بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

حوار – الأنثروبولوجي البحرينى عبدالله عبد الرحمن يتيم (2)

1 min read

حسين فهيم:- إن سؤالي عن إدراج مثل هذه المؤلفات في العملية التدريسية يُرد إلى دعوتي وحرصي ألا يقتصر تدريس مادة الأنثروبولوجيا الاجتماعية/ الثقافية على توجه نظري معين يحدده أساساً اهتمام أستاذ المادة وخلفيته الدراسية. أعتقد أنك تتفق معى في أن تنوع الأفكار وتعدد المناهج يسهمان ولاشك في إنارة الفكر وإطلاقه عبر آفاق جديدة ومبتكرة تتبلور في إطارها الأولويات البحثية وتتسق معها الاهتمامات المحلية لكل مجتمع. لقد اتسع تدريس هذه المادة بل أصبحت ضمن المتطلبات الجامعية الاختيارية لجميع التخصصات بالجامعات العربية بصفة عامة، فكيف ترى تدريس مادتها بما يتناسب مع أوضاع عالمنا المتغير والعولمي. ألا ترى أن هناك ضرورة الآن ونحن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقتضي التعديل، بالحذف أو الإضافة أو التركيز، في موضوعات منهج الدراسة بما يتناسب مع قضايا العصر عامة والأحداث ا لجارية في منطقتنا بصفة خاصة؟ يؤسفني أن تدريس هذه المادة في كثير من الجامعات الخليجية والمصرية، في حدود علمي، لا يزال تقليديا يتناول منهجه: نظم القرابة والزواج أو نظم المعتقدات والشعائر في المجتمعات القبلية، أو ما يصطلح على تسميته بالمجتمعات البدائية التي لم يعد لها وجود الآن. أعتقد أنك من أنصار التجديد وإبراز ما له صلة من مفاهيم ومناهج وموضوعات أنثروبولوجية في منهجك التدريسي بما يقدم الفهم، ويسهم في تفسير ما يجرى من أمور في حياتنا اليومية الحالية، عالمياً ومحليا. أتساءل هنا ما هي الموضوعات التي تراها ملحة الآن لأن تُدرج ضمن تدريس مادة الأنثروبولوجيا الاجتماعية /الثقافية، وهذا لا يعنى طبعاً إغفال تدريس الأساسيات المتعلقة بالمفاهيم والمناهج التي تميز هذا الفرع من المعرفة عن غيره من الدراسات أو العلوم المهتمة أيضاً بالمجتمع والثقافة؟!

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- حسناً فعلت، لقد كان استدراكك في الجزء الأخير من سؤالك أمراً على قدر كبير من الأهمية، خاصة وأن الأنثروبولوجيا، كتقليد علمي، أصبحت تتعرض لحملات عنيفة من النقد وجلد الذات الذي يمعن أتباع مدرسة ما بعد الحداثة في ممارسته، وقد انتهت تلك الانتقادات والدعوات إلى حد التنبؤ بعدم جدوى الإبقاء على الحقول الأربعة للأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية (علم الآثار – الأنثروبولوجيا الثقافية – الأنثروبولوجيا الفزيقية – أنثروبولوجيا اللغة)، بل إلى إلغاء الأنثروبولوجيا وإدماجها ضمن برامج الدراسات الثقافية، السريعة الانتشار هذه الأيام في المعاهد والجامعات الغربية. ما هو لزوم أو أهمية هذا الكلام؟ ربما أجد نفسي هنا مضطراً لتكرار كلام وآراء سبق وان أشرت إليها في حوارات ومناسبات أخرى. أولها ما يتصل بالظروف التاريخية الخاصة بمكانة الأنثروبولوجيا كعلم وحقل من حقول المعرفة الإنسانية، في الدوائر والأوساط الأكاديمية والثقافية العربية عامة، والتي أسست موقفاً سلبياً بصفة عامة وفي أحيانٍ كثيرة كان موقفاً عدائياً مهّد الطريق إليه، بالإضافة للسياقات التاريخية الخاصة بالأنثروبولوجيا، المستوى التقليدي المتسم بتخلف طرق ومناهج تدريس الأنثروبولوجيا في معظم الأكاديميات العربية، فضلاً عن المواقف العقائدية ذات التلاوين المتعددة التي استمدت مرجعيتها إما من المدارس الفكرية اليسارية الطابع، أو التيارات العقائدية القومية أو الدينية الممسكة بمفاصل الخطابات الفكرية الكبرى المهيمنة في معظم المجتمعات العربية. بالإضافة إلى انتشار كتابات، متفرقة إما بالعربية أو مترجماً إليها، خاصة تلك المنتمية إلى المدارس النقدية الحديثة في مجال الأدب. تلك بعض من الظروف والمسببات التي آلت بالأنثروبولوجيا إلى موقع دفاعي ضعيف لا تزال تعاني منه.
ثم لا ننسى أيضاً، أن الأنثروبولوجيا، بوصفها علماً وميداناً للمعرفة الإنسانية، لا تزال معظم نصوصها، أي تراثها ونصوصها الأنثروبولوجية والإثنوغرافية المسهمة في بروز وتطور نظرياتها ومدارسها الفكرية غير متوفرة بالعربية حتى الآن، ليس هذا فحسب وإنما حتى النصوص الأنثروبولوجية والإثنوغرافية التي أسهم في إنتاجها أنثروبولوجيون عرب لم ينشر معظمها حتى الآن، وذلك المنشور بلغات غير عربية لم تتم ترجتمه ونشره بالعربية بعد! السؤال الهام هنا هو: كيف نستطيع الحديث عن وضع مثالي أو معقول للأنثروبولوجيا كاختصاص علمي بالجامعات العربية، بل كيف نستطيع الحديث عن حذف أو تعديل أو إضافة في موضوعات منهج الدراسة بحيث يتناسب مع قضايا العصر والأحداث الجارية في العالم ومنطقتنا العربية؟
إنني أرى أنه لا بد من وجود جهد مؤسسي، تتعهدهُ المعاهد ومراكز الأبحاث ودور النشر التابعة لها، كي تقوم بنشر النتاج الأنثروبولوجي العربي، بالإضافة إلى إيجاد دوريات عربية أنثروبولوجية تسهم في نشر الدراسات والأبحاث، هذا إلى جانب تشجيع ودعم جهود تأسيس الجمعيات الأنثروبولوجية العربية والمؤتمرات العلمية وحلقات النقاش، وأعتقد أنه بتوفر تلك الظروف، أو بعض منها، نستطيع أن نستمع إلى إسهام عربي أنثروبولوجي، ليس في القضايا والخطابات الكبرى التي تهيمن على الساحات الفكرية في العالم، إنما طبيعة التناول والمنظورات التي يتم من خلالها التعاطي مع قضايا التاريخ والمجتمع والثقافة في المجتمعات العربية. أرى أن على الأنثروبولوجيين العرب، من العاملين في الأكاديميات العربية، أن يقوموا بممارسة نقدية موضوعية للواقع الذي تعيشه الأنثروبولوجيا في الجامعات العربية، أي من حيث مناهجها وطرق تدريسها. وأرى أن إصلاح البيت العربي للأنثروبولوجيا يشكل أمراً، بل وشرطاً حيوياً حتى نستطيع بعد ذلك الحديث بثقة، بل وإلحاح شديد، عن أهمية وضرورة الانفتاح على كافة حقول وميادين العلوم والمعارف الإنسانية. ولكي لا يظل هذا الانفتاح متردداً وهشاً، علينا إذاً أن نُعمّق الوعي بالأنثروبولوجيا، بتاريخها، ومناهجها، ونظرياتها، وإسهاماتها. علينا أن نقوم بكل ذلك ولكن برؤى نقدية متفتحة على جميع الأفكار والمدارس الفلسفية.
حسين فهيم:- بالنسبة لمسألة المثقفين العرب ودورهم أو أدوارهم، فقد قرأت في حوار نشر في المجلة العربية للعلوم الإنسانية التي تصدر بالكويت بعنوان (الثقافة العالمية والثقافات المحلية) رأياً يقول صاحبه (إن للمثقف دوراً مزدوجاً وخصوصاً للمثقف العربي، فهو يحاول أن يستقطب أكثر من تيار، فهناك التيار المحافظ الذي يرى ضرورة رفض العولمة، والتيار الغربي الذي يرى الاندفاع نحو العولمة، والتيار الوسط الذي لا يعرف ما يريد). ما رأيك في هذا التصنيف؟

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- أحسب أنني أدرك المراد تصويره في مقالة (الثقافة العالمية والثقافات المحلية)، أي مأزق المثقف العربي إزاء العولمة. لا أختلف كثيراً حول هذا التصنيف، على أنني أضيف أمراً آخر إليه وهو التلاوين المختلفة من الإرهاب الذي لم تعد السلطة هي التي تمارسه فقط، وإنما كذلك الإرهاب الذي تمارسه القوى السياسية بمختلف ألوانها، وهو إرهاب يمارس باسم، بل وبالنيابة عن العوام أو لنقل عن الشارع. وهناك إرهاب المثقفين لبعضهم، وعبر برامج وتحالفات بينية مع إرهاب السلطة وإرهاب الشارع، وعلينا أن نعود للعشرين سنة ا لماضية، أي منذ غزو إسرائيل للبنان 1982م، لنرى ممارسات هذه التلاوين المختلفة من الإرهاب، وما آلت إليه تلك الدروب المختلفة من الإرهاب من تأثير مهلك على دور المثقف العربي وتهميش دوره إلى الحدود الضيقة التي انتهى إليها، بل للمواقف الهشّة والهامشية التي انتهى إليها وضع المثقف العربي، إلى الدرجة التي أصبح الوقوف ايجابياً مع العولمة كما لو كان وقوفاً مع الأنظمة السياسية الغربية وليس الحضارة الغربية، وهكذا على المثقف العربي، خشية من الإرهاب هنا، أن يدين العولمة ففي إدانته لها إدانة للغرب وأنظمته. وهكذا الحال في الموقف من الثقافة المحلية، فالموقف إلي جانب الثقافة المحلية أصبح يعد في مثل هذه الحالة وقوفاً مع الشأن الوطني ضد العالمي، أي الغرب ا لجشع الظالم، الطاغي، الخ. فهل هناك تبسيطٌ وتجييرٌ للسياسة والأخلاق، على الحالة التي نحن بصددها؟ أرى أن على المثقف العربي أن يشارك زميله المثقف الغربي هاجس الدفاع عن قيمة إنسانية مطلقة مثل (الحرية) حتى يستطيع كل منهما الدفاع عن ما هو مشترك وإنساني في الثقافة والمجتمع البشري بصفة عامة، أي عن التعددية الثقافية والتنوع وعن التسامح والسلام، أي عن الحوار بين الحضارات، بمعنى آخر صياغة أولويات لدور المثقفين بعيداً عن المصالح السياسية الضيقة، والأهم الحد من ممارسة الإرهاب والترفع عنه، أي الإقرار هنا بوجودية (الفرد) و(الحرية) كقيمة وفضيلة مطلقة.

حسين فهيم:- تأخذنا هذه المسألة إلى موضوع يهم الأنثروبولوجيين خاصة وهو ما يتصل بالعولمة ومثال الثقافات المحلية، فهل ترى فيما يطلق عليه (بثقافة العولمة)، وهي أساساً غربية وأمريكية بالذات، تأثير ضار على الثقافات العربية المحلية والمحافظة عموماً؟ وبما أن العولمة الحديثة واقع محسوس، إذ نجد فعالياتها ممثلة في أوجه عديدة من حياتنا اليومية، فما هو رأيك بصدد الموقف الذي يتخذه المثقف العربي تجاهها؟
عبدالله عبد الرحمن يتيم:- أعتقد أن العولمة، أو (ثقافة العولمة) كما أشرت إليها أمراً لا يخص المثقفين وحدهم، فهي تجربة إنسانية معاشة منذ فجر الاتصال الثقافي بين كل الحضارات والمجتمعات، أما لماذا سميت اليوم بـ(العولمة) فهو أمر آخر. ذلك أن قصر العولمة على بنى وعلاقة القوى والسلطة على الصعيد الدولي حيث تمارس الولايات المتحدة الأمريكية كنظام سياسي التسلط المطلق على مجريات السياسة الدولية، وليس الثقافة والمجتمع الأمريكي التي نحن مدعوون للاتصال والحوار والاستفادة القصوى المتبادلة بين الثقافة والحضارة العربية ونظيرتها الأمريكية. وهنا، أرى أنه عوضاً عن رجم الأخيرة والنظر إليها كمصدر لكل ما هو سلبي ومنحط في الحضارة الإنسانية المعاشة، علينا نحن المثقفين العرب جميعاً أن نجد القواسم المشتركة ليس مع الحضارة والثقافة الأمريكية فحسب وإنما مع تلك التي في الغرب بصفة عامة والعالم أجمع. علينا أن ندرك أمراً هاماً هنا وهو أننا تاريخياً، أي كحضارة وثقافة عربية، كنا ولا نزال مسهمين أساسيين في المنجز الحضاري الإنساني، والذي تريد بعض القوى المحافظة في الغرب أن تصوره على أنه نتاج خاص بالإنسان الأبيض في الغرب وحده، وهذا ما تذهب إلى تأكيده وبجهالة شديدة بعض القوى العربية والإسلامية المحافظة وأخرى أيضا ليبرالية وربما علمانية عربية تبنت جمعيها موقف القطيعة مع العولمة باعتبارها نتاج للنظام السياسي الأمريكي أو النظم السياسية الغربية وحدها، وهكذا أصبحنا نجد الموقف من العولمة، كظاهرة عالمية، يمارس باعتباره قضية سياسية ليس إلا !!
حسين فهيم:- دعني أنتقل هنا إلى موضوع النشر والإعلام للثقافة العربية لأعبّر لك عن أسفي لقلة الاهتمام ومحدودية الجهد سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات في مصر والخليج لتعريف العالم بالثقافة العربية المعاصرة ومنتجها الفكري عامة والأدبي والفني خاصة من خلال الترجمة والنشر بلغات أجنبية. هذا بالرغم من الوعي بأهمية ذلك والحاجة إليه والتوصية به مرة تلو الأخرى. ولعلني أذكر هنا أنه في مايو عام 1998 م عَقَدَت الكويت ندوة عن واقع الترجمة في الوطن العربي، وتلتها القاهرة في يونيو من نفس العام بعقد مؤتمر دولي للترجمة ودورها في تفاعل الحضارة، وربما يكون هناك ندوات أو لقاءات أخرى ليس لديّ علم بها، الآن كيف يتم حوار بين الثقافات دون فتح نوافذ نطل منها وتتعرف هذه الثقافات على بعضها. إيران، يا أخي عبدالله، تصدر مجلة باللغة الإنجليزية تُـعرّف من خلالها العالم بفكرها وأبحاث دارسيها وأعمال كتابها، ولمدة ثمانية عشرة سنة الآن Journal of Iranian Research & Analysis)( خذ مثال آخر من الشرق الأقصى، فها هي كوريا تنشأ معهداً متخصصاً للترجمة ويصدر عنه مجلة دورية بعنوان (الأدب الكوري المعاصر)(Korean Literature Today) حيث تقدم فيها مختارات من أعمال شعرائها وكتابها وأدبائها عامة. أعتقد أنك لن تختلف معي في أن قوة أي بلد وعظمتها لا تقتصر فقط على التقدم الاقتصادي أو الهيمنة العسكرية وإنما تأتي من قوة نشر ثقافتها على العالم.
عبدالله عبد الرحمن يتيم:- لا جدال في أهمية وحيوية الترجمة من وإلى العربية سواء في حقل العلوم والمعارف الإنسانية أو الإبداع الفني والأدبي والثقافي بصفة عامة. إن مسئولية الأفراد، والمؤسسات خاصة، كبيرة في هذا الخصوص، وبرأيي ما هي إلا واحدة من الجهود التي يجب أن تلعب دوراً فعالاً في زعزعة وإزاحة الصورة النمطية للثقافة والإنسان العربي التي يراد تكريسها في الأوساط الثقافية والإعلامية الغربية. لو أخذنا جهود المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت والمجلس الأعلى للثقافة في مصر في حقل الترجمة إلى العربية سنرى أن هذا الجهد على الرغم من محدوديته إلا أن ما يتركه من أثر في ميدان التواصل الثقافي وتبادل المعارف مع بقية الثقافات والنتاجات العالمية أمر في غاية الأهمية. وإذا ما تصورنا وجود نشاط مشابه لمؤسسات عربية على شاكلة المجلسين في أقطار عربية أخرى، حيث لا تكتفي بالترجمة إلى العربية وإنما الترجمة منها أيضاً إلى لغات أوروبية وعالمية أخرى، آنذاك ستكون الصورة فعلاً مغايرة.
عليك، يا أخي العزيز، أن تتخيل فكرة قيام كل دولة عربية مثلاً بترجمة مختارات مما يصدر عنها وفي جميع المجالات باللغات الأخرى إلى العربية، إن ذلك برأيي يعد شرطاً أساسياً للحوار والتواصل مع الحضارات والثقافات الأخرى. أرى أنه عوضاً عن التسرع في إنشاء مشاريع مراكز ترجمة جديدة في بعض الدول العربية، أن يجري تبني ودعم مراكز ومعاهد علمية أو ثقافية قائمة أثبتت كفاءتها، كأن يدعم مركز أو كلية أو قسم أكاديمي عربي في إحدى الجامعات العربية المعروفة لإصدار دورية بالفرنسية مثلاً، وترجمة أعمال عربية في ميدان الأدب والثقافة والإبداع العربي المعاصر إليها. ألا ترى أنه لأمر محزنٌ أن تقوم بعض الدوريات في الغرب بهذه الجهود والمشاريع وحدها! لماذا لا تتوجه مشاريع دعم الثقافة العربية، كالتي يتم اعتمادها في الاجتماعات الدورية لمسئولي الثقافة العرب، لدعم جهود بعض الإصدارات العربية باللغات الأوروبية، كتلك التي شرعت الإصدار في أوروبا والقارة الأمريكية وأستراليا، خاصة وأن تلك المشاريع الجديدة لا تقع في دائرة الصراعات العربية- العربية التقليدية التي تشهدها الاجتماعات العربية على المستوى الرسمي. إن دعم مشروع قائم وناجح ثم الانتقال إلى مشروع آخر، أفضل بكثير من السعي لإنشاء مشاريع لا تمتلك من مقومات النجاح شيئاً يذكر، وأستطيع أن أضرب أمثلة كثيرة بل ومحبطة في هذا الخصوص وذلك من واقع الاجتماعات الثقافية العربية الرسمية.
دعني أختتم إجابتي هنا بإيراد هذا المثل، نحن نعلم جميعاً التأثير الهائل الذي أحدثته أعمال المفكر والناقد الفلسطيني-الأمريكي، إداورد سعيد كالـ(الإستشراق) و(الثقافة والإمبريالية) في الأوساط الثقافية والفكرية ليس في الغرب وحده وإنما في العالم بأسره. إنها ببساطة نتاج جهد بحثي جاد ورصين فرض على منتجها العودة إلى النصوص الإستشراقية في عمله الأول، أي (الإستشراق) وإلى النصوص الأدبية كالأعمال الروائية في العمل الثاني (الثقافة والإمبريالية)، ما مكن كاتبها، أي إداورد سعيد، من الوقوف على الإشكاليات الهامة لمنتجي الخطابات الاستشراقية والأعمال الروائية الكولونالية. السؤال هنا: إن المواقف العدائية للإستشراق مثلاً بين بعض المثقفين العرب، باختلاف مشاربهم، وباختلاف منطلقات تعاطفها مع كتابات إداورد سعيد، إنما هي مبنية على ما كُتب عن الإستشراق وليس على توافر نصوص الإستشراق بالعربية، حيث لا تزال معظم الأعمال الإستشراقية تلك غير مترجمة والبعض المتوافر إنما تم بترجمات غير دقيقة وموضوعية. ها هنا نحن إذن أمام واحدة من المشكلات العملية التي يسببها غياب الترجمة والتواصل، أي في خلق صور نمطية وإصدار استنتاجات نقدية لا تقيم وزناً للمعرفة العلمية الموضوعية.

حسين فهيم:- كما تعلم يا أخ عبدالله إن عصرنا الحالي عولمي، سريع التغير، بل وخطر للغاية خاصة بعد ما حدث بأمريكا في سبتمبر 2001م، وما نتج عنه عالمياً وفي منطقتنا خاصة من تداعيات حربية وسياسية ودينية، وما قد يحدث مستقبلاً من أمور جسام ونتائج خطرة على المستويين السياسي والاقتصادي خاصة، ألا ترى أن الحال الآن يستدعي إعادة نظر شاملة وأخذ خطوات عملية وفعالة من جانب المثقفين العرب عامة والأكاديميين خاصة ببذل مزيد من الجهد نحو إجراء دراسات أشمل وفهم أعمق للثقافة الغربية وخاصة الأمريكية. والغرب أيضا من جانبه، يبدو أنه أثبت جهله أو سوء فهمه لأمور كثيرة عن الثقافة العربية والإسلام، وقد أبرز ذلك إدوارد سعيد في عدة مقالات نشرتها مجلة The Nation الأمريكية خلال هذا العام.
عبدالله عبد الرحمن يتيم:- إنّ بشاعة ما حدث في 11 سبتمبر2001م وكل أشكال التداعيات الخطرة الناتجة عنه والتي قد تكون سبباً لكوارث إنسانية وصراعات لا حد لها، كان لابد من إجراء حوارٍ جديٍ في مسبباته، سواء لمعرفة الأسباب التي قادت إلى ارتكاب هذا العمل الإجرامي البشع والسياسات والظروف التي قادت إلى إنتاج ذلك النوع من القوى المتطرفة في الشرق لتنفيذ تلك العمليات، وهنا علينا أن نقف بجرأة وصراحة شديدة، أي نحن العرب أو أبناء المجتمعات الشرقية الإسلامية، للتعرف على الظروف والمسببات وربما أيضاً السياسات الخاطئة التي قادت إلى تهيئة الظروف لإنتاج مثل تلك القوى والتنظيمات الدينية المتطرفة. وأرى أن في عدم استمرار إجراء مثل هذه المراجعات التاريخية ستكون من نتائجها أعمال أخرى أكثر خطورة ومسببة لمزيد من الدمار والصراع مع بقية الأمم والثقافات. على صانعي السياسة والمثقفين العرب، ممن يعنيهم سيادة العدل والحرية والسلام في العالم، أن لا يواصلوا تأجيل مسئولية القيام بهذه المراجعة النقدية أكثر مما ينبغي، وأن لا يتركوا الآخرين ليقوموا بهذه المراجعة نيابة عنهم.
هناك أيضاً مراجعة نقدية تتساوى في أهميتها مع المراجعة العربية أو الإسلامية، تلك هي المراجعة الغربية، وهو أن الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، مسئولون عن استمرار قوى وتيارات فكرية وسياسية تتفاوت درجة معاداتها وتطرفها تجاه العرب والإسلام كمجتمع وثقافة، وهذه القوى ورموزها السياسية والفكرية أصبحت اليوم ممسكة، كما هو الحال في الإدارة الأمريكية الحالية، بمراكز صنع القرار السياسي ورسم السياسات الخارجية، وتتضح خطورة هذه القوى وسياساتها الخاطئة في الموقف غير العادل الذي تتخذه تجاه قضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. واستمرار جهالتها كقوى وأولئك الذين يصنعون القرار السياسي فيها، بأن هذه القضية بالذات هي ليست بقضية الفلسطينيين وحدهم، وإنما هي قضية مقدسة تستمد قدسيتها من المكانة الخاصة لفلسطين في العقيدة والوجدان العربي والإسلامي. والسياسة الأمريكية الخارجية ذهبت إلى حدود متمادية في تجاهل هذا الأمر، وذلك بالوقوف المطلق والمنحاز إلى صف قوى دينية متطرفة تمسك بنظام الحكم في إسرائيل وتمارس أكثر السياسات العنصرية والدينية تطرفاً في العالم. إن تصحيح هذه السياسات الخاطئة هي من مسئولية الغرب وقواه العادلة المحبة للحرية والعدل والسلام، ومن رموزها الثقافية والفكرية التي هي اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بممارسة دورها في النقد والتصدي لهذه القوى والتيارات اليمينية المتطرفة في الغرب عامة وأمريكا خاصة. وعلى المثقف العربي والقوى العربية المحبة للحرية والعدل والسلام أن تدعم هذه المحاولات وأن لا يكفوا عن مواصلة الحوار مع المثقفين الغربيين والأمريكيين ومساعدتهم في الشروع في هذه المراجعة، مثلما هم مطالبين بإجراء المراجعة النقدية والإصلاح اللازم، وأرى أن الصورة النمطية للإنسان العربي أو المسلم في الغرب، لن يتم تصحيحها بنشر الدراسات أو الأبحاث الجادة عنها، سواء من قبل الكتاب العرب أو الغربيين، وإنما أيضاً من خلال تصحيح الأوضاع العربية الخاطئة والسلبية، أي بإعادة الاعتبار لقيم الحرية والعدالة واحترام حقوق الفرد، والنظر إلى حريته كقيمة مطلقة.
من المؤكد أن الغرب يريد ثقافات ندية له في المستوى الاجتماعي والسياسي من الممارسة، وأرى أن هذا شرط عادل. هناك برامج وفلسفات إصلاح نادى بها العديد من المصلحين العرب منذ القرن التاسع عشر، وأرى أنه آن الأوان أن نلتفت إلى نداء آت هؤلاء المصلحين المتجهة نحو إصلاح أوضاعنا العربية والإسلامية. من المؤكد، يا أخي العزيز، إن إجراء دراسات أشمل وفهم أعمق للثقافة الغربية وخاصة الأمريكية أمر يعاني منه النشر العربي، إن ما ينشر في هذا الخصوص إذا ما كشفت عنه الأرقام والإحصائيات سيدل على مؤشر في غاية الخطورة، سنعلم جيداً حينها مدى انغلاق الثقافة والمجتمع العربي على ذاته. أنظر إلى الكم الهائل من الإصدارات التراثية العديدة التي تقوم دور النشر العربية دون كلل، بإصدارها، وإعادة إصدارها مرات ومرات متعددة، في مقابل ما يتم إصداره أو نشره في مجال دراسة المجتمع والثقافة في الغرب أو غيره من الثقافات والمجتمعات في العالم!!
– لعل أن يكون في موقعك بالجامعة تأثير في توجيه طلاب الدراسات العليا في مجال العلوم الاجتماعية عامة والأنثروبولوجيا خاصة بحكم تخصصك، نحو دراسة مجتمعات وثقافات البلاد الأجنبية التي يُوفدون اليها للدراسة، وهي غربية عامة. فلا معنى، في رأيي، أن يتوجه طالب عربي إلي أمريكا أو فرنسا حين يقضي بها عدة سنوات ليعد رسالة عن الأدب العربي أو سيرة طه حسين أو رفاعة الطهطاوي، ويعود بعد ذلك لا يعرف إلا القليل جداً عن ثقافة أو مجتمع البلد المضيف. يندر أن وجدت طالبا عربيا، وخاصة من منطقة الخليج، قد اهتم بدراسة الدستور الأمريكي أو الأدب الأمريكي أو النظام الاقتصادي الخ، في حين تجد الطلاب الأمريكيين، بل والوافدين من الشرق الأقصى، يدرسون القرى والمدن في منطقتنا ويُعدّون رسائل الدكتوراه عن الفن والموسيقى والسينما والأحزاب السياسية والطعام والأسرة والجنس والمرأة بل إلى حد دراسة علميات ختانها وتأثيرات ذلك. إننا في أشد الحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دراسة الآخر وفهمه من منظور منهجي ومعايشة وليس من خلال المقالات الصحفية أو انطباعات الزوار والسياح أو الحكم المسبق. آمل أن تتبنى هذه الدعوة وتُروّج لها وتنصح بها، دعوة دراسة وفهم الثقافات الأخرى، وهنا تبرز قيمة الأنثروبولوجيا الثقافية فهذا هو جوهر موضوعها وهدفها.
عبدالله عبد الرحمن يتيم:- أنت أعلم، يا دكتور فهيم، بأهمية وحيوية الأنثروبولوجيا بنظرياتها ومناهجها في الوقوف العلمي الدقيق على التكوين الإنساني والمعرفي للثقافات والمجتمعات، بل وأرى أنها الأكثر تأهيلاً من بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية في الوقوف على هذه الجوانب عن غيرها من فروع تلك العلوم. إنها رحلة البحث عن الآخر الثقافي والاجتماعي التي كانت ولا تزال تقود إلى اكتشاف الذات والأنا بصورة أكثر موضوعية وصدق. وهي مهمة أرى أنها يجب أن لا تقتصر على الأنثروبولوجيين وحدهم فقط، فهي أمرٌ مُدركٌ بشكل جيد هنا، بل وخطورة غيابه على استمرار الصور والذهنيات النمطية عن الغرب. ولكن أرى أن الأدهى والأمرّ يتمثّل في التجارب المريرة التي أنتجتها سياسة الإبتعاث للدراسة في الغرب أو غيرها من المجتمعات غير العربية، حيث يسبب انتشار الأفكار المحافظة بل والبعض منها المعادي للغرب، كثقافة ومجتمع، أن أوجدت في المدن الغربية مجتمعات عربية مغلقة أبوابها على نفسها، حيث تشكلت غيتوات، لا تريد من الغرب إلا الشهادة الجامعية فقط! لدينا الآن جيل من الجامعيين العرب لا يمتلك من تجربة العيش في الغرب سوى تخوم الغيتو وأسوار الجامعة التي درس فيها والجماعة الطلابية التي تحصّن بها خلال فترة وجوده في الغرب. ثم يعود كل هؤلاء ليكتشفوا جهالة تعاملنا مع الغرب، أو انتقاد العرب لعدم امتلاكهم للنفوذ الكافي كمواطنين في الغرب من أجل التأثير على صناعة القرار السياسي هناك، العائد سلباً أو إيجاباً على قضايانا العربية. وعادة ما يقارن تهافت هذا النفوذ الضعيف بقوة النفوذ الصهيوني في أمريكا. إذاً لتجاوز كل ذلك لابد من الحد من مواقف وسياسات انغلاق المجتمعات والثقافات العربية على نفسها، والعمل على خلق مجتمعات وأفراد منفتحين على العالم بثقافاته ومجتمعاته، وأن يمارسوا إصرارهم على مواصلة دور الشراكة الحضارية في صنع التراث الحضاري الإنساني مثلما كان نصيب أسلافهم في العصور الذهبية للحضارة العربية والإسلامية.

حسين فهيم: لقد أخذنا الحديث إلى موضوعات متفرقة ولكنها في واقع الأمر مترابطة، وكم كان بودي المزيد إلا أن مساحة النشر تقيدنا، ولكن الأمل على كل حال كبير في أن نواصل لفاءاتنا مستقبلا. وأود الآن أن أعبر عن عظيم شكري لشخصك العزيز لتيسير هذا اللقاء الفكري وتقديري لاستجاباتك لأطروحتي  فكما أسعد دائما بلقائي الشخصي معك، فأنا أستمتع أيضا بحوارنا الفكري متمنيا لك التوفيق في كل ما تصبو نفسك إلى تحقيقه في حياتك وفي عملك بالجامعة وخدمة المجتمع.

المصدر: أرنتروبوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.