الخميس. أبريل 15th, 2021

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

خيوط المعرفة ! إن قلت وصلت فقد إنتهيت

1 min read

بقلم الاستاذ يــوسف بــولــجــراف

الإنسان لايزال يتعلم مادام في هذه الحياة مهما بلغ من علم و إدراك ، و أغلب الفائدة من المعرفة ما تقدمه الحياة لنا و نحن نواكبها من أحدات ، مواقف بعضنا اتجاهها و تجارب تكون أسس تركيبة العلوم كلها .
هذا ما جعل من سيدنا موسى عليه السلام و ما أوتي به من علم يقوده للمزيد من المعرفة حين أدرك أن هناك من هو أكثر علما منه و يفوقه إدراكا، أكثر من حب فضول هو العطش والرغبة في التعلم، لمعرفة المزيد ! و من حسن حظه أنه كان شخصا يلازمه نفس الزمان ، رغم بعد المكان ، وهو سيدنا الخضر عليه السلام ، حب المزيد من المعرفة جعل سيدنا موسى يترك رسالته إلى حين و يتجه نحو خيط رفيع آخر من خيوط المعرفة و التمسك به و هو حب البحث من أجل تقوية علمه ، و هو أول درس يقدمه للإنسان في التواضع رغم الإلمام و التفوق .
من قصص القرآن الكريم قصة سيدنا موسى و سيدنا الخضر ، هذه القصة كلما قرأتها أجدها غنية بالمعاني و الإشارات الدالة على قدرات الإنسان الخارقة ، و الدراية و التوقع و ملامسة و فهم الواقع بأشياء و أمور تتجلى في إطار خارج حدود المنطق ، ثم مليئة بالألغاز المرتبة . فهمها يرتبط بقدرات الإنسان كذلك على حسن التبصر و الإمعان هذا يجتمع في لقاء رجلين عظيمين من حكماء عصرهما و أكتر إلماما بالعلم و المعرفة بل يعتبران وزنا من العيار التقيل في التدبر و التبصر و الحنكة ! تأخذنا رحلتهما في عالم ممزوج بعنصر التشويق تجعلنا نتلهف في كل خطاهما لمعرفة كيفية التعامل مع كل الاحداث التي يلامسانها و كل الصعاب التي يجتازانها و خصوصا من جانب سيدنا الخضر موضوع الرحلة و اللقاء ، في القصة إشارة أولى من أجل التعلم و لكسب المزيد من المعرفة وجب التحرك و الصيرورة في إشارة إلى بدء الرحلة و المغامرة ، حيت لا يكتسب العلم إلا في الحركية أي ضرورة الحركية من أجل كسب المعرفة و التجربة ، رحلتهما فيها كل العبر ! تبين مدى تكيف الإنسان الحكيم مع واقع غير منتظر ، و طريقة التصرف و حسن التدبير في الوقت نفسه ، و إن كانت الرحلة هي في الحقيقة رحلة تعلم لسيدنا موسى ،فهي رحلة تعلم لكل إنسان و مع كل مجريات الاحداث في وقت زمني يطلب رد فعل مناسب !
و كلما أعدت قراءتها أجد نفسي أبحث في شيء لم أفهمه بعد، وكلما مسكت بخيط منها في الفهم و التحليل إلا و أجدني أهيم في الزمان و المكان تم في القصة ما يبهر العقل ، و ما يدلنا فعلا على التفكير في كنه الحياة من خلال تعامل الإنسان مع الإنسان و ضرورة الإحتكاك و التعامل في فهم صيرورة الحياة ، أولا من خلال التفاعل مع المحيط ، و إستعمال الرصيد المكتسب من أجل مسايرة الحياة في إطار مكان و زمان محددين ، فبقدر ما تعبر القصة عن حب معرفة ، و حب التعرف بقدر ما تعطينا صورة تبهرنا عن زمان و مكان غاية في الجمال فيه كل الأبعاد . فشيء من المعرفة يربك العقل و يحدث خللا في صياغة فهم المواقف ، نكتشف بعدها أن كل مالم يتصوره العقل له تفسير منطقي كذلك ، كان فقط علينا البحث في دلالة الموقف و أبعاده أو الغوص في عمق الحدث نفسه و الإلمام بسياقه ، و الدراية بالظروف المحيطة به في إطار تسلسل زماني يبدأ في الماضي يمر عبر الحاضر يحدث أو يتوقع حدوثه في المستقبل و لاينتهي إلى حين ، هذا المنطق يقودنا إلى التمكن في مجريات الاحداث رغم صعوبتها أو عدم ظهورها ، و هنا تبدأ حسن البصيرة و التمكن من المعرفة و الحكمة و بالرغم من توفرها عند سيدنا الخضر إلا أنه يتوافق مع سيدنا موسى في التواضع في تعبيره على أنه لا زال لايعلم شيء من خلال مثل الطائر الذي يرصد السمك في البحر، عند ما قدم مثل الطير في صيد السمك داخل البحر ، و هو يعني أن الإنسان مهما أخذ من علم كذلك الطير الذي يصطاد سمكة في بحر .. في نقص المعرفة عند الإنسان أن كثيرا من الأشياء التي لا نتقبلها لعدم معرفتنا عمقها و طبيعتها هي من طبيعة الإنسان و ذلك في رفض كل ما يخالف ذوقه و يتنافى مع رؤيته و نظرته المكتسبة و النسبية لمفهوم الخير و الجمال ، و بعفوية و تلقائية المستقبل أو المتلقي لا يتقبل و يحكم دون سابق إدراك ب الإيجابية المحدثة عليه في وقت مستقبلي ،فيلخص هذا بـ „عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم “ ! و هي الفكرة و ما ورائها و أنه ليس كل ماتراه العين فهو حقيقي ، في طبعنا نحبذ الجمال و نستلذ كل ما يحبه الذوق و كتير من الجمال في الطبيعة قاتل و من أحلى الأذواق ما يخفي السم كذلك في طعم الدواء ما يخالف الذوق لكن فيه شفاء …،…
تأخذنا رحلة الرجلين في عالم واقعي يتعامل مع الدلائل الرموز ، العلامات و الإشارات كشرط من شروط التعامل مع الاحدات و كأنه يحيلنا على واقع من الخيال فنلاحظ أن كل ما قام به سيدنا الخضر من أفعال و تصرفات يخالف المنطق ، منطق سيدنا موسى و هو حامل رسالة الخير ل الإنسانية ، وكل تصرف من الخضر يظهر أفعالا تخالف تلك التي كان يراها ، فكانت أن أحدثت صدمة لسيدنا موسى ، و فهمه للخضر كما لو أنه فوجئ بتصرفات غريبة و خطيرة و الأشد غرابة و وقعا في الصدمة أنها تأتي من إنسان مؤمن بالله و بفعل الخير ! فتأخذ سيدنا موسى الحيرة و الشك من الرجل ، فكان هذا أول درس يقدمه سيدنا الخضر لموسى هو ضرورة الصبر على المواقف و عدم التسرع في الحكم و كان أيضا أهم درس يقدمه إذ ربطه بمصير اللقاء في حد ذاته و إنتهائه عند السؤال و الإستفسار !، و هو يعلم أن سيدنا موسى لا يقدر صبرا على رؤية ما يراه فعل شر كيف يصبر و هو من يأخذ على عاتقه رسالة سماوية نبيلة تتضمن كل معالم الخير في نشرها و نبذ العنف و الدعوة للسلام و الحب بين قومه ، فكان كذلك أن أعطى الخضر تاني درس هو التسامح و الليونة و منح الفرص في ذلك يعلم أن الإنسان ينسى و يخطئ هذه الفرص هي أولا فرص نظرا لقيمة سيدنا موسى و حجمه و أن نهاية الرحلة في بدايتها يخالف حجم الرجلين فكان لابد من هذه الفرص من أجل متابعتها حتى يتمكن الخضر من تقديم نفسه لموسى و لنا كذلك في درس آخر و هو إذا كان موسى وهو الرسول المتمكن لم يستصغ ولم يقدر صبرا على كل تلك المواقف فما بال إنسان في المعرفة و الفهم بسيط !!

