الجمعة. يونيو 18th, 2021

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

قراءة في مذكرات عميد الاطباء الدكتور مصطفي – دموع وضحكات

1 min read

بقلم دكتور محمد السيد حسن – شموس نيوز

تصفحت دفتر ذكريات الحبيب الغالي الشهيد د مصطفي وقلما كنت افعل ذلك كان لابد أن أتهيأ نفسيا لقراءة مأساة إغريقية فلا بد من الصبر والتجلد ولابد من قراءتها في حالة وجدانية خاصة احتراما وتقديرا لصاحبها وانحناء لبراعة ما يكتب وما يسيل علي الاوراق من فكر راق واسلوب يأخذ بالألباب وصياغة أدبية معجزة ثم حجم ما أطالعه من دموع وآهات لأحب الناس وأقربهم إلي قلبي .

كان الفصل الذي وقعت عليه عيناي بعنوان دموع وضحكات وللحقيقة فاننى لم أجد فيها إلا دموعا غزيرة أما الضحكات فكان مبعثها استهزاؤه وسخريته مما لاقاه في حياته القصيرة التى انتهت بفاجعة

يقول : فوجئت ذات ليلة بأن السيدة ف قد فقدت وعيها وكانت تهذي بكلمات غير مترابطة وحروف مبعثرة .عندها اكتشفت أننى قد نسيت الطب تماما ولم أذكر منه إلا ما يفعله عامة الناس من وضع الماء علي وجهها ومحاولة النداء عليها علها تجيب وأضع المعطر علي أنفها ، كنت اتصرف كرجل من عامة الناس لا يعلم من الطب شيئا وأمسكت بالهاتف لأتصل بأحد زملائي أو تلاميذي فلم استطع ان ابحث عن الاسم الذي أريده وسمعتها تئن أنينا موجعا فألقيت بالهاتف وجريت نحوها ..لم تسعفنى دراستى وممارستى للطب أن أقيس لها الضغط مثلا أوأبحث عن العلامات الحيوية لكى أقيم حالتها مثلما نفعل ..كل ما كان يدور في خيالي أنها قد تفيض روحها بين يدى وظللت أبكى بجوارها كالطفل الرضيع وقمت فأحضرت عصيرا وحاولت إعطاءه لها كما تفعل السيدات اللاتى لم يتلقين تعليما مع اولادهن وفجأة بدأت السيدة ف في القيء المتكرر وبعدها بدأ وعيها يتسرب اليها رويدا رويدا بدون أي تدخل من عميد الأطباء الذي نسي كل ما درسه ومارسه ..وظللت أحتضنها في حنان وأربت علي خدها وشعرها وأقرأ لها ما تيسر من القرآن الكريم وعادت بعد نصف ساعة إلي كامل وعيها واتضح بعد ذلك أن الاغماءة كانت من اسرافها في أخذ المنومات فقد كان نومها مضطربا مثلي ولكنها كانت جريئة إلي حد الحماقة في تناول الأدوية مهما حذرتها ..بعدها تداركت ما حدث وشرحت لها ما دار في غيبوبتها وكيف أننى لم أفعل لها شيئا فأيقنت بذكائها المعهود أن هذا مبعثه الحب الجارف والخوف المريع عليها فظلت تقبل يدى ورأسي وكانت آثار الدموع لا تزال عالقة بجفوني فمسحتها واحتضنتنى كما تفعل الام بوليدها ..

اليوم أتذكر ما حدث وأسخر من نفسي وأسألها هل كانت (ف ) تستحق هذا الطوفان من الحب والهيام الذي ينسيني مبادئ الطب ..ثم أبكى علي حالي وعلي رقة قلبي ..واتعجب كيف تواتيها الجرأة بعد سنوات أن تطعننى تلك الطعنة الغادرة ..كيف يستطيع بعض بنى البشر أن يتناسوا حرقة أحبابهم عليهم وينكلوا بهم ابشع تنكيل بلا شفقة ولا رحمة

**************

حينما أجري لها عملية جراحية في أرقي مستشفي في طنطا وكان الجراح الذي يجري الجراحة ترتعد فرائصه خوفا مني وهلعا لاجرائه جراحة لزوجة عميد الأطباء وظللت أمازحه وأضحك معه واهون عليه الأمر وتمت الجراحة بنجاح وأخذتها معي إلي بيت الاسرة وكنت كلما نظرت الي اكياس الدم المتصلة بتجويف البطن أشعر بأسي ومرارة وأخرج من عندها سريعا وفهمت هي ذلك فكانت تتفنن في إخفاء أكياس الدم عند زيارتي لها .وكان الطبيب يزورنا للاطمئنان عليها وقد حدث ذلك كثيرا فقد كان الاطباء الكبار هم الذين يأتون الينا إكراما لصديقهم وكبيرهم.
أسأل نفسي الآن هل يكون القلب المفعم بالحنان والمودة والعشق مسرحا لابشع جريمة خيانة تتم مع حبيب يذوب قلبه اشفاقا علي من طعنته .

