بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

حياة بطعم الموت…

1 min read

بقلم دكتورة سناء أبو شرار _ الأردن

أجل، هناك العديد من الناس من لا تعجبهم حياتهم، هناك الفقر، الملل، العقوق، المرض، التهجير، مئات الأشياء التي يمكنها أن تجعل حياة أي منا شيء صعب أو لا يُحتمل. يسوق سيارته في كل يوم ليذهب إلى عمله، يراقب الناس والبيوت، الشوارع والأشجار، وكل يوم يقول لنفسه لقد منحني الله يوماً جديداً.
يمارس حياة طبيعية بالنسبة لمن حوله حتى أسرته تعتقد أن شاب ذكي وطموح وأنه نجح في حياته وأن الخطوة التالية هي الزواج؛ ولكن خلف كل المظاهر البراقة وخلف الإبتسامة التي يصطنعها كل يوم حين يدخل إلى بيته هناك حقيقة أخرى لم يخبر أحد عنها. إنه مريض بالسرطان، قرر ألا يخبر عائلته كي لا يتسبب بحزن والدته خصوصاً بعد وفاة والده. بدأ بأخذ الجرعات الكيمياوية، وخبأ أدويتة في مكان لا تستطيع والدته أن تعثر عليها، وأخبرها أنه مدد ساعات عمله كي يتمكن من عمل الفحوصات الدورية وأن يأخذ الجرعات بالوقت المحدد.
لم يكن السرطان أول لقاء له مع المرض، فحياته ومنذ الطفولة هي زيارات متكررة في المستشفيات ومواعيد مع الأطباء، وعمليات متكررة لهذا العضو أو ذاك، رائحة طفولته لم تكن الورود والعطور ولكنها كانت رائحة المستشفيات والأدوية، لم يكن يستطيع أن يلعب مثل بقية زملائه في المدرسة، فلم يكن له دور سوى المراقب الذي يتمنى أن يقفز ويلعب مثل الآخرين، حتى الأحلام لم تكن تراوده فكل أحلامه لم تكن سوى متي سوف تنتهي هذه العمليات؟ متى سوف أستطيع الركض مثل الآخرين؟ متى سوف أكون مثل الآخرين؟ متى ومتي…
وتلك المتى استمرت لسنوات وسنوات إلى أن إنتهت الطفولة وبدأت المراهقة، ولم يعد يسأل متى، فحتى المراهقة لم يستطيع أن يعيشها مثل الآخرين، فمن سوف يحب فتى مريض أغلب حياته زيارات للمستشفيات؟ وكيف سيحب فتاة ما وهو لا يزال يحلم بأن يكون مثل الآخرين؟
لم يعد هناك جدوى من الأسئلة، وحين إنتهت الأسئلة وبدأ يعيش حياة شبة طبيعية مثل الآخرين بعد أن أنهى دراسته الجامعية وحصل على عمل ممتاز، فحص جديد في المستشفى جعله يعود ومن جديد إلى المراجعات والأدوية وتلك الرائحة التي لا تفارق ذاكرته والتي إلتصقت بوجوده. حين سألتهُ كيف يستطيع إحتمال كل هذا الألم أجابني: لا أستطيع أن أرد الآن، سوف أكتب لك ردي برسالة.
فتحت رسالته التي كتب بها بسطور حاول جعلها منتظمة لشدة توتره وهو يكتبها:
( كيف أستطيع إحتمال كل هذا الألم؟ حين نعيش طوال حياتنا في الألم لا يتم طرح هذا السؤال، بل نسأل كيف يمكن أن أعيش بلا ألم؟ الآن فقط أستطيع أن أكتب ما أريد لأنني أعلم بأنني سأغادر قريباً ولدي فضول كبير حول عالم الموت. الآن فقط أخبرك بأنني أحب فتاة ما وأنني لن أخبرها لأنني لا أريدها أن تشاركني الألم الذي أعيش به، الآن فقط أخبرك أنه لم تحبني أية فتاة وأنني لم أعرف ما هو شعور الحب المتبادل، فحبي من طرف واحد، طرف حزين ينظر إلى الحياة كمن سيغادر قريباً. لا أستطيع النظر طويلاً إلى عيون أمي كي لا أفقد السيطرة على دموعي وأنهار أمام عطفها وحزنها الطويل بسبب مرضي الذي إستنفذ كل طاقتها. أسير بسيارتي في الشوارع وأودعها في كل يوم، فأنا أعشق مدينتي، أحب حتى الحجارة الصغيرة المتناثرة على حافة الطرق ليس فقط العمارات والبيوت بل حتى حفنات الرمل. كل يوم حين أعود من عملي أنظر لمدينتي ساعة الغروب وأسأل نفسي إن كنت سأرها غداً من جديد.
بدأ الألم يزداد وأشعر بحكة قوية في جسمي، وأحاول أن أتماسك في عملي، وأن أتجاهل الألم، فقد أعتدت على الألم لدرجة أنه أصبح عنوان لحياتي ولكنني من يوم لآخر أشعر بأن قوتي تضعف وأنني أتغير وأتلاشى ببطء شديد. والأصعب هو الليل، حين يتمدد الموت بكل هيبته بجانبي، أشعر به، تختلط أنفاسي بأنفاسه، أنظر إليه ويراقبني، أعيش معه في غرفتي الغارقة بالصمت، وأصبحت ساعات سعادتي هي حين أنام وأنسى الموت الممدد بجانبي، وحين أنسى أنني مريض، وحين لا أشعر بالألم بعد أن أتناول المسكنات التي وصفها لي الطبيب.
أريد أن اقول لمن لا تعجبه حياته بسبب الفقر أنني أقبل أن أكون فقيراً على أن يمنحني بضعة سنوات من عمره، وأقول لمن يعاني المرض أن يفكر بي ويعلم أن هناك من هو مريض أكثر منه، وأقول لمن يعاني من الغربة فليدعني أعيش بغربة حتى في أقاصي الأرض ولكن أن أعيش لبضعة سنوات، أن يكون لي حبيبة وزوجة وابناء، أن يكون لي قصة أخرى غير قصة الألم ورائحة المستشفيات ثم الملوحة القاسية بدموع أمي. واقول لمن يشعر بالملل والإكتئاب تعال معي إلى جسد يودع الحياة لتعرف معنى الكآبة الحقيقية، تعال معي لنلعب لعبة الحياة، أن نخرج إلى العمل في الصباح، أن نعود متعبين، أن نشعر بالسعادة لأننا نأكل وجبة لذيذة ساخنة بعد يوم من التعب، أن نشرب الشاي معاً ونشاهد فيلم كوميدي ونضحك كثيراً، ثم ننام ونعلم أنه يوجد غداً لنبدأ من جديد، لنحلم من جديد، وأن هناك من نحب وهناك من يحبنا، أن هناك مكان نريد أن نسافر لنراه، وأن هناك حلوى سوف نأكلها دائماً في المناسبات السعيدة.
وأقول لكل من لا تعجبه حياته، تعال معي إلى حياة بطعم الموت لتدرك كم أن حياتك جميلة رغم الفقر ورغم الغربة ورغم المرض ورغم كل شيء، فطالما أنك تنام لستيقظ غداً دون أن يتمدد الموت بجانبك فانت فعلاً سعيد مهما كانت حياتك، وأنا أعود إلى رفيقي الدائم بغرفتي الصامتة، لم يتبق لي سوى أن أحزم حقائبي وأرحل معه حين يأمرني بذلك، لم يتبق لي سوى إنتظار قراره القريب ويبدو أنني ولشدة تعبي أريد أن يكون قراره سريعاً فجسدي تعب وروحي تغيب بأحيان وتعود بأحيان أخرى، ونفسي تاقت للرحيل عسى أن يغادرني هذا الألم وتنتهي معاناتي الطويلة)
قرأت الرسالة، وبالطبع رافقتها الدموع وشعرت بصمت ثقيل يُطبق على صدري، فذلك الموت الذي يتمدد بجانبه كل ليلة هو أيضاً يرافقنا بكل لحظة، ولكن الفرق هو أنه يراه واقعي وينتظر أن يغادر معه، ونحن نعتقد أنه بعيد وأننا لن نغادر إلا بعد سنواتٍ طويلة. هو عاش حياته كلها بالألم والمعاناة والأغلبية منا عاش حياته برفاهية عدم الألم، فنسينا ألم الآخرين وتضخمت معاناتنا الشخصية ونسينا أن الحياة ليست سوى مزيج من كل المشاعر. وبعد أيام من كتابة رسالته علمت أنه قد مات، نظرت إلى المدينة التي كان يحبها، إلى حفنات الرمال والحجارة الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، إلى البيوت والأشجار وشعرت أن روحه تطوف في كل مكان وأنه يشتاق إليها حتى في رحلته مع الموت.
حين نعرف هذه التجارب الأليمة لابد أن نحب من حولنا أكثر، لابد أن نعشق الوطن أكثر، ولابد وقبل كل شيء أن نعلم أن الحب الأعلى والأسمى والذي لا يفنى هو حب الله تعالى، فلا ألم بذلك الحب ولا موت ولا خوف، إنه السعادة الحقيقي في عالم ليس سوى متغيرات طويلة أو قصيرة، عالم نعتقد أنه كل الوجود وهو ليس سوى جزء من الوجود وأن هناك عوالم أخرى تنتظرنا، وأن الحب الإلهي هو الحقيقة الوحيدة في كل عوالم هذا الوجود الأزلي والأبدي.