سلامٌ عليكِ يا صديقتي العزيزة

بقلم/ شيماء سحاب – المحامية بالنقض والدستورية العليا

أكثر الناس إحساسا بالعذاب، أشدهم إحساسًا بما هم فيه. أي بالحياة طولا وعرضا، وارتفاعا وعمقا. قال أديب روسيا دستويفيسكي: أحببت وتعذبت، وكرهت وتعذبت، ووقفت خاملا بلا عواطف وتعذبت، ومع ذلك وبسبب ذلك: عشت!
فالعذاب أو إن شئت قلت عدم الراحة مرتبط بوجودنا في الحياة؛ إذ الحياة تعب وكبد، والتعب موجود دائما فيها ومرتبط بها، حتى اللحظات الحلوة الجميلة يعقبها منغصات ولا توجد متعة كاملة الأركان في هذه الحياة وإلا لما وصفها الله بالحياة الدنيا!
ومع ذلك فالحياة ممكنة من غير ارتباطنا بمن يتعبنا ويعذبنا. وما علينا إلا أن نواجه الدنيا ونصادمها ونصارعها حتى نتحرر من أسرها ومن قيودها ومن متاعبها.
أكتب ذلك ردا على مَنْ هم لا يعيشون إلا لكي يعذبوا مَنْ معهم، ولا ينطقون إلا بطلقات من الألفاظ القاسية التي تجرح وربما تقتل من كانوا في يوم من الأيام بالنسبة لهم أحلى الناس وأحب الناس وأجمل الناس!
وأتساءل: لماذا يسبب بعضنا لبعض القلق والتوتر والعزلة والغربة والشعور بالذنب مع أنه لا توجد خطيئة ولا توجد جريمة؟
لماذا هذا العقاب الغاشم الذي يفرضه البعض على البعض لا لشىء إلا لأنهم أحرار رحماء متسامحون محبوبون؟
لماذا لم تعد للعلاقات الإنسانية معنى وطعما ومذاقا؟ من هو الصديق؟ ومن هو الحبيب؟ ومن هو العدو؟ وما معنى الزمالة وما معنى العشرة؟ وماذا تعني المودة والرحمة والسكن؟ ما هي الأخوة؟ وما معنى الجيران؟
كل هذه الكلمات أصبحت باهتة بلا معنى ولا إقامة دليل. وتسألون بعد ذلك عن التفسخ الأسري والانحلال والانتحار!
إن أي مجتمع بشري تشيع فيه هذه “اللامعاني” لهو مجتمع قريب من الانتحار.
والأعجب من ذلك أننا مُغرمون ومهوسون بالصور لا بالحقائق، فنطلب في كل مناسبة التقاط الصور التذكارية حتى أصبحت مواقفنا وسلوكياتنا مجرد صور باهتة لا تمت للأصول والثوابت بصلة.
أي غل أعمى وحقد دفين نبت في أعماق البعض منا فخرج من حناجرهم وأفواههم حمما موقدة تُحوِّلُ حياة من يعيشون معهم وحولهم وفي دائرتهم إلى جحيم؟
لقد حكت لي إحدى صديقاتي أنها تمر بحالة نفسية سيئة للغاية وهذه الصديقة أعلم أنها آية في الجمال والرشاقة والذكاء وحب الحياة ولا ينقصها شىء؛ فلماذا تتدهور صحتها النفسية؟ فعلمت بنشوب خلاف عميق مع زوجها بعد طول عشرة وتقارب بلا حدود. وكان سبب الخلاف هيِّنا لو تعلمون! إن الزوج يخير زوجته بين أن تنقص من وزنها عشرة كيلوجرامات أو يهجر البيت بلا عودة! وما إن استمعت إلى صديقتي وعرفت سبب أمراضها العضوية المرتبطة بحالتها النفسية إلا ووجدت قلمي يكتب هذه الكلمات التي أسأل الله أن تقرأها صديقتي وتعيد قراءتها لعلها تنقذ نفسها من هذا العذاب. سلامٌ عليكِ يا صديقتي العزيزة.