***************

حينما جاء أخوها الديوث من تركيا في احدي أجازاته الصيفية وأحضر لها هدية حقيرة بينما أحضر لزوجته هاتف آي فون (four) وشعرت ليلتها بالأسي يغمر وجهها من التفاوت الرهيب بين هديته لأخته وهديته لزوجته ..فقمت بتوبيخها وطلبت اكبر محلات الموبايل في طنطا وهو محل (عالم الموبايل) وكان يعرفنى جيدا وسألته هل وصل إليكم هاتف آي فون five فقال لي لم يصل ولكننى يمكنني احضاره من القاهرة في خلال ساعات قليلة فقلت له : ابعثه لي علي وجه السرعة وبعد ساعات قليلة وصل الهاتف وأخذته معي وأصبح لديها هاتف أحدث مما تحمله زوجة أخيها .

*****************

أكثر ما يضحكنى حتى الثمالة وأتمايل تعجبا ودهشة من تصرفاتى أنا وليس من شخص آخر أننى كنت أشرح لها علم التجويد لكى تقرأ القرآن الكريم قراءة صحيحة.وكانت قد اوشكت علي الانتهاء من قراءة حفص عن عاصم
قلت لها ذات يوم ان مشايخنا وسادتنا يعرفون علم التجويد بأنه علم اعطاء كل حرف حقه ومستحقه ..ومع احترامى الشديد لهم إلا أننى أري أن هذا التعريف أبعد ما يكون عن الحقيقة ..فهناك حروف لا تأخذ حقها علي الاطلاق وهناك حروف تقلب إلي حروف أخري وهناك حروف تتعرض للاخفاء فطلبت مني التوضيح .فقلت لها حرف النون الساكنة أذا جاء بعده حرف من كلمة (ينمو) فإنه يتم إضغامه في الحرف الذي يليه مع الغنة ..فإذا قلنا (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) فالنون في كلمة من يتم اضغامها في الحرف الذي يليها وهو الياء مع الغنة وهنا لن تسمع لحرف النون أثرا .
وإذا جاء بعد النون الساكنة حرف الباء فانها تنطق ميما وهذا يسمى الاقلاب مثل قوله تعالي ( قالت من أنبأك هذا ) فالنون الساكنة في كلمة أنبأك تقلب ميما لان بعدها حرف الباء.
وهناك الاخفاء والاضغام بغير غنة وغيرها من القواعد التى تبين تهافت المقولة التى تدعي ان التجويد اعطاء كل حرفه حقه ومستحقه فهذا تعريف فاسد ولكن ينبغي أن نقول ان علم التجويد هو علم قراءة القرآن علي طريقة خاصة كما أنزل علي قلب سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وهذا علم يعطي لكل حرف وضعا خاصا حسب موقعه في الكلمة او في الجملة ولا نزيد علي هذا التعريف حرفا.
ردت علي السيدة ف قائلة : كلامك منطقي تماما ولكن رجال الدين لن يتركوك في حالك إذا سفهت مقولاتهم فقلت لها المهم أن يرضي ربي عن غيرتي علي قراءة القرآن بطريقة صحيحة

حينما استعرض المجهود الذي بذلته معها في شرح التجويد وأتذكر سفرها مع عبده بساريا الي المطعم الشهير اكتشف كم كنت مغفلا ساذجا .كيف لم اهتد الي ان هذه السيدة لا تتلائم مع هذا العلم العظيم ..يكفيها ان تتفرج علي المسلسلات الغرامية .
ثم أخاطب نفسي ضاحكا مستهزئا وأقول لها : تجويد ! تجويد ! تجويد يارجل انت في غيبوبة كمن ذهب الي مسرح فكاهي وبدأ يتلو القرآن الكريم ثم اسخر من نفسي قائلا مرة أخر تجويد .،تجويد يا مصطفي …ومع من ؟ مع رفيقة عبدة بساريا ..يالك من مغفل انتظر طويلا في غيبوبة عميقة ..
*****************

حين تم اجراء جراحة لي لاستئصال المرارة قررت أن أجريها في القاهرة ولم أخطر ( ف ) بذلك واصطحبت أختي التى تكبرنى سنا معي الي القاهرة حتى لا يغيب عمر عن مدرسته لانشغال والدته معي وأجريت العملية ودخلت عليها وقلت لها لقد استأصلت المرارة فغضبت فشرحت لها حقيقة ما أريد.

****************************
اتممت قراءة مذكرات العميد ودمعت عيونى لقد كان رجلا من زمان غير هذا الزمان وحزنت عندما تذكرت قول المولي عز وجل ( وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ).