بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

قراءة لرواية (إيقاع الموج والزبد) للقصاصة والروائية “آمال الشاذلي” “تكنيك العنوان”

1 min read

قدمت لي المؤلفة روايتها رسالة دواء ورحمة، مُغلفة بغلاف من المودة الأدبية والنقدية..
لم أقرأ للمؤلفة أي من مجموعاتها.. عرفت فقط أنها تكتب الرواية للمرة الأُولى.. ومع ذلك أنا أجدها أجادت كتابة عملها بجودة عالية بالنسبة لأول مرة.. وبرغم أنها قصاصة بالمقام الأول فإنها حينما كتبت الرواية كتبتها بالإخلاص للنوع الأدبي، حيث تخلصت كثيراً من الأسلوب القصصي، وكتبتها بروح الرواية.. وإن لم تتخلص من حس القصص القصيرة جداً المُسيطر عليها، والتي قدمت كل فصل بواحدة، غاية في الإبداع والموهبة..
فنجد أننا أمام مزج مُبدع بين القصص القصيرة جداً، والرواية.. والفرق شاسع بينهما.. ولكنها بمهارة دمجت بينهم، وبرعت في تسخير موهبتها في القصة القصيرة للتقديم لفصول روايتها، فكأن المعين يستمد من نفس المصدر احتياجاته الحياتية/الفنية…
وهذا ما يختلف من السائد لبعض الكُتب التي يحتاج كُتابها للاقتباس من معين آخر وموهبة مختلفة، فنشعر بالاهتزاز اتجاه موهبته، فرأيي أن الأديب الحقيقي مَن يجد في موهبته المدد والمعين الذي يسد جميع احتياجاته الفنية لإبداعها في شكل ومحتوى أدبي كامل مُستقل بنفسه، يتلقاه المُتلقي، فلا يخرج عن عالم الكاتب الفني والإبداعي..

اللغة..
سهلة رقراقة، ملفوفة بقطع من الحلوى الأدبية، والخيالات الشِعرية، والاستعارات الكونية، حيث أنها تستعمل كل التشبيهات المُستوحاة من الطبيعة أو المواقف والأشكال الإنسانية، أو الأدوات أو الجماد، أو الأنسنة…
لديها موهبة عالية جداً في استعمال التشبيهات، لتُقرب المعنى، وتزيدنا إمتاعاً بمقابلاتها التشبيهية أو الاستعارية، والرواية زاخرة للغاية بهما، منها على سبيل المثال:
(عينا طبيبي صحراء قاسية، شاشة مُعتمة)
(إذا ما آلمتك ساعات النهار، ونهشتك الوحدة، املئي القلم بمداد الماضي، اغمسي سنه وانطلقي عبر براري الصفحات البيضاء، انثري ألمك عليها)
(سرعان ما أضرم النهار النيران بأطراف الليل، فمرقت ساعات النوم لاهثة كأن هناك مَن يتعقبها. نهضنا بعد معركة كاد يهزمنا فيها النوم)

