قراءة في رواية” طيور المساء” للكاتبة: أسمهان خلايلة، 2021، دار الهُدى للطّباعة والنّشر كريم – كفر قرع

بقلم: رفيقة عثمان أبوغوش

صدرت رواية “طيور المساء” للكاتبة أسمهان خلايلة، وصمّم الغلاف الفنّان مبدأ ياسين. احتوت الرّواية على مائة وثمانٍ وخمسين صفحة من القطع المتوسّط.
طغى على ألوان الغلاف اللّون البنّي، الّذي يرمز إلى لون التّراب والأرض، واللّون البرتقالي يملأ الفضاء، بلون الغسق؛ ظهرت رسمة لضريح وعليه شاهدان، تنبت عليه شجرة متفرّعة الأغصان، كذلك تنبت نباتات حول الضّريح؛ وأمام الضّريح تقف امرأة مسنّة بزيِّ فلسطيني، ذات الثّوب المُطرّز بالتّطريز الفلّاحي، وغطاء الرّأس الأبيض، تحمل عصًا في يدها اليُسرى، ومفتاحًا كبيرًا معلّقًا بيدها اليُمنى.
دارت أحداث الرّواية حول “مذبحة كفر قاسم” في التاسع والعشرين من تشرين الثّاني لعام 1956، وذلك تزامنًا مع العدوان الثّلاثي على مصر؛ حيث تمّ إعدام تسعة وأربعين شخصًا (رجالًا ونساءًا) من أبناء القرية بدمِ بارد، عند عودتهم من العمل في المساء، وارتقوا إلى السّماء.
اختارت الكاتبة، عنوان “طيور المساء” عنوانًا مجازيًّا، فالطّيور ترمز للشّهداء الّذين ارتقوا بالمساء وزُهقت أرواحهم، وصعدت إلى السّماء.
ساهمت لغة الكاتبة الجميلة والسّهلة، في السّرد الجميل وإضافة عنصر التّشويق لهذه الرّواية؛ على الرّغم من المبالغة في استخدام اللّهجة العاميّة، والّتي حضرت؛ للتّعبير عن المواقف المختلفة للمُتحدّثين، مثل الجنود اليهود عندما استخدموا كلمات عربيّة مكسّرة مثل: روخ بيت وإلى آخره، بالإضافة للّهجة المحكيّة لأهالي كفر قاسم، والّتي تُميّز لهجتهم العاميّة بالذّات.
برأيي الخاص، أفضّل استخدام اللّغة الفُصحى في أغلبيّة الرّواية؛ ليفهمها القارئ من خارج فلسطين خاصّةً من الدّول العربيّة المختلفة، ومن المهم نشر هذه الرّواية وتعميمها على العالم بأسره.

أبدعت الكاتبة في وصف المأساة والمذبحة، ومعاناة الأهل جرّاء ارتكاب هذه الجريمة البشعة، كذلك أبدعت في وصف ردود فعل الجنود بعد تنفيذ عمليّتهم النّكراء؛ بالتّعبير عن فرحهم وضحكاتهم، والتّنكيل بالجُثث تنكيلًا مقزّزًا تقشعر لها الأبدان.
برزت الفكرة الرّئيسيّة للرّواية، وهو خلق حدث مُفرح في ذكرى المذبحة؛ باقتراح أبي فارس، بإقامة أفراح جماعيّة في ذكرى خلود شهداء المذبحة، في ساحة القرية وأمام النّصب التّذكاري لهم. هذه الذّكرى تُخلّد أسماءَهم، وبنفس الوقت تغرس الفرح في قلوب الأبناء والأحفاد، وهذه رسالة لهم بأنّ الحياة والفرح مستمرّان رغم الألم والفُقدان. كما ورد صفحة 147 “بعد اليوم، لن نحيي ذكرى المجزرة بالبكاء والرّثاء، ولن نتذكّر شهداءَنا بالدّموع فقط، بل سنمضي قدمًا في طريق الحياة، فها هم أولاد الشّهداء وأحفادهم يحملون أسماءهم ويسيرون على دربهم؛ وهم شباب وعرسان يستحقّون أن نزفّهم ونفرح بهم”.
ظهرت العاطفة بالرّواية، مشبّعة بالحزن والألم والفُقدان، عاطفة مشحونة بالخوف والتّرقّب؛ عاطفة الانتماء للأرض والتّمسّك بها، مهما كانت محاولات الإبعاد والتنكيل. برزت عاطفة الفرح الممزوجة بالحزن معًا، كما بدت عندما أقيمت الأفراح الجماعيّة تزامنًا مع ذكرى المجزرة. لم تخلُ الرّواية من عاطفة الحب والعشق المُتبادل بين الجنسين.
اختارت الكاتبة عددًا محدودًا من الشّخصيّات مثل: فارس الباحث – السيّدة المُسنّة هناء – والد فارس السيّد مروان المُعلّم ورئيس نقابة المُعلّمين – أم فارس مريم. هذه الشّخصيّات حرّكتها الكاتبة خلايلة؛ بهدف تحريك أحداث الرّواية، من خلال الحوار العادي والحوار الذّاتي.
كانت بطلة الرّواية السيّدة هناء؛ الّتي سردت أحداث الجريمة على لسانها كراوية للاحداث بدقّة؛ وكشاهدة عيان للمجزرة؛ لنجاتها من بين الضّحايا المتراكمة جثثهم فوق بعضها البعض.
من المُمكن تصنيف هذه الرّواية كرواية واقعيّة – تأريخيّة، أو تحت مُسمّى السّيرة الذّاتيّة والسّيرة الغيريّة.
استعرضت الكاتبة أسمهان، عددًا لا يُستهان به من الأغاني الشّعبيّة المُستخدمة في الأفراح، والأحزان، والطّهور؛ ممّا أضفت تشويقًا ومتعةً مُميّزة، أثرت متن الرّواية بمصداقيّتها. مثل: “طالع من الحمّام وعيونه مكحولة – غسّلوا الغالي بالرواق العالي – عدّولو إمّو وتصيح يا ناري – الدّار داري والعلالي قبالي”. صفحة 8؛ كذلك ” جفرا ويا هالرّبع ريتك تقبريني – وتدعسي على قبري ويطلع ميرميّة” ص56. ” عالطّريق يا زارعات النّعنع ع الطّريق عبدالناصر يا زعيم وبحق وحقيق” ص 73. كما ذكرت الكاتبة بعض الأهازيج الشعبيّة الفلسطينيّة الّتي تردّدها النّساء أثناء طهور الأبناء كما ورد صفحة 83 ” يا مطهّر الصّبيان يا قاعد ع السّنسول لا توجع فارس محبّة الرّسول – خالتي يا اخت امّي خبّيني بالخزانة وإن سأل المطهّر قوليلو في الدّيوانة – خالتي يا اخت امّي خبّيني في العليّة – وإن سألك المطهّر قوليلو بالمُقريّة ( مكان قراءة القرآن).
وردت أيضًا أمثال شعبيّة فلسطينيّة أيضًا مثل: “هربنا من تحت الدّلفة لتحت المزراب” صفحة 71، “الدّار دار ابونا وأجو الغرب طحونا” صفحة 75 ” شو اللي رماك عالمر؟ إلّي أمر منه” صفحة 94. ووردت أمثال عديدة أخرى بالرّواية.
برأيي اكتملت أحداث الرّواية لغاية صفحة 152 ، عندما انتهى الغناء والرّقص أثناء تخليد ذكرى المجزرة؛ إلّا أن الكاتبة أضافت حدثين إضافيين؛ لم يضيفا قيمةً أدبيّة هامّة للرّواية، بل على العكس خفّفت من وطأة الأحداث السّابقة والمشحونة باشعور بالوطنيّة والألم. الإضافة الأولى الّتي سردتها الكاتبة: عندما اعتلى المنصّة أحد أصدقاء أبي فراس – السيّد مروان؛ قائلًا في خطابه: ” نعم للتّعايش العربي اليهودي، نعم للعيش بأمان دون كراهية وعنف، نعم لنبذ العنصريّة، لقد جاءت قوى السّلام للتّضان معنا، وتشاركنا فرحة أبنائنا”.
بينما الإضافة الثّانية: كانت عندما ذكر السيّد مروان بخطابه مرحّبًا برافضي الخدمة العسكريّة، كما ورد صفحة 145 “ولا يسعني الآن، إلّا أن أرحّب بإخوتنا رافضي الخدمة العسكريّة في الأراضي المُحتلّة. قد رفضوا الذّهاب إلى حرب لا يعرفون لها سببًا سوى حب الجنرالات للبطش والقمع، الجنرالات الّذين يدارون ذلّهم، بإذلال شّعب تجذّر في أرض آبائه وأجداده”.
برأي الشّخصي، حبّذا لو توقّفت الكاتبة عند سردها لأحداث مجزرة كفر قاسم، وأنهت روايتها دون الإضافتين المذكورتين أعلاه.
ظهر في متن الرّواية بعض – موتيفات – مثل: “أي ذنب كبير عند الله اقترفناه؛ ليحدث لنا كل هذا؟؟” ص 138كذلك كما ورد ص 122 ” ما الّذي اقترفناه بحقّهم؟ يقتلون النّاس، النّساء والرّجال. الّذين يكدحون من الفجر حتّى غروب الشّمس في مستوطناتهم”. هذه الموتيفات تدل على أهميّة تكرارها؛ نظرًا لأهميّتها ووقعها في نفس الكاتبة، وتقديرًا لهول المشاعر الأليمة بالظّلم والقهر.
لغة الرّواية سهلة وسلسة، وتعتبر الرّواية توثيقًا غنيًّا للتراث الفلسطيني الشّعبي في الغناء والأهازيج والأمثال الفلسطينيّة القديمة.
اختارت الكاتبة بأن يكون إحياء ذكرى مجزرة كفر قاسم، بإقامة أفراح جماعيّة لأبناء القرية؛ برأيي من الصّعب دمج مشاعر الفرح مع مشاعر الحزن في آن، والأفضل منح كل مناسبة بما يليق بها من مشاعر خاصّة، والتّمييز بين المشاعر، وإعطاء كل مناسبة حقّها من المشاعر. الفرح لماسبات الفرح، والحزن لمناسبات الحزن. إنّ خيال الإنسان وتفكيره كفيلان باختيار الفعاليات المناسبة؛ لإحياء الذكرى المأساويّة لمجزرة كفر قاسم؛ تمجيدًا وتخليدًا للشّهداء الضحايا.
خلاصة القول: رواية “طيور السّماء” تعتبر رواية تأريخيّة واقعيّة، لمجزرة، تعرّضت لها مجموعة كبيرة من الأشخاص في كفر قاسم؛ ومن الجدير توثيقها وأرشفتها؛ لتنتقل للأبناء والأجيال القادمة؛ مع مراعاة التعديلات اللّازمة والمذكورة سالفًا.
تمّت بحمد الله