إضاءات فكرية وتأملية تحقق ثلاث وظائف متكاملة ؛ أولها: الكشف عن البنية الثقافية للكاتب وفلسفته في الحياة ، وثانيها : التأسيس التراكمي لرسالة القصة وغايتها ، إذ إن دلالة عبارات القطع السردي ( الجمل المعترضة) تتناغم مع دلالة البنية الدلالية للقصة ذاتها ، وبهذا تتكامل الرؤية السردية مع الرؤية الفكرية للكاتب . وثالثها : حفز المتلقي على تبني موقف فكري يجمع بين دلالة الخطاب السردي ودلالة الجمل المعترضة .

الكشف المبكر عن ملامح الشخصية
في قصة ” آنية الصفيح ” يحشد القاص ملامح الشخصية الرئيسة ، ويمكن تسمية هذا الحشد بـ ” تقنية الكشف المبكر ” عن النسيج النفسي والسلوكي للشخصية ، وتعد هذه التقنية انزياحا أسلوبيا في المعمار الفني للقصة القصيرة ، وظاهرة تستحق التأمل ؛ وذلك أن المألوف في البناء الفني للقصة القصيرة أن تتجلى معالم الشخصية من خلال تفاعل العناصر السرية الأخرى وبخاصة التفاعل التراكمي للحدث . ولو تأملنا استهلال القصة ((سئمت أبي هذا الرجل الطويل والأنيق ببدلته الكحلية لم يعرنا اهتمامه ترك لنا الحبل على الغارب يتسلل الى خارج البيت ماضيا لمواعيد لا تنتهي يقضي وقتا طويلا في اسواق العطارة يتبضع المنشطات دائب البحث عن الاصباغ السوداء ليدهن شعره الكثيف.)) لوجدنا أن الاستهلال يختزل الجينات النفسية والسلوكية في القصة كلها . وأزعم أن الكشف المبكر عن معالم الشخصية يهدف إلى تهيئة المتلقي لاستيعاب الانزياح الأخلاقي لشخصية الأب ، وانهيار منظومة القيم الأسرية بين الأب وابنه ؛ إذ إن أحداث القصة تعد خروجا عن المألوف ، وتجاوزا لمساحة التوقع لدى المتلقي . ولهذا جاء الاستهلال انزياحا فنيا لينسجم مع الانهيار السلوكي للأحداث .

البنية الدلالية لأسماء الشخصيات
تكاد قصص المجموعة تخلو من أسماء الشخصيات والأماكن الجغرافية . أما غياب الأسماء فيبرره حرص القاص على معاينة قضية ” الإنسان ” في تجلياته النفسية والفكرية ؛ فيرسم انتصاره وانكساره ، وأحلامه ، وآلامه ، وماضيه وحاضره مستشرفا مستقبلا يكتنفه الغموض والانتظار .
وما دامت تقنيات القصة القصيرة في بعدها الموضوعي أو الفكري تنحاز إلى إنسانية الإنسان فإن اقتران الشخصية باسم محدد قد يضيق البعد الإنساني لها ، ويختصرُ دلالتها إلى دلالة أو إيحاء اسم يحيا في ذاكرة المتلقي . وأما غياب اسم المكان فيبرره حرص القاص على جغرافيا الوطن أكثر من حرصه على عنوان محدد أو اسم مدينة ما .
وحينما يوظف القاص اسما فإنه يعمد إلى التوظيف الفني الدال للأسماء . وأزعم أن التوظيف التوافقي بين الاسم ودلالته الإيحائية من حيث صفات الاسم وسلوكه لا يحقق إثارة في ذهن المتلقي كما يحقق التوظيف الضدي نحو ما تجلى في قصة ( إسقاط ) التي وظف فيها القاص اسمي ( أيوب ونضال ) توظيفا ضديا حقق إثارة وجاذبية ؛ فالزوج ( أيوب ) لم يصبر طويلا على زوجه التي تعاني من الإجهاض المستمر ، فطلقها ، وتزوج عليها . والزوجة ( نضال ) لم تصمد أمام رغبة زوجها بالإنجاب منها ..فتركت البيت ، ولجأت إلى بيت شقيقتها . فالاسمان تجردا من دلالتهما الموروثة في الذاكرة الثقافية
؛ فلا ” أيوب ” صبر ” ولا ” نضال ” قاومت وصمدت . وقد حقق القاص ثنائية دلالية بين خلو اسمي الشخصيتين من دلالتهما الموروثة وما رافقهما من بيئة نفسية تتسم بالحزن وانكسار الرغبة وهزيمة الحلم ، والمحيط السردي الوصفي الذي رسم فضاء متناقضا مع الفضاء النفسي للشخصيتين ، كما يتجلى في وصف السارد : ((استدار قابل وجهها الذابل القد الممشوق صار هزيلا سحنتها صفراء أبتعد عنها الى الشباك حيث الحديقة الصغيرة أمامه .. تطلع للسدرة العتيقة تمرق بين أغصانها طيور وعصافير تسقسق جذلة .. بينما نضال تقف خلفه تمضغها الأحزان غصة مريرة في فمها .))
التعليل السردي
يعمد القاص في غير قصة من مجموعته إلى تعليل البواعث النفسية لسلوك الشخصية ، وبخاصة إذا كان السلوك خروجا عن منظومة المألوف ، ويتخذ القاص من تأثير السياق المكاني حاضنة لتشكل الباعث النفسي انطلاقا من أن البيئة المكانية توجه في الغالب سلوك الشخصية . ففي قصة( صدى العصي) يرصد القاصد نمو الشخصية وتطورها …شخصية ذلك الرجل الذي حاز على قلوب رفاقه في المعتقل ، لكنه سرعان ما تحول من شخصية موثوق بها إلى شخصية منبوذة حينما ادعى “الخلوة مع الله ” ، وزعم أنه المخلص المنتظر ! . وقد تخلى القاص على تقنية السارد المحايد وتبنى موقفا رافضا ساخطا لمزاعم الرجل الأفاك ، وشرع بتوظيف السرد لبيان الانحراف الفكري لذلك الرجل بقوله : ((من يصدق الخرافة لابد من القناعة بها .. ليعرف أهمية ما يعمل .. حدثت نفسي ،وتطلعت لما يجري أمامي ، أنها أسطورة قادمة من عالم خرافي لتحاك في رأس واهن من الإحساس بالمهانة. )) وكان أمام القاص خيار الحياد ليكون الحكم للمتلقي على شعوذة الشخصية القصصية .
ولم يكتف القاص بتبني موقف معارض للانحراف الفكري للشخصية بل حرص على تعليل الباعث النفسي ليخلص إلى رؤية سيكولوجية سردية لظاهرة الشعوذة بقوله : ((انحطاط تفكيره سيجعله يخرج علينا ببدعة تمليها عليه حالته النفسية المتعبة فالسلوك الشاذ يبدو مألوفا لوقع المعاناة …..اعتقدنا مثل هذه الأمور عادية جراء الحجر والمعاملة القاسية مع الشعور بالمهانة يولد إفرازات تطفو على السلوك للتعبير عن حجم الاضطرابات التي يعيشها المعتقلون.)) وتفضي هذه الرؤية السيكولوجية السردية إلى سجال نقدي ينطلق من مسارين ؛ مسار نقدي ينتصر لنظرية التلقي ،فيدعو إلى توسيع مساحة حرية المتلقي في التعليل والتأويل بترك الحدث السردي دون تعليل أو تفسير ليتسنى للمتلقي التأمل والتفكير واتخاذ موقف فكري يتناسب مع بنيته الثقافية بهدف جعل النص السردي يتفاوت في مستويات التلقي وفق اختلاف المستويات الثقافية بين متلق وآخر . ومسار نقدي يرى أن الخطاب السردي يتيح للقاص تضمين وجهة نظره بما يخدم المعمار الفني دون أن يحول القصة إلى منبر فكري ، ولا يجعل القاص واعظا أو موجها أو مربيا ، وهو مسار يزاوج بين الرؤية الفنية والرؤية الفكرية في العمل القصصي .