هنا نتساءل هل كانت هذه المغامرة هل كانت محبكة أم من قبيل الصدفة أم أن القدر جعل في الرحلة و رغم قصرها غنية بالمواقف رغم نقص الاحدات ، و ناجحة في الغاية. فقط من أجل أن تعم الفائدة .!؟ و الجواب هو أن الله سبحانه جعل تلك الرحلة و ذلك اللقاء فيه فائدة للرجلين معا و ليظهر لنا قوة التمكن المعرفي عند الخضر ، و كذلك لتستجيب لغايتها في الإفادة من خلال مدلول و بعد الموقف و تأثيره على المستقبل و كأن الرجل الحكيم سابق لعصره ، و يغير مجرياته في المستقبل من خلال الفهم الجيد للحاضر و دون توقع أو نبوءة بل بدراية و علم و معرفة جيدة لكل الظروف ، و أن أسمى الحكمة هي تلك ، حيت لا يعلم الغيب إلا الله و في تفوق الخضر مواقف مستقبلية و إن كانت غيبية فهي ناتجة عن فعل أراد به رد فعل لا أقل ولا أكثر !
هذه القدرة على بعد النظر التي كان يمتاز بها و تفوق بها على سيدنا موسى درس و إفادة جديدة في التعلم يستفيد به في هذا اللقاء تم عدم التسرع في أخذ الأحكام و التريت في الحكم على الموقف و الصورة إلا بعد ربط الأسباب بالنتائج ، و كأنه درس في علم الرياضيات داخل علم الإجتماع داخل تطبيق دي أبعاد مستقبلية كل هذا يجعل العقل دائم البحت في عمق الأمور ،
كيفما قرأنا القصة و واكبنا الرحلة مع الرجلين نجد أنفسنا منشغلين في التفكير، متشوقين للفهم أكثر و نجد أنفسنا في متاهة فهم طريق من عدة طرق لا منتهية فنتمسك بخيط من خيوط الفهم و مهما فهمنا فيه من قواعد و أمور حياتية إلا و نزداد اشتياقا لمعرفة أكثر ليجرنا خيط من خيط إلى خيط دون الوصول .
يبقى السؤال أيضا مطروحا و هو بليد من قبلي، ماذا إستفاد الخضر من موسى في هذا اللقاء ؟ أترك لكم الجواب ، أظنه بديهي و بسيط إذا تمعنا في عمق اللقاء ولو كان برغبة من سيدنا موسى !!
الجواب والله أعلم الخضر من المحظوظين و هو حكيم عصره و نابغة في العلم أن يحظى بشرف لقاء رسول من رسل الله في زمانه و هو سيدنا موسى الذي فضله الله و جعله كليمه و هو الذي جاء إليه بنفسه ، يبحت عنه بنفسه في زمن صعب فيه اللقاء و كأن جبلين التقيا ببعضهما ليظهرا لنا جمالية الكون فيه إذ نتج عن هذا الإلتقاء بسط رائع لأفق غاية في الروعة و الجمال حمل لنا من الكنوز المعرفية أكتر مما كان يختزنا كل منهما على إنفراد و اكتر ما كان يتوقع سيدنا موسى، فتفجرت كبة من خيوط المعرفة في زمن قصير حملته مدة لقائهما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *