دولة القانون أم عصر القانون

الأديبة سناء أبو شرار

بقلم سناء أبو شرار:

 

لقد كانت الدولة دائماً وأبداً هي من يُشرع القانون عبر مؤسساتها المتخصصة، لذلك يمكن أن تُسمى أي دولة لها شرعية دستورية بأنها دولة قانون، ولكن إلى أي مدى يمتد نفوذ الدولة لبسط القانون في زمننا المعاصر؟ وهل نفوذ الدولة ببسط القانون أدى إلى التقليل من حجم الجرائم أو إختلاف أنواعها ودرجاتها؟ وهل تدرك الدولة أن مسؤوليتها تجاه القانون في هذا العصر أكثر تعقيداً منها في عصور أخرى بسبب التعقيدات الإجتماعية والإقتصادية بل والفردية أيضاً؟

لم يعد يكفي أن تستعين الدولة بكفاءات وخبرات قانونية لتشريع قانون ما، بل لابد من تكافل خبرات متنوعة لإصدار قانون ما، لأن وضع المجتمع والفرد إختلف عن الأزمان السابقة، ملامح الفرد والمجتمع تغيرت بشكل متسارع وكذلك وعي الفرد تغير والتعقيد هو أن هذا الوعي قد يكون سلبياً وقد يكون إيجابياً ؛ لأننا بعصر التكنولوجيا الحديثة أصبح لكل منا وعي بمستوى معين وبالتأكيد هو متطور عن الوعي في المجتمعات السابقة، ولكن نوعية هذا الوعي تشكل بحد ذاتها نقطة نقاش؛ لذلك تبدو الدولة بمواجهة تيارات فكرية متعددة، متضاربة، مشتتة وربما عدائية لقيم المجتمع ذاته. وإن لم تدرك الدولة هذا التغيير الجذري الذي طرأ على الفرد والجماعة فهي سوف تبقى دائماً بحالة قصور عن الإلمام بجميع زوايا الموضوع الذي ترغب بإصدار قانون بخصوصه، لأن التغيير الذي طرأ على المجتمع يتجاوز المفاهيم الثقافية والفكرية بل والدينية أيضاً، حتى الإنتماء أصبح يتأرجح بين ما يرغب به الفرد وما لايرغب به ، أو ما ترغب به جماعة معينة على الفيس بوك أو لا ترغب به.

إستقراء المجتمع والتغيرات التي تطرأ عليه بصورة موضوعية وواضحة وصريحة لم تعد مهمة شكلية، بل أساسية في البنية القانونية للدولة وإلا ستبقى قوانينها تسير بطيئاً خلف مجتمع تسير التيارات الثقافية والفكرية والمادية به سريعاً. لذلك تبدو مهمة الدولة بالغة التعقيد، لأنها بحالة وضعها للقانون لا تضع القانون فقط بمساعدة خبراء القانون بل أيضاً لابد من إشراك فئات أخرى من تخصصات مختلفة لإيجاد تطبيق شمولي لنصوص القانون مبني على أسس علمية وواقعية.

ولكن هل يعتقد أي منا بأنه يمكن أن يحيا بهذا العصر دون معرفة ولو متواضعة لنصوص القانون؟

لم يعد هذا خيار بالنسبة لأي فرد في المجتمع، لأن القانون لم يعد يُمارس في أروقة المحاكم فقط، بل أصبح جزء هام من حياة أي فرد عادي في المجتمع؛ وكلما زادت الثقافة القانونية للفرد خفف ذلك من أعباء الدولة بحماية الفرد من أخطاءه أو أخطاء غيره. لم يعد القانون مجرد نصوص جافة في الكتب المتخصصة، بل هو إنعكاس لكل حركة في المجتمع. في السابق كان يمكن لأي فرد أن يعيش حياة بسيطة دون أدنى معرفة بالقانون، ولكن في الوقت الحالي، تشابك العلاقات، وتطور النزعات الإجرامية وتنوعها، وتعقد الحياة العملية لبعض المهن، وإرتفاع نسبة المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية أو المعنوية في المجتمع، كل ذلك أنتج مجتمع مركب متشابك ومتعدد  المصالح وبالتالي متعدد الصراعات، وفي هذا المجتمع لم تعد تكفي المعرفة الدنيا بالقانون حتى بالنسبة للشخص العادي. حتى في حال إستخدام التكنولوجيا الحديثة هناك سلوكيات يعافب عليها القانون ويجهلها الشخص العادي، فكيف له أن يشعر بالحرية الكاملة في مجالٍ ما وبنفس الوقت يجهل تمام الجهل ما يجب أن يفعله وما لا يجب أن يفعله في هذا المجال، أي أن المعرفة التكنولوجية تترافق بجهل مُطبق بالقوانين المتعلقة بها، وبذلك حتى السلطة التنفيذية تبدو أحياناً مترددة أو حائرة بخصوص الجرائم الإلكترونية لعمق الجهل بأحكامها وقوانينها من قبل مُرتكبي هذه الجرائم.

المجتمعات العربية مثل أي مجتمعات أخرى في العالم تتغير وتتأثر بعوامل محلية وعالمية، ولكن المجتمعات العربية من أبطء المجتمعات في إستيعاب النصوص القانونية ، ليس بسبب عدم القدرة على ذلك، ولكن لأن العقل اللاواعي للفرد العربي يرفض وبصورة صامتة التقيد بالقانون، لأن الدولة هي من فرضته وبعقله الواعي لا يعتبر نفسه شريك مع الدولة بتطوير المجتمع، بل يقف موقف المتشكك والحذر تجاه أي قانون تفرضه الدولة.

لابد من بناء علاقة جديدة بين الفرد العربي والدولة من ناحية تشريع القانون، لأن هذه الفجوة الواسعة بين المواطن وبين التشريع تجعله دائماً في دائرة الحذر بل والرفض الضمني. وتوطيد روابط هذه العلاقة يبدو ضرورياً لأننا نسير بإتجاه مجتمعات مدنية معاصرة بكل ما تحمله المعاصرة من تعقيدات سلوكية وفكرية تنعكس على الحياة السياسية وكذلك المادية. لابد أن نعترف بأننا لم نعد نعيش في دولة القانون فقط بل في عصر القانون حيث ستضطر الدولة إلى تقنين وتقيد كل تصرف بمواد قانونية صارمة، لأنه مع إتساع المجتمع المعاصر والمدني يبدأ الوازع الديني بالإنسحاب، وهو ما نلاحظه منذ الآن، لقد كانت مخافة الله قاعدة ومبدأ ونهج حياة فيما سبق، ولكننا الآن نتحدث عن مجتمعات فتحت أبوابها ونوافذها لكل الإتجاهات والملل، فلم تعد المحافظة على الهوية الدينية أو الثقافية من أولويات الدولة، بل أصبحت الأولوية هي المحافظة على أمن وإقتصاد وتطور الدولة ، لذلك تتجه المجتمعات العربية وبتسارع شديد نحو عصر القانون، حيث تصبح كل تصرفات الفرد محكومة بمنظومة كاملة من القانون، مثلما يحدث في الغرب، ولكن الفرق هو أن المواطن في الغرب تمت تنشأته وتربيته وتثقيفه وتوعيته بأن القانون جزء لا يتجزأ من وجوده وأن إحترام القانون ليس عبء عليه بل يجعل حياته أفضل وأكثر رفاهية؛ بينما في المجتمعات العربية، قد تتكدس القوانين التي تحاصر تصرفات الفرد وتنظمها ، ولكنه يجد صعوبة بالإنصياع لها إما لأنها تتعارض مع مصالحه الخاصة، أو لأنه لا يزال ينظر بحذر للقانون الذي هو وليد وصنيعة الدولة، ناسياً أو متناسياً بأن كل كل قانون يُفرض عليه يمنحه في المقابل مكتسبات أخرى قد لا يراها أو يتجاهلها. في زمننا المعاصر قد لا تكفي جهود دولة القانون دون وعي فردي وجماعي بأننا فعلاً دخلنا عصر القانون وأننا لسنا فقط رعايا في دولة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *