بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

ج٣ من رواية هناك في شيكاغو

1 min read

بقلم هناء عبيد – شيكاغو

أصبح رفيقي في جولتي حول الكتب الّتي كانت تعلو الطّاولات بترتيب وانتظام، نتشاطر الآراء حول الأدباء والكتّاب، شعرت كأنّني أعرفه منذ مدّة طويلة، هناك أناس يدخلون قلوبنا من أوّل لقاء دون أن نعلم سرّ ذلك، نشعر كأنّنا تبادلنا العديد من الأحاديث معهم، سرّني أن أرافقه إلى كلّ الأقسام، يبدو أنّنا نختلف قليلًا في ذائقة الكتب، كنت أبحث فقط عن الأعمال الأدبيّة العربيّة، وكان هو ينتقيها إضافة إلى الأعمال العالميّة، كان من السّهل جدًّا أن يحصل على نسخة لديوان محمود درويش الأخير من أيّ مكتبة، لكن لا أدري لماذا قمت باقتراح أن أعطيه الكتاب في الأسبوع التّالي، كأنّني خشيت أن ينقطع اتّصالي به، فوجدت من ذلك حجّة لأراه ثانية، أعطاني الموافقة، وتركني في دهشة، قبوله بالنّسبة لي يعني أنّه قد وجد الفرصة المناسبة للتّواصل معي، يبدو أنّه كان شعورًا متبادلًا بيننا من الرّاحة والطّمأنينة، أو هكذا أردت أن أقنع نفسي، نسيت في خضمّ كلامي معه البرد الّذي كان يقلقني، وينتظرني في الخارج، لم يتمّ تعارف دقيق بيننا، كلّ ما عرفت عنه أنّه يدرس في كليّة الهندسة المعماريّة، ولم تتجاوز معرفته عنّي سوى أنّني أدرس الفيزياء، تواعدنا أن نلتقي في كافتيريا الهندسة الأربعاء القادم لأعطيه الكتاب، غادرنا الصّالة، وذهب كلانا في طريقين مختلفتين، وجدت صعوبة باللّحاق بالباص حتّى أعود إلى مدينتي بسبب انهمار المطر الشّديد والرّيح الّتي عاكست مسيري، لم أشعر بطول المسافة إلى البيت هذا اليوم ككلّ مرّة، فقد ظلّ فكري شاردًا.
وصلت إلى البيت حوالي السّاعة الثّانية بعد الظّهر، كانت عائلتي بانتظاري في غرفة المعيشة الّتي أعشق، لون جدرانها البنّي الفاتح يبعث الدّفء في نفسي، لون اختارته والدتي، ليتناسب مع ألوان أثاث الغرفة البسيط المكوّن من أريكتين كبيرتين، ومقعد صغير، وجهاز تلفاز يجمعنا لمشاهدة أحد الأعمال الّتي نتّفق عليها في وقت فراغنا المشترك، وسجّادة تفترش الأرض واسعة المساحة، ألوانها تتكوّن من البنّي والبيج والبرتقاليّ بتشكيل يتناغم ويتناسب مع المقاعد ولون الجدار، زاد من عشقي لهذه الغرفة صور قبّة الصّخرة والمسجد الأقصى والقدس الّتي كانت تتربّع على جدرانها، كان والدي يجلس كعادته على الأريكة الكبيرة، يحمل الجريدة، ويلبس نظّارته الّتي تعطيه مظهرًا متقدّما في العمر، كم أمقت أن أرى والدي بتلك النظّارة، يدخل ذلك الهمّ إلى قلبي، كيف يمكن لعماد البيت وأساسه أن يصيبه الوهن، وينخره السّوس يومًا؟ وجوده بيننا يشعرني بالتّماسك والقوّة والثّقة، من الصّعب عليّ أن أتخيّل والدي أسير الضّعف في يوم ما، أو مصابًا بإعياء الشّيخوخة، كانت والدتي تجلس بجانبه، أمّا الأريكة الثّانية فقد احتلّتها نور، وهي الأريكة الّتي نتسابق للجلوس عليها، رائحة الكستناء المشويّة على المدفأة كانت تنبعث بقوّة في الجو، ما زلنا نحتفظ بتلك المدفأة الّتي تعمل بالسّولار، تمتدّ أنابيبها في بعض جدران المعيشة الجانبيّة، والدي يصرّ على الاحتفاظ بها رغم أنّ وجوهنا جميعا تلوّنت بسواد السّخام، حينما كان يحدث اختناقًا في أنابيبها، وتخرج حمولتها من ” الشّحاوير” في كلّ أركان الغرفة بما فيها وجوهنا، فنغرق في نوبة ضحك على منظرنا البهلوانيّ حينها،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *