طيور المساء رواية للكاتبة الفلسطينيّة أسمهان خلايلة

قراءة وتحليل: نزهة أبو غوش
في روايتها ” طيور المساء” حملت الكاتبة أسمهان خلايلة ريشتها؛ فقط من أجل أن تبدع، وأيّ ابداع صنعته في نسيج درامي تراجيدي ليس لها مثيل. خيوط الرّواية وتشعباتها وأهدافها، وشخصيّاتها، وأسرارها، وحبكتها، ونهايتها؛ كلّها حاضرة. المكان، قرية كفر قاسم. الزّمان: عام 1956. العنوان الرّئيسي: مجزرة كفر قاسم. مصمّمو الرواية: القائمون على تنفيذ للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين منذ 1948 .
لا أحد يستطيع أن يكذّب التّاريخ، هكذا أثبتت لنا الرّاوية خلايلة في روايتها؛ لأنّها استخدمت وبذكاء تقنيّة اللقاء مع شخصيّة الرّاوي، فهي امرأة قويّة الشّخصيّة والذّاكرة، وحدها الّتي نجت من المجزرة ممرّغة بدمها وبالدّماء الّتي سالت من صديقاتها ال 13 العاملات العائدات من المستوطنة الّتي تبعد مدّة ساعتين عن بلدتهن كفر قاسم.
أرادت الكاتبة أن توثّق هذا اليوم الأليم، فجاءت الكلمات بسيطة وتلقائيّة لا يوجد بها أيّ تكلّف لغويّ؛ وقد عزّزت واقعيّتها وصدقها، الأمثال الشعبيّة الّتي يتداولها النّاس في القرية، والقرى الأخرى، كذلك الأغاني والأهازيج في أفراحهم المختطفة من براثن الظّلم والتّسلّط من قبل الاحتلال الجائر.

“بدنا يبرم هالدولاب بلكي تحوّل زمانو.يا ربّ يعودوا الغُيّاب.كل واحد ع أوطانو”
ومثال على تأثير المصيبة على أصحابها على لسان الرّاوية العجوز، هناء”: اللي بيوكل العصي، مش زي اللي بعدْها”
تنوّع رتم الرّواية لعدّة أجزاء، ففي البداية كان الإيقاع السّردي بطيئا، تحدّثت فيه الرّاوية بهدوء دون توتّر، أو انفعال؛ حتّى أنها عقدت صداقة ما بينها وبين الشّاب فارس الّذي عمل على تسجيل صوتها. من خلال هذا السّرد، عرّفتنا الكاتبة أسمهان على حياة القرية في تلك الفترة الزّمنيّة 1956. تعرّفنا على العادات والتّقاليد الّتي لا تختلف كثيرا عن باقي قرى المثلّث، شمال فلسطين: الزّراعة للحبوب والخضار، ومساعدة المرأة لزوجها في الحقل دون كلل أو ملل. لعب الأطفال ومرحهم وشهوتهم للكعكبان، مشيهم حفاة في الحارات، ولعب الصّبيان بالكرة المصنوعة من القماش، سعادتهم رغم تلطّخهم بالطّين، رغم المطر والحر وقسوة الحياة. يقشّرون نبات القرّيص ويأكلونه بشهيّة، البنات يدهن شعورهنّ بسائل أغصان العنب. اللعب فوق لوح الدرّاس وقت الحصيدة. صناعة النّساء لأقراص (الجلّة )من روث الحيوانات وتجفيفها لتدفئة الطّابون شتاء وغيرها وغيرها. الأهازيج والسهرات والمزاح والضّحك مع المهرّج أبو نجم وغيرها
وفي إيقاع أكثر سرعة أظهرت الكاتبة في روايتها الظّروف السّياسيّة الّتي كان تمرّ بها القرى العربيّة في كفر قاسم، وكفر برا وبرطعة؛ حيث تقسيمها وشرذمتها ما بين الأردن واسرائيل – حسب اتّفاقيّة سايس بيكو- التفرقة العنصريّة في المجالات المختلفة، خاصّة الوضع التعليمي، والفجوة الشاسعة ما بين اليهود والعرب، خاصّة في رداءة الصّفوف وقلّتها، ونقص الأدوات فيها، كما بيّنت ظاهرة الشّيوعيّة الّتي لجأ اليها معظم الشّباب العرب؛ فهي القشّة الّتي كانوا يتعلّقون بها هروبا من احتلال لا يرحمهم، معاداة الدّولة لهذه الفئة بشدّة وحزم،نحو اجراء التحقيقات المتتالية مع المعلّم مروان، وابعاده في منطقة نائية، ومراقبته. محاولة البعض لصنع شيء اسمه التّعايش الغير موفّق ما بين اليهود والعرب. تسلّط المقاولين اليهود على العمّال والعاملات العرب، حتّى بلغ حدّ محاولة الاغتصاب، الّذي هو أصعب من أيّة جريمة أخرى في مجتمع تعلّم”إِنّ شرف البنت مثل عود الكبريت، إِذا ولّعته انطفى”
ظهر في الرّواية لغة الانتماء، ولغة الأمل بالقائد جمال عبد النّاصر، خاصّة وقد تزامن وقت الاعتداء الثّلاثي على مصر عام 56م . الأغنية على لسان، أمّ العبد:
“عَ الطريق يا زارعات النعنع ع الطريق
عبد الناصر يا زعيم وبحقّ وحقيق.”

لقد علت لغة السّرد واشتدّت وتيرتها، حين دخلت الرّاوية في سرد أحداث المجزرة الّتي عاشتها وصوّرتها بعقلها وقلبها وأعصابها وكلّ مشاعرها. كثرت الأفعال، وقلّت الاستراحات اللغويّة:
” كان صوته يُشبه نهيق الحمار.
– أطلقوا النار.
دقّت طبول جنائزية عالية الأصوات في قلوب الفتيات، بكين وانتحبن بأصوات مخنوقة، استغثن. امتدّ قرع الطبول في آذانهن وقلوبهن كأنّه صلاة الجنازة الجماعيّة على أرواحهنّ، احتمين ببعضهنّ البعض. الموت في حضن دافئ أسهل. ما أصعب أن تموت وحيدا! التصقت أجسادهن ببعضها ولسان حالهنّ يقول: “لا تمتن وحيدات، هيّا التصقن بعضكنّ ببعضكنّ”. ولعلع الرصاص. اهتزّت الأرض كأنّها تنوح تحت أقدامهنّ، وخيوط دمائهنّ القانية، تنساب لتروي عطشها.
– هذه الحبلى إياكم أن تتركوها، لا أريدها أن تتنفس. اقتلوهن جميعا، أبيدوهن.
صرخ الوحش وعاد الغراب ينعق:
– أطلق النار.” ص174
لقت أبدعت الكاتبة خلايلة في وصف رقصة الموت الجماعي للفتيات العائدات من العمل وإِعدامهنّ بحجّة اختراقهنّ أوامر منع التّجوّل.
كذلك أبدعت خلايلة في وصف غليان البلدة بأكملها وذهولها، ورعبها، وخوفها على رجالها ونسائها الّذين يعملون خارجها ولا يعلمون بمنع التّجوّل. صورة المختار الّذي راح يدور كالثور في السّاقية، يصرخ وينادي: الحقوا أخبروهم أن يعودوا بسرعة، قبل بداية المنع؛ رغم أنّه أبلغ الضابط بغياب العمال خارج البلدة، فوعده بأن يتفهّم الوضع ويسمح لهم بدخول القرية.

لقد صوّرت الراوية لوحة الحزن الرّهيب لبلدة بأكملها، فكان حزنا يخترق حدّ السّماء؛ وينفذ إِ لى أعماق سبع طبقات في الأرض ويخترق القلوب فيصهرها. هكذا إِذن أيّتها الكاتبة أسمهان، هذه هي طيورك العائدة مساء، والّتي ارتقت أرواحها هناك حيث بارئها عزّ وجلّ. طيورك أيّتها الكاتبة هم طيورنا جميعا، هم طيور الوطن الكبير بأسره، هم أغلى وأعزّ من فقدنا؛ سوف تظلّ ذكراهم عالقة في قلوبنا وعقولنا، وسيظلّون الشّهداء، أمام الله على الظّلم المسلّط على الشّعب الفلسطيني.
لقد هدأت وتيرة الخطاب عند نهاية الرّواية؛ فكانت نهاية موفّقة، صنعت فيها الكاتبة الفرحة مكان الحزن والألم، فكانت فكرة رائعة أن يحتفل أهل البلدة بالعرس الجماعي في يوم ذكرى المجزرة، أمام النّصب التذكاري الّذي نصب وسط البلدة.
أرى أنّ كلّ ما أضافته الكاتبة بعد هذه النّهاية الجميلة، لا ضرورة له، فهو زائد عليها.