حول ”سبع رسائل إلى صالح بن طريف” لشعيب حليفي: تسريد التاريخ المنسي بالمغرب

بقلم سعيد غصّان

منذ روايته الأولى، وشعيب حليفي ينوّع في أساليب سرد رواية واحدة بطرق مختلفة، وكأن ما أنجزه وما ينجزه هو بحث خيالي عن روح ضائعة داخل فضاء واحد اسمه “الشاوية”، أرض الفلاحين والشمس والليل، أرض حرثها إبداعا وبحثا ليقترب من ذاكرتها، فينعشها ويحاورها ثم يرويها.

في كتابه الأخير” سبع رسائل إلى صالح بن طريف”، يُخيّل إلى كل متتبع لكتابات وأنشطة شعيب حليفي أنه كان يرتب لهذا الكتاب منذ سنوات طويلة، وتركه غفلا من التجنيس بشكل قصدي.

الكتاب سرد يبني صورة مغايرة لإمارة برغواطة والتي دامت أربعة قرون ببلاد تامسنا من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الحادي عشر، يفنّد كل التهم والأكاذيب التي تم إلصاقها بأول إمارة إسلامية بالمغرب، وبملوكها وسكانها.

ينقسم الكتاب إلى خمسة محاور ضمنها أربع عتبات لإضاءة الرسائل السبع، أولها عتبة الافتتاح باعتذار من صفحة واحدة(ص 5)، يعتذر فيها إلى صالح بن طريف، المؤسس الفعلي لبرغواطة، ويقول له بأنه يكتب إليه ليس لأنه شك أو احتار “والحيرة ظل اليقين”، وليس من أجل تصحيح الافتراضات والتقليب في النوايا، ولكنه كتبَ إليه قائلا:” أني اشتقت إليك كثيرا وأنا ممتلئ من نفس الخيال الذي ترك الباب مواربا، وصان روحك حتى يمنحنا سببا راسخا للوقوف بشموخ فوق هذه الأرض”. صفحة واحدة تكشف نوايا المؤلف وطريقة اشتغاله والتأكيد أنه لا يمثل دور المؤرخ في هذا الكتاب، ولكنه ” كاتب باع نفسه للخيال”.

وهو ما سيطوره في العتبة الثانية ” قبل الكلام”( ص 7-13)، وهي تقديم يسائل فيه التاريخ والمؤرخين: “كيف يمكن إعادة تركيب تاريخ برغواطة في حكاية متحررة من حقائق زائفة بقيت طويلا باعتبارها الصورة الكاملة لأول إمارة مغربية، بُعيد الفتح، مستقلة عن الشرق والخلافة الأموية، أو عن أي سلطة خارجية”. قبل أن يجد طريقة للتعبير عن مبتغاه في الفقرة التالية:

– “أربعة قرون مدهشة في كل شيء، يمكن أن تمنحنا حروفا أخرى في أبجدية التاريخ، ورؤية مرآوية نفسر ونفهم بها باقي الأحداث، مع ترتيب جديد لأسئلتنا، لعلنا نرى أنفسنا كما نريد لات زيف أو ما اعتقدناه تاريخا(مكتملا).”

العتبة الثالثة، عنوانها”مدخل عام: ألواح من الخيال العام”(ص15-45)، وفيه يقلب شعيب حليفي التاريخ القديم وعصوره المتعاقبة ليخلص إلى فكرة أن المغاربة كانت لهم دائما المبادرة من خلال وجود ممالك مغربية مستقلة في ظل الوجود الروماني وغيره، وصولا إلى الفتح الإسلامي ثم ولادة إمارة برغواطة ببلاد تامسنا “من رحم التذمر الشعبي الذي عرفه المغرب في العهد الأموي”.

بعد هذه المدخل، تأتي الرسائل السبع والتي كتبها المؤلف بلغة سردية يخاطب فيها صالح بن طريف، مخبرا إياه بما جرى والتأويلات الممكنة، كاشفا معه عن التلفيقات والأكاذيب التي رسمت صورة برغواطة وأهلها، ومستشهدا بعدد من الحجج التي تقول وتثبت عكس ما تم الترويج له. رسائل يفكك فيها الخطابات المتآكلة ويرسم فيها صورا جديدة للأحداث المفصلية والشخصيات الرئيسية.

في الرسالة الأولى، يخاطب صالح قائلا: “سأروي لكَ ما تعرف تفاصيله، وربما تضحك مما ستسمعُ وأنتَ هناك في السماء، ستعجبُ من تأويلات جنحتْ بعيدا عن أصل الحكاية التي كانت فكرة صغيرة وبسيطة، ثم نمت وترعرعت كما كان ينبغي لها أن تنمو، بريّة ووحشية، في أرضها الصامدة والمصمودية”.

“لماذا يريدون منكَ أن تكون كما ألفوا، نسخة من هذا أو ذاك ؟ ولماذا لا يستوعبون أن بهذه البلاد، ومنذ أبكر الأوقات، رجالا ونساءً يمكن أن يكونوا كما هم، يفكرون، ويبدعون، ويسوسون، ولهم المُبادرة الحرّة والشجاعة في إقامة دولة من روح وثقافة هذه الأرض.”(ص49).

ثم يروي له ماجرى وأشعل انتفاضة المغاربة ضد سوء السيرة التي ارتبطب بالحكام الأمويين، ويختتم بالقول: “هل تدري أنها أول ثورة مغربية تمسكُ بالمُبادرة وتوقد شرارة التحرر من الظلم والتحقير، لتُسقط الولاة والحكام الجائرين.”

ويواصل في الرسالة الثانية، وصف ما جرى، وموقع بلاد تامسنا وخيراتها في أوصاف الجغرافيين المعاصرين لتلك الفترة.

في الرسالة الثالثة يتوقف عند المؤرخين الرئيسيين الذين رسموا الصورة الأولى، فابن حوقل ، يقول شعيب حليفي: ” الذي عاصر سادس ملوك برغواطة، عيسى أبو منصور ، اتُهم بولائه للفاطميين، واشتهر بالإغراق في الحديث بلا رواية غميسة أو معاينة مؤكدة.وهو جغرافي وتاجر، ليست له منهجية التاريخ وموهبته، قدِمَ إلى سجلماسة دون أن يدخل تامسنا أو تكون له معرفة بلغة البربر، أو يتصل برجالاتها ويسمع عنهم، لذلك

كانت روايته من حكايات الجوار مثل حاطب ليل منقطع. بالمقابل، كان هناك مؤرخون وجغرافيون عاشوا قبله بكثير، في أوج دولة بُرغواطة، وتكلموا عن المغرب ولم يشيروا بالتصريح أو التلميح إلى تلك الافتراءات التي اخترعها هو والبكري”.(ص62).

أما البكري الأندلسي من القرن الحادي عشر الميلادي، فهو لم يدخل المغرب واعتمد في حديثه عن برغواطة أو صالح بن طريف، على روايتين، الأولى من أبي العباس المذحجي الجزيري، والثانية من سفارة مبعوث برغواطي إلى الحكم المستنصر.

وجاءت الرسالة الرابعة لسرد سيرة طريف بن مالك، والذي ارتبطت حياته بأربعة أحداث كبرى قلما تجتمع في قائد. أولا، هو من أعطى الإذن العسكري ببداية الفتح. ثانيا أسهم بشكل حاسم في فك الحصار القاتل على الفاتحين بوادي برباط. ثالثا، شكل بعد ظهور الانحراف، حلقة أساسية في الثورة التي أعلنها ميسرة المطغري.رابعا أسس رفقته ابنه صالح، أول إمارة مغربية.

وينتقل المؤلف في الرسالة الخامسة، إلى سيرة صالح بن طريف في بدايته ثم شبابه وتعلمه وسفره إلى المشرق، وقد جاءت هذه الرسالة في شكل سرد وحوار مع صالح.

الرسالة السادسة، واصل المؤلف سرد حيوات باقي أمراء وحكام برغواطة، إلياس ويونس وأبو غفير ثم أبو الأنصار وعيسى أبو منصور وعبد الله أبو حفص.

في الرسالة السابعة، يعود المؤلف إلى المناجاة والمحاورة ويختتمها قائلا: “أتخيّلُ ملامحكَ والندوب التي تحملها على ظاهر جسدك.أراك تتأملنا وأنتَ حزين، قبل أن تمحو ذلك سريعا بابتسامة ونظرة واثقة، ولعلك حينما قررتَ اختيار خط الغيبة فلرُبّما رُمتَ من ورائه دلالات بأبعادها الرمزية والسياسية.

هل ضجرتَ.. بعد خمسة عقود من الحُكم والتأسيس، أم رأيتَ أن الموت في المُلك مذلة، فرغبتَ في خلق رمزية محكومة بالخيال الحي الذي يشق الزمن عموديا، صعودا إلى سُدّة الأبدية.. واخترتَ العودة إلى الشرق في خلوة بمجالس العلماء، وأنتَ تتلقى عنهم فيوضات المعارف.. أم عُدتَ إلى شذونة بوادي برباط الأندلس حيث مراتعُ طفولتك ولُعبك.. أم هل قصدتَ الأطلس، قرب تادلة في حدود تامسنا الآمنة، وربما ذات المكان الذي سيقصده النّور أبو يعزى بعد ثلاثة قرون؟.

في العتبة الأخيرة التي تلي الرسائل، يورد المؤلف نصوصا منتخبة للكتابات التاريخية التي تناولت الموضوع، ولعل شعيب حليفي أراد بها وضع القارئ أمام القضية بكل تفاصيلها.

سبع رسائل إلى صالح بن طريف، ليست تاريخا، ولم يكتبها الكاتب متنكرا في زي المؤرخ، ولكنها بحث تاريخي تسرب من مكتب الروائي.