بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

حوار مع الانثروبولوجي البحريني عبدالله عبد الرحمن يتيم (1)

1 min read

لقد سبق للكاتب والناقد البحريني محمد البنكي إجراء حوار معك تم نشره بعنوان (الأنثروبولوجيا في غربتها العربية والعالمية: حوار مع عبدالله يتيم)، ومع غزارة المادة في ذلك الحوار وأهمية ما جاء فيه من أفكار وأراء عن دراساتك الأنثروبولوجية وتوجهاتك الفكرية بصفة عامة، إلا أن للحوار هذه المرة أهميته، خاصة للموقع الثقافي الذي تحتله الآن، ولكونك أيضاً كاتباً وأستاذا جامعياً بالإضافة إلى تجربة رئاستك لمجلة (البحرين الثقافية) التي تعدُ في رأيي من أرقى المجلات العربية الدورية المتخصصة في شئون الثقافة والفكر.
دعني أدعوك في هذا الحوار للقيام سوياً بنزهة أنثروبولوجية ثقافية نتجاذب خلالها أطراف الحديث عن الشق الأكاديمي من عملك، وجانب الخدمة العامة في حياتك، وألا ننسى أيضاً أن نتطرق إلى ملامح توجّهك الفكري عامة وفلسفتك في تجربة أسلوب نشر الثقافة والعمل على إزدهارها في بلدك البحرين أساساً وعلى مستوى العالم العربي أيضاً. من هذا المنطلق، لنرى في البداية استفساراً أكاديمياً يتعلق باهتمامك بالمدرسة الأنثروبولوجية الفرنسية وخاصة كتابات كلود ليفى ستروس. لقد لفت نظري تعدد مقالاتك عن دراساته وتحرير كتاب عنه، أُعدّه شخصياً مصدراً عربياً هاماً لفكره ومواقف.

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- لقد أتممت، كما تعلم، دراساتي العليا حول بدو جبال الحجر (أهل الحيَر) في سلسلة جبال الحجر الغربي من الإمارات، وكانت أطروحتي حول التنظيم الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع (الحيَر)، وهي نتاج عملي الحقلي الإثنوغرافي بين أهل الحيَر خلال عامي 1987-1988 م. وعندما عدت إلى جامعتي، أي جامعة البحرين، بعد سنوات من الدراسة والتحصيل العلمي في بريطانيا، حيث أنهيت مناقشة أطروحتي بجامعة أدنبره في صيف عام 1991م، وجدت نفسي محاطاً بظروف ومسئوليات تختلف عن تلك التي كُنت أعيشها في بريطانيا: أولى تلك المسئوليات هي وضع الخطة والمنهج الدراسي الخاص بمقررات علم الأنثروبولوجيا، وكانت أول مقررات أنثروبولوجية تُدرّس بتاريخ جامعة البحرين، ولا أخفي عليك شعوري حينها بالغبطة والريادية، مما ضاعف بطبيعة الحال إحساسي بتحمل مسئولية كل ذلك، خاصة وأن تلك المقررات ستكون اختيارية، أي باستطاعة أي طالب بالجامعة أن يتقدم إليها، وهكذا كان الأمر.
عليّ أن أستدرك أمراً هاماً هنا: وهو وجودي بكلية الآداب بين مجموعة من الزملاء والأصدقاء ممن كانوا ينتمون، بحكم تأهيلهم الأكاديمي، إلى تخصصات متفرقة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، فكان هناك أساتذة في علم الاجتماع، والتاريخ، والجغرافيا، واللسانيات، وتاريخ الفن، والنقد الأدبي، والأدب الإنجليزي والأوروبي وغيره. وبخلاف الصراعات الأكاديمية التقليدية كالصراعات التي بين الأكاديميين أو بين الأقسام الأكاديمية في بعض الجامعات والمعاهد العلمية، سواء كانت العربية أو الأجنبية منها، كان زملائي وأصدقائي الأكاديميون، من تلك التخصصات، على درجة كبيرة من التفهم والاهتمام بالأنثروبولوجيا كعلم واختصاص أكاديمي، وبالروابط المعرفية المشتركة بين تلك العلوم من جهة والأنثروبولوجيا من جهة أخرى. وقد انعكست تلك الروح والتفهم الايجابي، بعد ذلك، على المكانة التي احتلتها مقررات الأنثروبولوجيا الاختيارية أولاً، وبعد ذلك على جهودي المشتركة معهم، ثانياً، في صياغة البرامج العلمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ولما أصبح بعد ذلك مشروع قسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب.