التصوير الفني العنقودي
من المألوف أن يحوي الخطاب السردي صورة فنية وفق مقتضيات البناء الفني للقصة ، وأن الفكرة التي تتخلق في حنايا القصة تحقق تأثيرا وإثارة لدى المتلقي حينما تنطوي على بعد تصويري ، وذلك أن الإدراك يقتضي غالبا التمثيل والتخييل . ولكن اللافت في تصوير القاص الامتداد السياقي والبناء العنقودي للصورة نحو قوله في قصة ( الإغماضة): ((الاشياء تتوهج بشعاع يهمي على الامتداد المستمر من أعمدة الجسر الغارقة في عتمة الظل حتى البناية الرابضة أمامه بمواجهة الشاطىء المطلي بلون النهار. )) ويقتضي هذا الامتداد والتتابع العنقودي للصورة من المتلقي مهارة الجمع بين مكونات الصورة ، ورصد الانسجام بين المكونات الثنائية ؛لأنها صورة بصرية ضدية تتكون من ثنائية الإضاءة والعتمة . كما أن الصورة العنقودية الممتدة ينبغي أن تتناغم في مكوناتها الثنائية مع النسيج النفسي الثنائي للشخصية ، والبناء الدرامي للحدث باعتبار أن الشخصية والحدث محور القصة القصيرة . فالتوهج والشعاع في الصورة العنقودية يناظر التوهج الغريزي والإشراقة الوجدانية في الشخصية في وصف السارد : ((ترك رجليه تهبطان على مهل لكنه لم يغير وضع استلقائه ، تأمل الفتاة الواقفة أمامه، أدرك أنه يمتلكها ويستمتع بها كوعاء لحفظ سلالته))، وفي المقابل تناظر العتمةُ في الصورة العنقودية التشاؤم والاحتقان والاكتئاب لدى الشخصية في قول السارد: ((أشتاق لأخيه الكبير تذكر حادثة البارحة فعاوده الالم ينخر جسده بصمت أستحضر صورة زوجته الراقدة في فراشه مع عبد أسود ينهض الدم في عينيه)) . وتتقاطع الصورة العنقودية مع بؤرة الحدث التي يرمي القاص إلى إبرازها ، وهي الاحتلال الجاثم على صدر العراق . وتتجلى ثنائية العتمة والضوء في وصف السارد لما يسمى ( المنطقة الخضراء ) في قوله : ((خلف الجدار الاسمنتي تستمر حركة أخرى غامضة تتداخل فيها الشرفات تسكن ثم تضج وجوه تغطي وجوه وطائرات الهليكوبتر تحلق في السماء تدور في اتجاهات تسحب الضوء نحو المغيب)) . وينبغي أن نشير أن ثنائية الضوء والعتمة قد ظهرت في تفكير الشخصية وسلوكها ؛ لأنها تجسد حالة المواطن العراقي الذي يتجاذبه التفاؤل والتشاؤم ، واليقين والشك . أما في وصف الحدث فقد تغلبت العتمة على الإضاءة ؛لأن الواقع السياسي لا يشير إلى انفراج قريب ، لذلك بدت الطائرات في السماء تسحب الضوء نحو المغيب. .
التناص ( التناسل الدلالي )
التناص التاريخي
يعمد القاص إلى استدعاء موقف تاريخي من العصر العباسي ؛لإبراز الصراع على الحكم وما يرافقه من اقتتال داخلي ، فيستدعي مقولة الخليفة العباسي : ((سمعت من أبي عن جده ، أخبرنا كان جده السابع عشر مع الخليفة العباسي حينما خاطب ابنه ( المُلك عقيم لو أنك نازعتني على هذا ( أشار نحو جدي ) لقطعت الذي فيه عينيك .(سلالة الخشب) ويشكل الاستدعاء نقيضا فكريا لثقافة العنف والاقتتال والتآمر بهدف الحصول على كرسي الحكم ، فالموقف المستدعى هو نص غائب يجسد رغبة وطموحا لدى المواطن العربي الذي يتطلع نحو منهجية وطنية لنظام الحكم .والحدث السردي هو نص حاضر يثقل كاهل المواطن .
ويمهد القاص لهذه الثنائية الدلالية بين النص الغائب والنص الحاضر بوصف يضاعف يقظة المتلقي نحو المشهد السياسي والصراع على كرسي الحكم بقوله : ((بقيت دهرا أتطلع إليهم أراهم يتقاتلون لأجلي لم أدرك أن لي ميزة متفردة تجعلهم ينفقون الغالي والنفيس للاستحواذ علي.))وينطوي التمهيد على سخرية وتهكم ونقد لاذع ، ويتضمن بنية دلالية مضمرة يكشف عنها واقع الحال بأن الصراع على كرسي الحكم لا ينبع من مصلحة المواطن ، بل يرتبط بمصالح ذاتية وحسابات حزبية ، وهي الدلالة التي سكت عنها التمهيد السردي ، وأفصح عنها البعد الدلالي للتناص.
وتتسع دوائر المفارقة الدلالية للتناص في نهاية القصة حينما يصف القاص سادية المحتل ، وسياسة التعذيب ، وأصناف الإهانة والتنكيل التي تمتهن كرامة الإنسان حينما وصف امتهان جنود الاحتلال للسجناء بقوله :(( جلس الثاني أفرد يديه كأنه يريد الطيران طلب من صاحبه التقاط صورة فوتوغرافية تحسست مؤخرته بهدوء أطلق بوجهي صوت مزعج بعدها شممت رائحة كريهة. ضحك المتطفلان بصوت عالي مضيا بعدها نحو الباب سمعتهما يقولان بعد أن استدارا باتجاهي : هذا هو الكرسي الرئاسي))!!
فالسياسيون يتقاتلون على كرسي الحكم ، ويزعمون أن المواطن غايتهم ، في حين أن كرامة المواطن نفسه يمتهنها جنود الاحتلال .
ويتخذ القاص من التاريخ العربي الزاهر ملاذا من واقع سياسي مرير ؛ فيستحضر الصورة المشرقة للخليفة هارون الرشيد في سياق اجتماعي مفعم بالرفاهية والنعيم ليجسد مفارقة مذهلة بين ماض عزيز وحاضر ذليل ، وبين حياة اجتماعية يسودها الاستقرار والرخاء وواقع اجتماعي يسوده الفقر والحرمان في غير مكان في العراق ، كما يتبدى في قوله : ((حاولت رفع الفراش الملقي بإهمال لأعيده مكانه شاهدت ( هارون الرشيد ) أمامي متكئا على وسادة وثيرة حوله العسس أمامه الجواري والقيان عيناه مملوءتان حبورا جارية ..رومية تنثني بين يديه.))(مواسم الخروب).إن استحضار شخصية هارون الرشيد يعد نوعا من التوازن النفسي الذي يرمي إليه القاص بسبب الصورة القاتمة لشخصية ( الحاكم ) في الواقع السياسي الراهن ؛إذ إن المقارنة بين شخصية هارون الرشيد وما رافقها من تجليات السيادة والعزة والعنفوان تستدعي صورة مناقضة تتجسد بالمهانة والذل والانكسار .
ويتابع القاص توظيف التناص مستلهما شخصية هارون الرشيد ، فيختار المقولة الشهيرة( أمطري فأينما تمطرين فخراجك لي ) ليؤسس دلالة ثنائية في ذهن المتلقي تقوم على مفارقة سياسية اقتصادية ؛ ففي زمن هارون الرشيد كانت السيادة العربية تمتد على مساحة جغرافية شاسعة تعود خيراتها إلى خزينة الدولة العربية الإسلامية ، أما مساحة العراق وخيراته وخراجه ونفطه فيعود إلى جيوب ” الغرباء ” ، كما يتجلى في قول القاص :(( ناديت في الظلام : ياجدي .. ياجدي ، يا مولاي يا هارون الرشيد ، تعال وانظر فخراجنا يذهب لجيوب البيزنطية، أرجوك ارجع.)) وتحقق هذه الثنائية التناصية انعطافا حادا في التلقي حينما ينتقل القارئ من فضاء سياسي زاهر إلى دهاليز سياسية مظلمة ، ويتحول التلقي من محيط تاريخي خارجي إلى محيط سردي داخلي ، وبهذا تُحقق القصة غايتها الفكرية والثقافية .
