الأثنين. أكتوبر 26th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

فخاخ الادمان المنصوبة

1 min read

د. احمد الباسوسياستشاري العلاج النفسي وعلاج الادمان

لسنا بصدد كتابة بحث في هذه المسألة، تناولنا للأمر من منظور اكلنيكي بحت متمثل في الواقع الخبراتي والمسارات العلاجية المتباينة. واذا كانت نتائج البحوث العلمية اشارت الى الدور القوي لعامل الوراثة في وراثة الادمان خاصة ما يتعلق بالادمان على الكحوليات والافيونات، فاننا نسلم بهذا الأمر ونعتبر ان ادمان الوالدين أو احدهما يمثل عامل خطر Risk Factor يؤخذ في الاعتبار اذا كنا بصدد التقييم ووضع خطة العلاج. لكن ليس ضروريا التسليم بان ابن احد الوالدين أو كلاهما ممن لهم تاريخ مع الادمان لابد وان يكون مدمنا، هناك اعتبارات أخرى يمكن فحصها تتمثل مدى هشاشة الشخصية وقدرتها على الصمود والتعامل مع ضغوط الحياة القاسية. هناك اشخاص نموذجيين يولدون بخصائص شخصية/نفسية خاصة جدا، حساسية ورقة بالغين مثلا، خجل فطري ملحوظ، ميل غريزي الى التجنب والانزواء، تجنب المشاكل أو الدخول في صراعات وصدامات مع آخرين…الخ كما ان هناك شخصيات أخرى تتسم بقدر كبير من الحركية والاجتماعية، والتوتر والقلق الداخليين، والعصبية الزائدة والاستجابات الاندفاعية أحيانا، وكذلك أفكار تشككية وعدائية تجاه الآخرين، مثل هذه الشخصيات ربما تكون مرشحة لو تعرضت لضغوط حياتية عظيمة الى تطوير اعراض نفسية خاصة مثل الافكار الوسواسية، مخاوف تتخذ صور مرضية نمطية مختلفة، ونوبات هلع متواترة معطلة أو مزعجة لتوافقه وتكيفه مع نفسه ومع الآخرين ممن حوله. وقد يتطور الأمر الى الدخول في حالة مزعجة من الاكتئاب المفضي الى حالة من اليأس والانسحاب وعدم الاكتراث والغضب، والاكتفاء بالسخرية من الواقع والآخرين، وبالتالي تتأثر حياته الشخصية والاجتماعية والمهنية بصورة واضحة. في هذا السياق نستطيع ان نقول ان الأرض باتت خصبة ومهيئة لتطوير أنواع من الاضطرابات النفسية الحقيقية، الشخص خلال هذه المشاكل والاضطرابات المزعجة يسعى بكل طاقته للهروب منها أو معالجتها ذاتيا. تعتبر الحلول الدوائية وسيلة فعالة لدى البعض منهم للخروج من الحالة الانقباضية المؤلمة واضطراب النوم، هذا الحل يهتدي اليه عن طريق الاصدقاء والنظراء سواء عن طريق الصدفة في جلسات الأنس والسمر حيث يتم تداول الحبوب والمواد المخدرة، أو من خلال نصيحة من أحدهم بأن لديه شيء هام قادر على تغيير المزاج ومساعدته على النوم المريح. نفس الأمر ينطبق على اولئك الأشخاص الذين يعانون من نوبات عاتية من التوتر، وموجات مستمرة من العصبية والغضب والسلوك الاندفاعي غير محتملة مصحوبة بفوران نشاط محموم من الأفكار السلبية والوسواسية تجاه نفسه والآخرين. ان لجوء هؤلاء الأشخاص الى الحلول الدوائية للتهدئة وللخروج من نفق الانقباضات والمزاج السلبي من دون استشارة طبيب متخصص يتسبب في ادمان عدد كبير من الناس بهذه الطريقة، هذه الحبوب التي يتم تداولها بين الشباب خارج النطاق الشرعي تحتوي على خصاص ذات فعالية ادمانية، بمجرد ان يتعاطاها الشخص ويشعر بعدها بشيء من الراحة والتخفف من أعراضه ومشاكله يتحفز لتعاطي جرعات تالية لاحقا، والنتيجة ان جهازه العصبي يعتاد على تعاطي هذه الحبوب ولايمكن للشخص الاستغناء عنها لاحقا. هذا النوع من الادمان يمكن ان نطلق عليه ادمان الصدفة، أو ان هذا الشخص مدمن بالصدفة، وذلك لأنه عثر بمحض الصدفة على بغيته في التخفف من أعراضه النفسية الاكتئابية وتوتراته عن طريق تلك الحبوب التي جلبها لنفسه أو عن طريق اصدقائه خارج النظام الطبي، واستمر في التعامل معها وتعاطيها حتى فقد أخيرا السيطرة على تعاطيها وتسببت له في مشكلات صحية واجتماعية كبيرة، وفي النهاية يكتشف انه أصبح مدمنا يستحق العلاج.
وهناك أشخاص على العكس، منفتحين اجتماعيا بدرجة عظيمة، يتمتعون بعلاقات متعددة مع الجنسين، مغامرون، شغوفين بالسهر والحفلات والسباقات والتعرف على المجهول والمثير، لديهم مستوى مرتفع من الاستثارة الداخلية، لا يهدأون قبل ان تهدأ استثارتهم الداخلية، هؤلاء مغامرون بطبعهم يجربون في كل شيء وأي شيء، لديهم فضول وحب استطلاع بصورة غير قابلة للسيطرة وشغف بتجربة الجديد والمثير، لامانع لديهم من تجربة مركبات كيميائية للتهدئة أو لرفع مستوى الاستثارة، يعلمون العواقب، وانهم معرضين لخطر الادمان وفقدان السيطرة لكن رغم ذلك لديهم يقين في قدراتهم الذاتية على السيطرة والتحكم. هؤلاء يمكن ان نطلق عليهم لقب “مدمن مع سبق الاصرار والترصد”، وهؤلاء يشبهون الى حد كبير اولئك الذين اعتادوا الصدام مع المجتمع، والخروج على قوانينه وقيمه واعرافه، واستخدام العنف في صدامهم مع الآخرين من أجل الحصول أو الاستيلاء على مكاسب خاصة، وتصاحبهم توترات واضطرابات متعلقة بالشخصية السيكوباثية، ويلجأون الى الحبوب المخدرة للتهدئة، ولمساعدتهم في تحمل آثار الصدام والعنف مع الآخرين. وما بين مدمن الصدفة الذي يبحث عن مادة تخفف عن توتراته وانقباضاته في ارفف الصيدليات ويقوم بتجريب الكثير من ادويتها (عن طريق نظرائه واجتهاداته الشخصية) حتى يستقر على المادة المطلوبة التي تؤثر ايجابيا في تخفيف توتراته وانقباضاته ويقبل عليها بتواتر وشغف حتى يقع في فخ ادمانها.
وبين المدمن مع سبق الاصرار والترصد الذي يستهدف المادة المخدرة أو المنشطة من أجل انجاز اغراض شخصية، تساعده على تحمل الألم أو تمنحه قدر أعظم من الجرأة والمخاطرة لانجاز مهمة صعبة وغالبا تكون ضد التقاليد والاعراف والقانون. ما بين هذا وذاك يوجد طيف واسع من الاشخاص يقعون في فخ الادمان بسلامة نية مطلقة مثل اولئك الخجولين الذين لايملكون الجرأة لرد يد ممتدة لهم بالسيجارة أو كأس الشراب في المناسبات الاجتماعية المفتوحة، أو اولئك الباحثين عن تجويد المتعة الجنسية ويتسلمون معلومات تتعلق بان حبوب الترامادول مثلا تزيد من النشاط والحيوية في تحسين المعاشرة الجنسية، أو ان حبوب الانفرانيل تؤخر القذف لدى الرجال أثناء المعاشرة الجنسية!. وكذلك هناك الطالب الباحث عن اتساع وقت الاستذكار للحصول على اعلى المعدلات والتفوق فيلجأ الى الحبوب المنشطة مثل الكابتجون وغيرها لمساعدته في هذا الأمر ، أيضا يلجأ الكثير من السائقين الذي يعملون على الشاحنات الكبيرة التي تعبر بين الاقاليم البعيدة في نقل البضائع، ويمضون ساعات طويلة في الطريق امام مقود الشاحنة يلجأون الى الحبوب المنشطة لتساعدهم ان يظلوا منتنبهين ويقظين طوال ساعات السياقة الطويلة التي قد تستمر اياما في بعض الاحوال. هذا الأمر جعلني اطلق على هذا النوع من الادمان (ادمان سائقي الشاحنات) الادمان النبيل Noble addiction نظرا لان الغرض من التعاطي في هذه الحالة تمثل في الدافع الى زيادة وقت العمل، والأمر يتطلب الحفاظ على الحيوية الجسدية للاستمرار في العمل والانتاج.كما ان في الثقافة المجتمعية تنبيهات كثيرة تتعلق بالدور الفاعل لمخدر الحشيش والمعتقدات الشائعة عنه بخصوص زيادة المتعة والترفيه والائتناس وتحسين القدرة الجنسية من دون حدوث اضرار شخصية أو صحية أو اجتماعية ملموسة أيضا. هذه المعتقدات الخاطئة روجت الى حد بعيد الى انتشار مخدر الحشيش على نطاق واسع بين المصريين، قبل ان تفندها نتائج البحوث العلمية عن مخدر الحشيش في مصر في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي بدأ ينشر تقاريره في هذا الصدد منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي افادت بنتائج عكسية تماما للمعتقدات الشائعة لدى العامة عن مخدر الحشيش، الأمر الذي انطبق عليه مقولة المفكر العظيم فرانسيس بيكون ” من مآسي العلم ذبح الفروض الجميلة”. اشارت تلك البحوث ان لمخدر الحشيش تأثير سلبي على العلاقة الزوجية بعكس ما تم الترويج له من تاثيراته الايجابية، كذلك اشارت أيضا الى الخصائص الادمانية في مخدر الحشيش، وتأثيرات تعاطيه على الاشخص النفسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية كذلك.
ان الأمر برمته يمكن اعتباره نوع من سوء الفهم من جانب المتعاطي للمادة المخدرة أو الكحولية بخصوص توقعاته من تعاطيها. فهو يثق كثيرا في قدرته على التحكم والسيطرة على سلوك التعاطي مقارنة بمن سبقوه وسمع حكاياتهم، أو ما تبقى في مخزن ذاكرته من حكايات عن الادمان وعواقبه من مشكلات وأحداث، كذلك يعتقد بشدة في ان هذا التعاطي أو تلك الجلسة أثناء التعاطي مجرد لحظة عابرة وسوف تذهب الى حالها. أخطاء معرفية بقع فيها الشخص تتعلق بتوقعاته عن المادة واعتقاداته حيالها وما الذي يتنبأه بخصوصها. لكن تحركه دوافع وعوامل شخصية واحتياجات تؤثر من دون شك في ادراكات الشخص سواء نحو نفسه أو نحو المادة، أيضا تؤثر في مبلغ فهمه وتركيزه وبالتالي تتأثر توقعاته حيال مادة التعاطي ومجمل السياق الذي يعيش فيه.
من الفخاخ الأخرى ما يتعلق بالعوامل الشخصية في علاقتها بالغلاف الاجتماعي المحيط، مثلا تلك الشخصية الهادئة، الرقيقة، الحساسة، الخجولة، المؤثرة للاخرين على نفسها، وتبذل جهودا مضنية لتجنب الصدام أو التصارع مع الآخرين، اذا ساقها االقدر السيء في الارتباط باصدقاء ليسوا على الشاكلة، مغامرين، يعشقون المرح والمخاطرة وتغيير المزاج والصخب في مجالسهم، فان هذا الشخص الخجول قد يضطر الى مسايرتهم، وبالتالي قد يكتشف ان المادة التي تعاطاها أو حتى سياق الجلسة وما فيها من تهور وصخب ووناسة قد حقق له حاجة نفسية أو عضوية في الدماغ اراحته وخففت من قبضته أو توتراته ولم يكن يعلم عنها شيء، وبالتالي يتحفز الى تكرار هذه الجلسات وتكرار التعاطي حتى يقع لاحقا في مصيدة الادمان غير المقصود. ان ضغط الاصدقاء Peers Pressure على درجة كبيرة من الأهمية خاصة عندما يكون غير مباشر، بمعنى عدم الحاحهم عليه بالتجربة والتعاطي، وتشير البحوث الى اهمية وجسامة دور الأصدقاء سواء عند بدايات التعاطي والادمان، وكذلك دورهم الكبير في الانتكاس بعد فترات التوقف والتعافي. نفس الفخ يقع فيه الكثير من الافراد الذين يعانون من الآم في الظهر، أو تعرضوا لحوادث أفضت الى كسور في العظام ووصف لهم الاطباء المعالجون أدوية مسكنة للألم، الى هنا تكون المسألة طبيعية وداخل النطاق الطبي، لكن تكرار تعاطي المريض لهذه الادوية المسكنة، منحها الفرصة لأن تتفاعل مع شخصيته التواقة الى تغيير المزاج، أو الخروج من حالة الاكتئاب المزمن التي ولد بها، أو تخمد من توتراته وقلقه مجهول المصدر، تحفزه الى زيادة جرعات الدواء من نفسه عن الحد الذي سمح له به الطبيب لمعالجة حالته، وتدريجيا يكتشف مريض الآم الظهر أو كسور العظام انه وقع في فخ ادمان المادة المسكنة التي يتعاطاها. أصبح اسيرها ولايستطيع الفكاك من أسرها.
ويظل الغلاف الأسري المحيط بالمدمن أحد الفخاخ الكبرى، وان الاضطراب الحادث في هذا الغلاف ينعكس بالتأكيد على الاشخاص داخله. كلما كان هذا الغلاف مشبع بالتوتر والقلق والصراخ والعنف من قبل الوالدين تجاه بعضهما أو من قبل احدهما كلما انحسرت مساحة الأمان والطمأنينة داخله، وبالتالي تتأثر استجابات الاشخاص داخل هذا الغلاف، ومن المعرف ان الاشخاص متباينون في شخصياتهم وفي استعداداتهم الوراثية، وبالتالي يتباينون في الاستجابة لهذه المؤثرات الضاغطة وفقا لما تعكسه شخصياتهم ومهاراتهم في التعامل مع هذه المواقف الضاغطة. الاشخاص الأكثر صلابة من الناحية النفسية، والأكثر مهارة في التعامل مع مثل هذه النوعية المعتادة من الضغوط والتي تحدث بشكل يومي تقريبا يمر عليهم الأمر بسلام، لكن قد يعلق اولئك الأفراد الأكثر هشاشة من الناحية النفسية، وتنخفض لديهم درجة الصلابة النفسية، وبالتالي قد يطورون استجابات اكتئابية وسواوسية، وكذلك تنتابهم حالات من الهلع والمخاوف المرضية المتباينة، ويصبح التعاطي والادمان لاحقا الطريق الى الهروب من هذا الاطار الضاغط الصعب غير المحتمل. ان تعاطي المادة المخدرة في صحبة آخرين يصبح هدفا لدى الشخص الضعيف طمعا في لحظات من التخفف من الحالة الانقباضية الخانقة، وهربا الى حالة من الطمأنينة والأمان حتى لو كانت على مستوى الوهم.
مؤكد ان الغلاف الأسري الاقل اضطرابا وتوترا يمكن ان يكون أكثر حماية ودعما للشخصية الضعيفة داخل الاسرة الواحدة، لانه يمنحها الأمان المنشود ولا يدفع افرادها الى البحث عنه خارج هذا الغلاف، سواء في الشارع، أو في اي مكان آخر، أو يحصل عليه في كنف مادة مخدرة، أو داخل جماعة عنصرية تتبنى أفكارا شاذة دينية أو غير دينية.
ويظل فخ المرض النفسي سيفا مسلطا على رقاب الكثير من المتعاطين والمدمنين. ان الامراض النفسية وخاصة الاكتئاب والعديد من اضطرابات الشخصية تعمل بمثابة المحفز القوي للبحث عن حلول كيميائية لدى الأشخاص الذين يعانون من ويلاتها، الهدف الرئيس من التعاطي يكون بغرض تهدئة الداخل، وبلوغ حالة الهدوء أو الصفاء النفسي. الاكتئاب المزمن عندما ينشط داخل الشخص بفعل ضغوط نفسية أو اجتماعية فشل في التعامل معها، يضرب حالة الهدوء والسلام الداخلي لديه، يخلف حالة غير محتملة من الازعاج والانقباض والتوتر والألم. وأيضا تفعل ذلك بعض اضطرابات الشخصية بكل مستوياتها من الشدة، تثير داخل الشخص حالة غير محتملة من الاضطراب والقلق والتوتر والانقباض، ناهيك عن السلوكيات العصبية المتهورة، والاندفاع غير المحسوب العواقب، تزدحم الرأس بالأفكار الوسواسية السلبية والتشككية عموما، ويتعرض الى الحرمان من النوم الطبيعي، اضافة الى هجوم تلك النوبات المتواترة من الهلع والمخاوف. يضطرب التفكير، وبالتالي تضطرب استجاباته لأحداث الواقع، ويفقد اتزانه النفسي. الشخص لايزال صاحب شخصية متكاملة الى حد ما Integrated Personality بمعنى ان الاضطراب لم يبلغ مرحلة اعاقته عن ممارسة مسئولياته المهنية والاجتماعية الضرورية، ولاتزال علاقاته مع الآخرين قائمة رغم الاضطراب الواضح مع الكثيرين ممن حوله، لا يزال قادرا على رعاية اسرته رغم المشكلات التي تثار بسببه بين الحين والآخر. خلاصة الأمر ان الاضطراب لديه لم يبلغ مرحلة تفكك الشخصية، وهو الأمر الذي يستدعي دخوله مصحة العلاج. ان هذا الشخص المتكامل (الى حد ما) لايشعر بالراحة والاستقرار أو التوازن النفسي المنشود، يشعر ان شيئا عظيما داخله ناقص وغير مكتمل. هذا الأمر يؤثر تأثيرا جسيما على نومه من حيث عدد ساعات النوم التي تتناقص بشدة عن المعدلات الطبيعية (عدد ساعات النوم الطبيعي من 6-8 ساعات يوميا) وأيضا تتأثر لديه جودة النوم الذي يصبح غير مريح بالمرة، ومصاحب بكوابيس ليلية مزعجة، واحلام تزيد من توتراته وقلقه.
ان الشخص الذي يعاني داخليا من هذه الاضطرابات النفسية تحفزه تلك المعاناة الى محاولات للبحث عن طريقة للتخفف منها واستعادة حالة الصفاء والتوازن النفسي، يجرب الكثير من اصناف الادوية الكيميائية خاصة مع الاصدقاء المتمرسين على التعاطي، حتى يستكشف العقار الذي يسيطر باحكام على كهرباء دماغه الفائرة المنفلتة، أو ذلك العقار الذي أخرجه من نوبات انقباضاته المميتة واعاده للحياه مرة أخرى، هنا يكون الشخص قد عثر على الحل السحري لمشكلاته مع نفسه، والذي يحدث ان استخدامه لهذا العقار يتكرر، مؤكد ان هذا العقار صاحب خواص ادمانية، ومؤكد ايضا ان هذا الشخص يكون قد وقع في فخ التعاطي والادمان.
وتظل أفخاخ الادمان منصوبة ومتنوعة للايقاع باكبر عدد من الاشخاص أو الضحايا، منها ما يتعلق بفشل الشخص في التعامل مع الضغوط التي يتعرض لها في مسيرة حياته اليومية الاعتيادية، وعجزه عن اتخاذ القرارات المناسبة التي تمكنه من الادارة الجيدة لحياته سواء الشخصية أو الاجتماعية أو المهنية، وقد يكون هذا الأمر بسبب نقص في المهارات الاجتماعية خاصته، وانحسار خبراته في الاحتكاك والتواصل مع الواقع نتيجة لتاريخ مكتسب منذ التنشأة الاجتماعية الاولى يتميز بالاعتمادية على الآخرين، والرعاية المبالغ فيها التي مبعثها القلق، والحماية الزائدة والخوف الزائد، وتكون النتيجة حرمان الشخص من الكثير من التأثيرات البيئية المهمة، والخبرات الحياتية التي كان من الواجب ادراكها وتعلمها، وكذلك من المعلومات المهمة عن واقعه، ومجتمعه، وعلاقاته بالآخرين. أيضا يفتقد الشخص للكثير من مهارات التواصل المباشر مع الأخرين، والأحداث، ويصبح جداله أو علاقته بواقعه محدودة للغاية، وبالتالي تنتقص قدرته على اتخاذ القرارات المناسبة في حياته.
ان التنشأة الاجتماعية المتوازنة بوعي وحكمة مسئولة من دون شك عن اكساب الاطفال والصبية معلومات وخبرات قيمة تساعدهم على تطوير النضج النفسي لديهم Psychological maturation الأمر الذي ينعكس على توافقهم الشخصي والاجتماعي مع الواقع حولهم، وينعكس كذلك على مبلغ استبصارهم والمعلومات التي تصلهم عن العالم الذي يعيشونه، وعلى استجاباتهم لأحداث الحياة الضاغطة، وقدراتهم الخاصة بحل المشكلات واتخاذ القرارات المناسبة والمتوافقة مع أهدافهم وطموحاتهم.
ان حرمان الشخص من النشأة الاجتماعية المتوازنة سواء نتيجة لاضطراب الغلاف الاسري خاصته، أو نتيجة لعدم وجود أسرة من أصله، او لاسباب شخصية تتعلق بحدوث اضطراب مبكر في سلوكياته، أو على مستوى نموه الشخصي ….الخ من الاضطرابات التي تصنف لاحقا بعد البلوغ ضمن فئة اضطرابات الشخصيةPersonality disorders، أو حتى بالاضطرابات الذهانية Psychotic disorders يؤثر بالتأكيد على توافق الشخص مع الغلاف الاسري المحيط، ومع الغلاف المجتمعي برمته. هذا الأمر يحرمه من استلام المعلومات السوية عن واقعه، ويحرمه أيضا من الخبرات الحقيقية التي يجب ان يكتسبها بشكل طبيعي يتناسب مع مراحل نموه الشخصي، وكذلك من االاستبصار الجيد بواقعه وظروفه، كذلك يحرم من المهارات الاجتماعية المطلوبة التي عن طريقها يتثنى له انجاز اهدافه واحلامه، وارضاء نفسه والآخرين. هذا الشخص تسيطر على مشاعره وأفكاره الحيرة والتشتت، أفكار سلبية تتملك دماغه معظم الوقت، موجات انقباضية خانقة داخلية غير معلومة المصدر تهاجمه وتقضي على راحته وسلامه النفسي، بالاضافة التى تواتر غير مفهوم لفوران مزعج وغير محتمل من موجات من التوتر والقلق والمشاعر التشككية غير المريحة تجاه المواقف والأشخاص، يتحول الى شخص عصبي المزاج، احيانا يصبح غير قادر على السيطرة على سلوكه وتصرفاته ومتهور، لايستطيع أحد ممن حوله التنبؤ بسلوكياته أو قراراته، يتحول الى كتلة متحركة من الاضطراب واثارة المشاكل وربما الأذى لمن حوله خاصة المقربون منه جدا، يخاصم النوم جفونه لايام، وان عاد يكون مضطربا كابوسيا غير محتمل. لايعتقد في نفسه على الاطلاق انه في حاجة الى مساعدة اختصاصيين، بل يحتاج فقط الى حبات قليلة من المهدئات أو المنومات تصل به الى النوم المريح، لكنه لايرتاح، يستمر في البحث بنفسه داخل الصيدليات، يستشير اصدقائه المقربون وغير المقربين، يتعاطى اصناف كثيرة من الادوية، يستمر في رحلة البحث عن الراحة والهدوء والسلام النفسي في المخدرات والحبوب والكحوليات، أخيرا يعثر على ضالته، يستكشف بالصدفة المادة التي هدأت من توتراته وقلقه وجعلته ينعم بقسط معقول من الراحة. يقبل عليها بشغف، يتكرر استخدامه لها، هذه المادة لها خصائص ادمانية مؤثرة في الجهاز العصبي، تعاطيها المتكرر يظهر له صفاتها الادمانية، صفة التحمل، حيث يكتشف ان المادة تسحبه الى تعاطي المزيد من جرعاتها مع مرور الوقت لكي يحصل على ماكان يحصل عليه في السابق من تأثيرها الذى حقق له الراحه والسلام النفسي، ثم صفة الاعراض الانسحابية حيث يكتشف انه اذا تأخر عن تعاطي الجرعة المطلوبة أو اضطرته الظروف الى تأخر الحصول عليها ليوم أو يومين يمرض جدا، ويدخل في اعراضها الانسحابية النفسية والجسدية المعروفة لذا يجب عليه ان يحصل عليها فورا لكي يعالج هذا المرض ويستعيد اتزانه وينصلح حال جسده المريض. في هذه الحالة نقول ان هذا الشخص قد سقط في فخ الادمان رسميا.