أما المسئولية الثانية، فكانت تتمثل في ا لمحيط الثقافي المحلي وإشكالية تلقيه للأنثروبولوجيا، فالمحيط الثقافي في البحرين، كانت تسوده مواقف تقليدية تتسم بعضها بالسلبية من الأنثروبولوجيا، على الرغم من وجود قلة من المهتمين من المثقفين والأكاديميين من المتتبعين لمسيرة وأطروحات الأنثروبولوجيا. وكانت مواقف هذا الفريق متباينة، فالبعض منهم واقعاً في أسر الكتابات النقدية التعسفية السائدة في بعض الأوساط النقدية العربية، التي كانت تنظر للأنثروبولوجيا باعتبارها واسطة ومَعبراً للخطابات الاستعمارية والتبشيرية الغربية، والبعض الآخر المتّسم بالانفتاح والإيجابية على الأنثروبولوجيا كان يرى في الأنثروبولوجيا نوعاً من الكتابة، أو ربما نوعاً من النقد التحليلي الأدبي، وربما الفلسفي النقدي للأساطير والفولكلور بصفة عامة، فالأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس، على سبيل المثال، كان يُنظر إليه هنا عند هذا الفريق، ليس بصفته أنثروبولوجياً بل ناقداً ومختصاً في الأساطير. وهناك أيضاً فريق من المهتمين، وله أيضاً امتداداته العربية، أصبح ينظر للأنثروبولوجيا كاختصاص يعاني من العجز والتقليدية والانقطاع عن دائرة الاهتمام بالمجتمعات الحديثة وثقافاتها المعاصرة. وقد شجع هذا الاعتقاد النتاج الأكاديمي العربي في مجال الأنثروبولوجيا المتميز بالقِدَم، خاصة الكتب الجامعية المؤلفة والمترجمة من قبل بعض الأكاديميين العرب، وكذلك تقليدية المقالات المنشورة في المجلات الأكاديمية العربية.
محاطاً بمثل تلك الظروف والتحديات، لا أعرف ربما أيضاً وعلى المستوى الذاتي المحض، وجدت نفسي مصاباً بحالة تشبّع بنوع من القراءة والكتابة الأنثروبولوجية استوجبتها سنوات الدراسة والعمل الحقلي الإثنوغرافي. لا أعرف ربما يكون هذا سبباً لم أدرك أهميته آنذاك، ولكن أجدني ملزماً بذكره هاهنا. كان الأمر يتطلب مني الزجّ بالأنثروبولوجيا، وبمستوى نقدي يليق بمكانة العلم، في دائرة تقاطعات تلتقي فيها خطابات ثقافية ونقدية عربية، لا تعنى بما هو سائد في الدوائر الأكاديمية والأسوار الجامعية العربية فقط. كنت أجد أن من المتعين على الأنثروبولوجيين أن يتوجهوا إلى هذا المحيط ويسهموا في سجالاته، مدركين أهمية الدور الذي من الممكن أن يلعبه التراث الأنثروبولوجي، بالاشتراك مع بقية العلوم، في إعادة صياغة عدد من المفاهيم والنظريات السائدة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية. كما أنني وجدت نفسي، أيضاً، مدفوعاً آنذاك بوجود إصدارات أنثروبولوجية أوروبية جديدة، كان من بينها الحوار الذي نشرته دار نشر جامعة شيكاغو، مترجماً عن الفرنسية، وهو حوار أجراه ديديه أريبون مع كلود ليفي ستروس. لقد أطلق لديّ هذا الكتاب مشروع إعادة قراءة ليفي ستروس وتقديمه كنموذج للمدرسة الفرنسية في الأنثروبولوجيا، فقمت بنشر مراجعة للكتاب وترجمة بعض من فصوله إلى العربية ونشرها، وتوالى معها نشري لدراستين: الأولى كانت عن نظرية القرابة لدى ليفي ستروس والأخرى كانت عن التلقي العربي لليفي سترس بصفته أنثروبولوجياً، وكذلك مقالات أخرى تناولت جوانب سيرية وبيوغرافية، ولم أقصر عمليات النشر تلك على المجلات الأكاديمية المتخصصة والمحدودة التداول في الأوساط الثقافية، بل سعيت للنشر في المجلات الثقافية العامة والملاحق الثقافية للصحف. لذا أشعر الآن وبعد مرور عددٍ من السنوات على تلك التجربة أن تسويق الأفكار وترويجها يتطلب أحياناً إتباع استراتيجات متباينة، أرى أن من بينها وربما أكثرها أهمية عدم الركون إلى النشر الأكاديمي وحده، خاصة العربي منه، إذ يُعاني النشر الأكاديمي العربي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية من مستويات ضيقة ومتدنية من فرص النشر لا تليق بالباحث العربي.
بعد ذلك، أي بانتقالي للبحث في موضوعات أخرى، حاولت أن أختم تجربتي تلك، بإعادة قراءة ليفى ستروس عربياً، عبر نشر مؤلف خاص ضمنته معظم ما قمت بنشره وترجمته إلى العربية، والكتاب الآن قد أعيد نشره في طبعة ثانية، أتذكر واحداً من الأمور التي وجدتها هامة أو ربما سبباً للكتابة والنشر عن المدرسة الفرنسية، و هو طغيان المدارس والتراث الأنثروبولوجي الأنكلوساكسوني على الأنثروبولوجيين وكذلك أكاديمياتهم العربية التي ينتمون إليها، وكان الأمر يتطلب، ولا يزال، لفت الأنظار إلى تجارب أخرى في عالم لا تقل أهميتهُ عن تلك المدارس، كالمدرسة الفرنسية مثلاً. لقد كنت أشعر بجمود ورتابة دروس المحاضرات في الأكاديميات العربية عن إسهامات الأنثروبولوجيين البريطانيين، خاصة في مجال تقليدي بالنسبة للأنثروبولوجيين مثل القرابة، وكان لابد لمتلقي العلم من الطلاب العرب من استثمار الفرصة لسماع كيف تلقى أنثروبولوجيون آخرون، من أوروبا مثلاً، تلك النظريات وأعادوا صياغتها بالنقد والتحليل، وهكذا كان نصيب ليفي ستروس، وهكذا كان نصيبي معه.

حسين فهيم: – كيف كان الأمر بالنسبة لك عند انتقالك من العمل الأكاديمي إلى إدارة العمل الثقافي بوزارة الإعلام؟

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- كان ذلك تحدٍ ثالث، أي كيف يستطيع الأنثروبولوجي أن يضع خبرته في إدارة العمل الثقافي عبر مؤسسة حكومية مثل وزارة الإعلام وفي دولة عربية مثل البحرين، مليئة بالجلبة الثقافية والفكرية والتطلعات الثقافية للمبدعين، بأطيافهم، وللمسئولين بالدولة. لقد كنت محظوظاً في هذا الجانب، إذ إنني أتيت إلى مسئوليتي الجديدة( وكيلاً مساعداً للثقافة والتراث الوطني – أميناً عاماً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – رئيساً لتحرير مجلة المجلس: البحرين الثقافية) ومعي عدتي الأنثروبولوجية، وكذلك خبرتي الحقلية الإثنوغرافية والأكاديمية التي لعبت دور المحفّز لي للبحث عن الواقع خارج إطار العمل المكتبي اليومي، والسعي إلى إقامة شبكة واسعة ومتجددة من العلاقات مع من يمكن أن نسميهم أنثروبولوجياً بمنتجي الثقافة الرفيعة والأخرى الشعبية، وكان لابد من النظر إلى كل ذلك كجزء هام من الثقافة الوطنية الواجب رعايتها والسعي إلى تطويرها وتقديم كل سبل الدعم الممكنة لها. وعليّ أن أستدرك شيئاً هاماً هنا، وهو تطابق رؤيتي في النهوض بالثقافة والعمل الثقافي مع رؤية وزير الإعلام آنذاك، محمد ابراهيم المطوع، وهو شخصية مبدعة ورفيعة الثقافة، كان وجوده على رأس المؤسسة مصدراً لإضافة أجواء من المتعة والحميمية في العمل.وكانت تلك الرؤية مبنية على دعم ورعاية الإبداع الثقافي، الرفيع والشعبي، وبكافة أشكاله، ولكن دون الدخول كطرف رسمي، أي مؤسسة ثقافية رسمية، منافساً له، وكذلك الحد من أي نوازع واتجاهات تسلطية على دور المؤسسات الثقافية في المجتمع المدني، والكف عن هواجس صناعة وإنتاج الثقافة عبر المؤسسة الرسمية فقط، وتحويل الآخرين إلى متلقين للثقافة.
كانت الحاجة ملحّة، ولا تزال، لزيادة رقعة متذوقي الإبداع الثقافي والفني، كماً ونوعاً. وهو أمرٌ أصبح اليوم يتزامن بطبيعة الحال مع كل التحولات السياسية التي تشهدها البحرين، حيث لابد من إعادة توازن يحفظ للثقافة مكانتها كغذاء روحي يعزز مقومات المجتمع المدني ومساره نحو الحرية والانفتاح والتنوع والتسامح الثقافي. على المستوى الإداري اليومي، كان يوجد معي فريق عمل متنوع الخبرات والاختصاصات المهنية، فهناك باحثو آثار، ومعماريون، ومتحفيون، وموسيقيون، وفنانون تشكيليون، ومسرحيون، ومبدعون في المجال الأدبي، وكفاءات إدارية على درجة كبيرة من الإبتكارية والحب للعمل الثقافي. لقد نما هذا الفريق عبر تجارب الانفتاح على المشكلات اليومية لإدارة العمل الثقافي، وكان للانفتاح على كافة أشكال المبدعين في المجتمع البحريني، وخارجه، الدور الأهم والأبرز، إذ عبر أولئك المبدعين من أبناء الثقافة الرفيعة والشعبية، استطعت، والفريق العامل معي، من تحقيق ما أحسبه نجاحاً في مجال الانفتاح الحقيقي على الثقافة وعلى المجتمع بفئاته المتعددة والمتنوعة، بعيداً عن التقوقع في الدوائر الثقافية التقليدية ومشكلاتها وصراعاتها الفئوية.
أنثروبولوجياً، كنت أُعّول كثيراً على أهمية موارد الثقافة العربية ومخزونها المتنوع والمتعدد، وعلى شبكة العلاقات التي كنت أمتلكها، ولا أزال، مع بعض من رموز الثقافة العربية، وخاصة المبدعين منهم في مجال إدارة العمل الثقافي في الوطن العربي، أو من العاملين منهم في المنظمات الدولية كاليونسكو وغيرها، وكذلك زملائي من الأوروبيين. وأخيراً كنت أراهن أيضاً على شبكة علاقاتي مع أصدقائي وزملائي الأنثروبولوجيين العرب، حيث سعيت عبر ذلك إلى تطوير مواسم ثقافية متنوعة، بحيث يتاح المجال خلالها للبحرينيين وللمقيمين بمملكة البحرين وللمبدعين العرب والأجانب من الأوروبيين والآسيويين، الفرصة لتبادل المعرفة الإبداعية في مجال الفنون والموسيقى والآداب وغيرها.

حسين فهيم:- وماذا بالنسبة لرئاستك لمجلة (البحرين الثقافية)، هل لك أن توضح للقارئ كيف أثرت دراساتك الأكاديمية ومنجهك الأنثروبولوجي الثقافي في بلورة فلسفة وموضوعات المجلة؟

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- فيما يخص المجلة التي كانت تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أي (البحرين الثقافية)، فكان لنصيب الحرية التي تُركت لي في إدارة العمل الثقافي بالوزارة، الدور الذي عزز مكانة المجلة كنافذة للثقافة العربية في البحرين المنفتحة، والمصّرة على لعب دور فاعل في الحوار الفكري مع الثقافة العربية الأم برموزها الفكرية ومبدعيها. لقد كان عليّ مسئولية كبيرة متمثلة في إحداث تطوير ونقلة نوعية، شكلاً ومضموناً، ومن الزاوية التي أعاين منها التجربة اليوم بوسعي الإفضاء بحقيقة وهي أن القدر الذي تحقق للمجلة لا يعود لي وحدي فهو يعود أيضاً لكفاءة الفريق الذي عمل معي في هيئة التحرير، كتّاباً ومحررين وفنانين ومصممين، وزملاء وأصدقاء من كتاب بحرينيين وعرب، جمعتني وإياهم زمالات وصداقات تُشكّل بالنسبة لي مصدر اعتزاز خاص، وقد أتاحوا لي جميعاً الفرصة للتعلم ورصد متغيرات وحركية الثقافة العربية. وكان لاشك للأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين، زملاء وأصدقاء، نصيب في مشروع رئاستي لتحرير مجلة البحرين الثقافية والتي امتدت منذ العدد 8، أبريل 1996م وحتى العدد 23 أبريل 2002م. حاولت أن أفتح هناك نافذة أخرى صغيرة تطل من خلالها الأنثروبولوجيا على الثقافة العربية وتتفاعل معها، ولعل المتصفح لأعداد المجلة المذكورة سوف يلمح كيف تشكلت شخصية المجلة لتستقر على ما كانت عليه. ولعل قائمة الشخصيات البحرينية والعربية التي أُجريت معها حوارات سيرية وفكرية وثقافية مطولة، أو بعض الملفات الخاصة التي أعدت عنها، أو عن جوانب أخرى متعددة من الثقافة العربية، وهي في الجملة تعكس المكانة التي كنت أريدها للمجلة.

أنثروبولوجياً، كان يعنيني ذلك إلى درجة كبيرة، وكنت أعتقد أنه لابد أن تتاح أمام الكتابات الأنثروبولوجية العربية الطليعية الفرصة والهامش المناسب لإيصال رؤاها الجديدة وملامساتها الحديثة للمجتمعات والثقافة العربية. كنت أجد في المجتمع البحريني، وثقافته، تنوعاً على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الأنثروبولوجية، هذا التنوع الثقافي، برأيي، أوجد تاريخياً انفتاحاً على مجتمعات وثقافات مجاورة وبعيدة، وقد كان للطبيعة البحرية للبحرين الدور الأبرز في تكريس خيار الانفتاح، وكنت أرى في هذا التنوع والانفتاح المجال الرحب الذي برزت خلاله، ولا تزال، تقاطعات ثقافية متعددة، نتج عنها تجارب فردية وجماعية بين البحرينيين وبين أبناء المجتمعات والثقافات العربية والآسيوية المجاورة التي جعلت من البحرين وطناً لها، في مجال اكتساب خبرات تجديد الإنتماء للثقافة العربية الأم، وكان ذلك جلياً في خبرات مثقفي البحرين الذي ذهبوا في بعثات تعليمية لمراكز الثقافة العربية مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، الأمر الذي عزّز الإطار العام للهوية العربية والانتماء القومي كمرجعية أساسية، يجاورها في الآن نفسه عددٌ من الهويات غير العربية التي شهدتها البحرين خلال القرون الثلاثة الماضية. كانت الخبرة التاريخية والثقافية، أي عبر تلك القرون الثلاثة الأخيرة، السبب وراء الانصهار التدريجي لتلك الهويات المتعددة في وعاء الهوية الأم للثقافة في البحرين، وهي الثقافة العربية. ولعل التحولات السياسية الأخيرة في البحرين ومشروع الإصلاح السياسي، والانفتاح، والتسامح الثقافي والاجتماعي المبني على مبدأ الحرية، واحترام المواطنة الحرة، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز وبغض النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الإثنية، نتاجاً لكل تلك التفاعلات والتقاطعات الثقافية. لقد وجدت في مجلة البحرين الثقافية الواسطة الأنثروبولوجية، رن صح لي التعبير، لنقل بعض من تلك المشاهد على صفحاتها. كانت بعض من محاولاتي تتمثل في الزج ببعض الرموز والأسماء البحرينية على صفحات المجلة من خلال حوارات سيرية معمقة معها من شأنها أن تكشف عن تلك التقاطعات الثقافية التي عاشتها وخبرتها، هذا بالطبع فضلاً عن مقالات وحوارات سيرية مع شخصيات عربية، أو غيرها، قادتها تجربة التقاطعات الثقافية التي تعيشها في البحرين إلى إعادة إنتاج هوياتها وكذلك الهوية الثقافية العربية.