وتتوالى عناقيد التناص في قصة ( مواسم الخروب ) ، فيستحضر القاص صورة مقابلة للصورة المشرقة السابقة تتمثل بشخصية أبي عبد الله الصغير (الشقي ) آخر ملوك الطوائف في الأندلس ( غرناطة ) الذي سلم مفاتيح القصر للملك (فرديناند) ملك الإسبان،كما يتجلى في قول القاص :(( في المنام رأيت (عبد الله ) أخر ملوك الطوائف يبكي اقتربت منه أمه تقف جواره تؤنبه قائلة : ابكي مثل النساء ، على ملك أضعته ( مواسم الخروب). إن اجتماع صورتين متناقضتين ( هارون الرشيد وعبد الله الصغير ) بوساطة التناص العنقودي يمنح آفاق الخطاب السردي أطيافا نفسيا متناقضة تتمثل بالكرامة والإهانة ، وبالنصر والهزيمة ،ويفضي هذا التناقض النفسي في التناص إلى مضاعفة يقظة المتلقي للتناقض والتفاوت بين ماضي العراق وحاضره .
إن تركيز القاص على استحضار الشخصية التاريخية أكثر من تركيزه على استحضار الحدث التناصي – على الرغم أن الشخصية لا تنفصم عن الحدث – يشير إلى أن الواقع السياسي العراقي يفتقر إلى شخصية قادرة على تحقيق مقتضيات المشروع الوطني ، وما شخصية هارون الرشيدة إلا أيقونة فكرية تضيء الأفق النفسي والفكري ، و شخصية عبد الله الصغير حالة مشابهة للواقع السياسي العراقي .

التناص السياسي
في قصة ( مواسم الخروب ) يصور القاص حالة من الاحتقان والاغتراب النفسي ، ويرصد انزياح بوصلة المسار الاجتماعي ، والتغيرات الجذرية التي حدثت أثناء غزو العراق وسقوط بغداد في قوله : ((بعدها حدث زلزال ضرب المدينة هاجت الناس حملوني إلى أكواخهم لم أكن سعيدا معهم يتحدثون طوال الليل عن سرقاتهم يسمونها ( حواسم ) )) (مواسم الخروب). وتختزل كلمة (حواسم ) بعدا سياسيا وآخر اجتماعي ؛أما البعد السياسي فهو بنية تناص مضمرة تحيل القارئ إلى تصريحات الرئيس العراقي ” صدام حسين ” حينما هدد الأمريكيين بمعركة الحواسم في بغداد . ثم أصبحت كلمة ” حواسم ” تطلق على عمليات النهب والسلب من القصور الرئاسية ومؤسسات الدولة . فالتناص في كلمة ( حواسم ) يُسقط ورقة التوت عن واقع سياسي واجتماعي مقيت …واقع تحول فيه الخطاب السياسي المقاوم إلى حالة من الفوضى والسرقات العلنية .ولا يخفى أن هذا الانعطاف الحاد ينطوي على نقد لحالة الانفلات الأمني ، وغياب الانتماء لمؤسسات الدولة لدي شريحة من الناس ، كما يتضمن سخرية مريرة من أولئك الذين يفاخرون بالسطو على ممتلكات الوطن ، وهي سخرية لا تنفصل عن الشعور بجلد الذات .