لقد تم توسيع دائرة الاهتمام هذه على صعيد الملفات التي كانت تعد للمجلة، فإلى جانب تلك التي تخص جوانب من حركة الإبداع الثقافي على المستوى الأدبي والفني لكتاب ومبدعين بحرينيين وعرب، سعيت أن أعطى بعض المحاولات الأنثروبولوجية المجال للإفصاح عن رؤاها للثقافة العربية، فقمت شخصياً بإعداد ملف خاص عن الأنثروبولوجي والفيلسوف البريطاني إرنست غيلنر، باعتباره أحد تجارب التقاطعات بين الثقافة العربية والثقافة الغربية وملف آخر عن إسهامات الأنثروبولوجيا الغربية، خاصة الفرنسية والأمريكية، في دراسة الثقافة والمجتمع في اليمن، إلى جانب سلسلة من المقالات التي نشرت لزملاء أنثروبولوجيين ساهموا كمحاضرين في برنامج الموسم الثقافي لمتحف البحرين الوطني، أذكر منهم على سبيل المثال: شخصكم وزملاء أخرين مثل سليمان خلف، بكر باقادر، قيس النوري، وجان لمبيرت، وقد تطرق جميعهم إلى جوانب على درجة من الأهمية فيما يتصل بالثقافة والمجتمع العربي المعاصر.

حسين فهيم:- إلى جانب كلود ليفي ستروس، أعلم أن لك مقالات عنيت فيها بترجمة حوارات كانت قد أجريت مع بعض مشاهير الأنثروبولوجيا من خارج فرنسا، فهل تطلع القارئ على هؤلاء، وسبب اختيارك لهم، والهدف من وراء جمع هذه الحوارات في كتاب صدر لك مؤخراً بعنوان (دفاتر أنثروبولوجية: سير وحوارات)، وهل ترى في هذا العمل جزءاً من العملية التدريسية؟

عبدالله عبد الرحمن يتيم:- كما تعلم، كانت لي تجربة في الاقتراب من الأفكار والنظريات، وكذلك أصحابها. تتمثل تلك التجربة في محاولة الاقتراب من الشخصية التي تقف وراء إنتاج الأفكار والنظريات، وذلك من خلال الوقوف على الجوانب السيرية والسياقات المختلفة التي تقف أحياناً وراء صناعة وإنتاج الأفكار والنظريات. أذكر جيداً عندما كنت طالباً بجامعة الكويت، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي،الدور الذي لعبته المجلدات الثلاثة للمؤرخ الفرنسي أوغست كورنو عن حياة كارل ماركس وفرديدرك إنجلز وسيرتهما الفكرية والاجتماعية في الاقتراب بموضوعية شديدة من نظريات ماركس آنذاك. لقد جردت مجلدات أوغست كورنو ماركس وإنجلز من الهالة الكبيرة التي كانت تحيطهما والحالة الأسطورية التي صنعت لهما ومن حولهما. لذا وجدت نفسي أكثر استيعاباً للأعمال التي أنتجها ماركس وإنجلز بل وشروط إنتاجهما، والسياقات الشخصية والعامة التي كانت تقف وراء إنتاج تلك الأعمال. لقد أعانتني تلك التجربة في الاقتراب الموضوعي من الأفكار والنظريات بصفة عامة، بل وأحياناً في اكتشاف مكامن القوة والضعف في الإطروحات النظرية والفكرية التي عادة ما يكون لها الدور الأبرز في صناعة ما يمكن أن نطلق عليه في العلوم بالقضايا الكبرى. وأذكر جيداً أن تلك التجربة قد أعانتني في محاولة أخرى مع مفكر فرنسي شغل كثيراً المثقفين والمفكرين بنظرياته وإطروحاته الفلسفية، وهو المفكر الفرنسي ميشيل فوكو. فبعد مطالعتي لأهم أعماله، مثل: أركيولوجيا المعرفة، نظام الأشياء، الجنون والحضارة، الانضباط والعقاب، جاء الكاتب الفرنسي ديديه أريبون بكتابه عن سيرة فوكو الذاتية والفكرية. وأستطيع أن أقول إن كتاب أريبون (ميشيل فوكو) قد استطاع أن يفكّ لي عدداً غير قليل من الرموز والمناطق الرمادية من أفكار فوكو، وقد كانت أموراً سياقية على درجة كبيرة من الأهمية وربما تكون السبب الذاتي، وليس ما كان معتقداً بأنه الموضوعي، وراء قيام فوكو بإنتاج تلك الأطروحة أو الأخرى وليس غيرها.
ثم حصل تطور آخر مهم في اهتماماتي الفكرية، خاصة خلال الثمانينيات من القرن الماضي، مما ضاعف ما يمكن أن أُطلق عليه هنا طريقة تناولي للأفكار، وهو تنامي الاهتمام في الأوساط الأنثروبولوجية الطليعية برموز مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة، خاصة ميشيل فوكو، وكلود ليفي ستروس، جاك دريدا، إداورد سعيد، وجاك لاكان، ورولان بارت وغيرهم. وقد بدأ تأثير هذه الأسماء يمتد عبر رؤاها الفلسفية ونظرياتها في النقد والنقد الأدبي، ليس في التأثير على النظريات والأفكار الأنثروبولوجية فحسب، وإنما إلى حقول معرفية واسعة ومتعددة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتزامن مع هذا التأثير لفلاسفة ومفكري ما بعد الحداثة، بروز محاولات جادة لباحثين أنثروبولوجيين تأثروا بنتاج مدرسة ما بعد الحداثة في مجال دراسة تاريخ الأنثروبولوجيا وتحليل السياقات المتسببة في بروز بعض المدارس الأنثروبولوجية. وكان التفوق في هذا النتاج على درجة كبيرة من الأهمية خاصة في مجال التحليل النقدي المترتب عن استخدام أدوات تحليل ونقد النصوص الأدبية للأعمال الإثنوغرافية لمالينوفسكي، وإيفانز بريتشارد، وفرانز بواز، وغيرهم. فكان لكتابات هؤلاء الأنثروبولوجيين، المتميزة برؤاها النقدية، الدور الهام في ترسيخ التعامل مع الأنثروبولوجي بوصفه كاتباً ومع الإثنوغرافيا بوصفها نصاً. وهكذا بدأت مرحلة أجدها على قدر كبير من الأّهمية في تاريخ الفكر الأنثروبولوجي، فقد دفعت تلك السنوات، أي الثمانينات، عدداً متزايداً من الأنثروبولوجيين للتعامل مع تاريخ الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين بكفاءة نقدية، دفعت بهم إلى الوقوف الموضوعي على ما ادّعته تلك النصوص الإثنوغرافية لنفسها من صفات كالموضوعية والحيادية، وتغييب الذات. وكان الإغراء كبيراً مما دفع كبريات الدوريات الأنثروبولوجية لإجراء حوارات سيرية بالغة الأهمية حول حياة وأفكار عددٍ من الأنثروبولوجيين، وكان أثر تلك الحوارات كبيراً في الأوساط النقدية الأنثروبولوجية، مما أدى إلى تمكينها من الوقوف على تاريخ تلك الأفكار ورموزها الأنثروبولوجية. على المستوى الشخصي لعبت تلك السير الذاتية والحوارات السيرية والكتابات الأنثروبولوجية التي أشرت إليها قبل قليل، دوراً كبيراً ليس في استيعابي الأفضل لتلك الأفكار والإطروحات النظرية، سواء الفلسفية منها أو الأنثروبولوجية، وإنما لبلورتها لآفاقي الفكرية بشكل واسع ونقدي.
أعود إلى بعض مما ذكرته في سياق حديثي عند الإجابة على الأسئلة السابقة المتعلقة بإشكاليات نشر الوعي في الأوساط الثقافية الخاصة والعامة بالأنثروبولوجيا، وتقديم الأسماء المعروفة والبارزة في حقل الأنثروبولوجيا بصورة مباشرة، متحدثة عن حياتها وأفكارها وبأكبر قدر من الإنسانية وبعيداً عن الأبوية والتعالي غير المبرر. لقد حفزني جداً التجاوب الذي أحدثهُ نشر تجارب الحوارات الأولى وبعض الكتابات السيرية الخاصة التي بدأت بنشرها خلال النصف الأول من التسعينيات في الصحافة والمجلات الثقافية في البحرين والخليج ومناطق عربية أخرى متفرقة، هكذا بدأت أشعر أن بعض الأسماء الأنثروبولوجية شرعت تخلق من حولها حالة اهتمام واكتشاف، وربما إعادة اكتشاف، لبعض مما هو سائد في الأوساط الثقافية العربية من صور نمطية عن الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين. لقد بدأت بعض الأسماء، التي قمت بالكتابة النقدية والسيرية عنها وترجمة بعض من الحوارات معها إلى العربية، في لفت الأنظار، خاصة أسماء مثل: كلود ليفي ستروس، وإرنست غيلنر، وريموند فيرث، كليفرد غيرتز، وكان لتزامن ظهور ترجمات عربية لأعمال بعض من هؤلاء الأنثروبولوجيين، مثل كلود ليفي ستروس، وكليفرد غيرتز، وإرنست غيلنر، دورٌ في خلق صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية السائدة.
في سنوات نشري لتلك المقالات والترجمات، كان زملائي الأكاديميون وبعض من أصدقائي المقربين يقدمون، ما كانوا يعتقدونه نصيحة صادقة، وهو ضرورة توجهي لنشر أبحاث محكّمة أكاديمياً، وفي دوريات جامعية معتمدة حساباً للمستقبل وللترقية الأكاديمية عندما تحين الفرصة.كان البعض منهم ينظر لكتاباتي تلك على أنها مضيعة للوقت، والنظر إليها على أنها أمر يختص به الكتابُ والنقاد والمشتغلون بالثقافة والأدب بصفة عامة، وليس الأكاديميين. على أنني كنت، ولا أزال، أتعامل مع نفسي بصفتي كاتباً في الأساس، وأبحث عن الموضوعات وأقوم باختيارها بما يلائم اهتماماتي ومزاجي العام وعلاقتي الحميمة بالموضوع. والأمر ينطبق كذلك وبصورة أكثر جدية على اختياري لنصوص معينة للترجمة إلى العربية. وأحسب أن ما قمت بترجمته إلى العربية، حتى الآن، ما هو إلا نتاج حميمية خاصة في علاقتي بتلك النصوص.
كنت أرى أن أسماء تمثل مدارس أنثروبولوجية مختلفة، كالمدرسة الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية، لابد وأن تُقّدم وتُعّرف بشكل متزامن مع توفر نصوصها الأنثروبولوجية والقراءات النقدية لها. وكنت أتطلع، ولا أزال، إلى أن تحقق ترجمة الأعمال الأنثروبولوجية والإثنوغرافية البارزة لهؤلاء وغيرهم من الأنثروبولوجيين المعروفين. على أنني عندما شرعت في جمع تلك الحوارات وإعدادها للنشر وجدت أنه من المناسب أن يشتمل هذا الكتاب على أمرين مهمين: الأول، وكان يتمثل في تقديم تلك الرموز الأنثروبولوجية بصورة سيرية ونقدية، وهكذا قمت بتضمين الكتاب باباً خاصاً اشتمل على مقالاتي المنشورة عن تلك الأسماء، أما الأمر الثاني، فهو تضميني الكتاب لحوارات أخرى قد تم إنجازها مع أنثروبولوجيين عربيين معروفين، هما: أحمد أبو زيد وحسين فهيم، ولمعرفتي الشخصية بهما وقربي من أعمالهما، قمت بإعداد حواراتهما بصورة أكثر توثيقية عند نشرها في كتابي (دفاتر أنثروبولوجية: سير وحوارات).
أعود إلى الجزء الأخير من سؤالك: هل أرى في كتابي (دفاتر أنثروبولوجية) ما يمكن أن نحسبه جزءاً من العملية التدريسية. حسناً، المشروع هنا في أصله الأول لم يكن يهدف إلى إيجاد مادة أنثروبولوجية علمية مناسبة تكون ذات نفع وفائدة في العملية التعليمية الجامعية. أما وقد تم الاستفادة من المقالات المنشورة والحوارات المترجمة، كما بلغني من بعض الزملاء من الأنثروبولوجيين العرب، فقد كان ذلك حافز لي لنشر كل تلك المقالات والحوارات في (دفاتر أنثروبوولوجية). والآن، وبعد مرور بعض الوقت على نشري لها، سأرى فائدة كل ذلك والكتاب، بصورته الحالية، بين أيدي طلابي بجامعة البحرين.

المصدر: أرنتروبوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.