التناص الأسطوري
يستحضر القاص أسطورة (سميراميس ) في مستهل قصة (العجلة) بقوله :(( تذكرتني سميرا ميس البارحة أرسلت جندها في طلبي مضيت محاطا بالدرك صوت احتكاك أسلحتهم يدخل الرعب في قلبي حينما اقتربنا من باحة القصر ترجل قائد الفصيل اصطحبني إلى سيدته))( العجلة ) ويثير الاستحضار لشخصية سميراميس حزمة من تساؤلات تفتح آفاقا سياسية في الفضاء العراقي ؛ فهل أراد القاص إبراز الفجوة السياسية بين الفترة الزمنية التي حكمت فيها سميراميس العراق … تلك الفترة التي اتسمت بالحنكة السياسية والاستقرار الأمني والازدهار الحضاري ليقارن هذه الإشراقات في تاريخ العراق بالضباب السياسي والتوتر الأمني والتدهور الاجتماعي في واقع العراق ؟ سؤال مشروع في سياق الانعطاف الحاد في مسيرة الوطن.
ويبدو أن ” الحنين ” إلى أروقة الحضارة ،والعطش إلى رحيق التاريخ قد أتعب القاص وبخاصة أن الفجوة الحضارية بين عبق التاريخ الماضي ، وغبار الواقع السياسي الحاضر أكبر من الرغبات والأمنيات ، لذا عاد الخطاب السردي من التحليق في فضاءات الحضارة المزهرة إلى الهبوط إلى واقع السياسة المدمرة ، وقد تجلت هذه العودة بإسهاب القاص عن تفاصيل أسطورة سميراميس بقوله :(( في سالف الزمان وجدت بيضة ، كبيرة على شاطىء دجلة الشمالي يقال أنها سقطت من ( رخ ) مهاجر أقاويل أخرى تقول أنها هبطت من السماء ظلت سبع أعوام تنازع الأنواء يخافها الناس لأنها تصدر أصواتا مرعبة في ليلة سكنت فيها الريح وغاص القمر في المحاق تكسرت قشرة البيضة انبثق سائل احمر لزج غطى الساحل انتشر بين البساتين صبغ الجدران ملأت السماء صرخة عظيمة فقد ولدت سميراميس)) ( العجلة )
ويُبرز الحوار بين القاص وسميراميس إشكالية ثقافية تهدد الهُوية الوطنية والانتماء الحضاري ،فالملكة القادمة من مضارب الحضارة ترى في العربة ( العجلة) البدائية وسيلة ناجعة لإعادة جسد العراق الذي قطعه الاحتلال إلى أوصال عرقية وطائفية ، والسارد يرى أن عجلة سميراميس لا تُشفي جراح العراق ولا تُسمن ولا تغني من جوع في ظل التفوق التقني الذي استطاع ” الآخر ” من خلاله تغييب البوصلة الحضارية عن المسار الثقافي إلى حد ما . إن الحوار بين القاص وسميراميس يجسد تحديا بين أصالة تضرب جذورها في أرجاء الوطن ، ومعاصرة تسعى إلى قطع تلك الجذور .! وتنتصر الأصالة في خاتمة القصة حينما لا يجد القاص وسيلة “يصل ” فيها إلى بيته سوى عجلة سميراميس بقوله :(( من القصر إلى بيتنا مسافة تمتد فراسخ عديدة لا استطيع تحملها لجأت لاستعارة العربة كانت أفضل وسيلة للتنقل بعد ضياع معالم الطرق المعبدة فلم تعد هناك أسس للحضارة)). وعلى الرغم من الاعتقاد بأن الوصول الآمن إلى البيت أو إلى الوطن يقتضي الاعتماد على ” عربة الحضارة ” إلا أن القلق والحيرة لا يغادران المشهد الراهن الذي يضج بضوضاء المطارحات السياسية وأزيز الرصاص كما يتجلى في قوله : ((لكني عانيت من مشكلة وضع الحصان أمام العربة والتفكير الأجوف .. نريد الدنيا تدور على إطار بالي وصوت احتكاك الأسلحة يدخل الرعب في قلبي)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.