العنوان.. إيقاع الموج والزبد.. وعلاقته بالتكنيك..
ساعدني كثيراً على فهم تكنيك الرواية، وهو عنوان ذكي جداً..
لم تُطلقه واصفاً للأحداث، أو للتلميح لمعاني خاصة بالبطلة.. ولكنها أطلقته عنواناً لتكنيكها الذي اتبعته في السرد، فطريقة السرد إيقاع للموج الذي يُقبل على الشاطئ، وينهمر عليه، وإيقاع للزبد المُتخلف عن الموج، يبقى وهلة على الشاطئ، ثم ينسحب عائداً إلى الموج..
وهكذا إيقاع متكرر لا يكل، ولا يخفت..
فهناك علاقة تعاطي، وعملية تبادل، وتكرار…
إذا طبقناها على نسق الرواية.. فهي بغض النظر عن الفصل الأول أو الأخير الغير معنونين بـ (ومضات من الماضي) أو (سطور من الحاضر).. سنجد أنها واقعة بين إيقاع زمني بين الماضي والحاضر، حاضر فماضي، موج فزبد، حضور فغياب، ذاكرة فنسيان..
ـ ولعل من الطرافة أو من المُلفت أنها تعرضت للبحر عابراً في سطرين في الرواية كلها، برغم أنها نوهت عن وجودها في الإسكندرية، مدينة البحر.. ولكنها أوحت إلينا بجو المكان العام في الرواية من خلال العنوان بشكل رئيسي، ثم بلمحات عن أسماء مشهورة لأحياء في الإسكندرية، وكذلك من قبل في الإهداء: (إلى كل موجة لثمني رذاذها).. ولكنها لم تُوغل في ذلك، حيث سيطر الانعزال الداخلي على الأحداث، وذابت في ذكرياتها عن عائلتها على مر السنين/الرواية..
ـ كما أنها جعلت البطل في الرواية هو الزمن ببُعديه الماضي والحاضر، لأنها كرست لهما في العنوان.. كما قلنا موج وزبد.. وإن كانت ركزت على الإيقاع السردي في زمن الرواية.. بل إنها كرست لهذا الإيقاع في البداية والنهاية..
سنجد أن المؤلفة بدأت الفصل الأول بدون تنويه عنه، إذا كان في الحاضر أم في الماضي.. فتركت الجزء العلوي خالي من التنويه لأي إيقاع سيدخل المُتلقي.. لتؤكد على هذا المعنى، أن الحياة هي إيقاع بين الماضي والحاضر، سيظل حتى ما لا نهاية، أو أنه سيتكرر باستمرار ويدور في ترس الزمن..
وهي قد لمحت عن هذا المعنى عندما قالت في كلمات مُفعمة بحكمة العالم الواعي الفطن:
(انتهيت من عدة وريقات ينبضن بالماضي المراوغ، فما الماضي؟، كتابة تلك الوريقات صارت ماضياً، طرح هذا السؤال طوته آلة الزمن العملاقة، فصار زمن طرحه في الماضي. فما الحاضر إلا لقمة سائغة لينة لا تلبث أن تبتلعها فوهة الماضي النهمة لكل آن.)
هذه هي الفقرة المحيطة لتقنية السرد، الشارحة للعنوان..
ـ تبدو الرواية كسيرة ذاتية لأنها كتبتها بأسلوب المذكرات، سريعة الإيقاع، الذي يُحيلنا إلى إيقاع الموج والزبد.. قصة بهيجة حمروش منذ أصول أجدادها وحتى عودتها لرأب صدع ما تبقى من عائلتها، وهو تناسب مُبدع.. إذ أنها تُكرس لمعنى العائلة في حياتها، فهي التاريخ، وهي التي تمنح الإنسان قيمته، وتُلبي حاجته للاجتماع والاستئناس بعيداً عن الوحدة والاستوحاش.. وطوال الرواية تبحث بهيجة عن قيمة الاستئناس.. في قطتها، في عائلتها المفقودة، في أيمن، في حسين، في أطبائها، في هناء بسيوني..
تبدأ الرواية من نقطة الحاضر، ولكننا نكتشف في النهاية أن نقطة الحاضر التي بدأت بها ما هي إلا ماضٍ تقرأه هناء بسيوني، فلقد قالت هناء:
( هرعت لنجدته تاركة لي مدوناتها لأشعر من خلالها بعبق أنفاسها يُعيد إليَّ الحياة كما تسللت. )
فالحاضر أصبح من الماضي، وبهيجة كانت تكتب يومياتها باستمرار كعلاج مثالي توافق مع شخصيتها وحاجتها لملئ فراغها ووحدتها، وهي لم تكن تكتب عن الماضي فحسب، ولكنها استطاعت أن تجد حاضرها وذاكرتها بالنبش في الماضي، فعندما كتبت عن بدايتها وماضيها، استطاعت تلقائياً فيما بعد أن تُكمل مسيرتها في الكتابة فكشفت عن حاضرها المتواري، وبان لها ولنا فيما بعد، ثم أصبح هو أيضاً جزأ من الماضي، ولكنه بات في الذاكرة جلياً مُستقراً، وهي قد نوهت لذلك في منتصف الرواية حينما قالت:
(كان السائق شاباً لطيفاً خفف عني وطأة الحرج، فعاد بي إلى نقطة الصفر، تلك النقطة التي نُولد عندها ثم يُخيل إلينا أننا قد غادرناها إلى دنيا أعمق وأرحب، فإذا بنا نؤوب إليها صاغرين لا نملك سوى راية بيضاء نُلوح بها عالياً، حتى تتهدل أذرعنا ونعجز عن رفعها، عندها يطوينا الصفر تماماً، فبدايتنا ونهايتنا منه وإليه، من تراب وإلى تراب.)
وهكذا ساعدها الطبيب من قبل بالصفحة الثانية من الفصل الأول الحاضر/الماضي، بأن اقترح عليها كتابة ما يؤرقها، كعلاج لحالتها، قائلاً لها:
(عليكِ بتدوين ما يؤرقك، إذا هاجمك الأرق ونهشتك الأفكار ما عليكِ إلا أن تدوني ما يجول بسراديب العقل، وإذا ما آلمتك ساعات النهار، ونهشتك الوحدة، املئي القلم بمداد الماضي، اغمسي سنه وانطلقي عبر براري الصفحات البيضاء، انثري ألمك عليها )
كذلك فالفصل الأخير من مذكرات بهيجة ليس عليه تنويه للحاضر أو للماضي، لأنه قد يعني الحاضر والماضي سوياً في ذات الوقت.. فهو الحاضر بالنسبة لبهيجة، وهو الماضي بالنسبة لهناء..
ـ وأعتقد أنه لم يكن عليها أن تضع تنويهها بالماضي أو الحاضر في كل الفصول.. فقد نعتبرها كلها ماضي وحاضر في ذات الوقت.. أو أنه ماضٍ بعيد وماضٍ قريب.. فلا وجود للحاضر إلا مقدار حبةٍ من خردل أو أقل.. فالحاضر ما هو إلا لحظة، أما الماضي فهي كتل حاشدة من اللحظات المتراكمة..
ـ أرى أن هناك تماثل وتشابه شبه متطابق مع حياة بهيجة وحياة هناء، للدرجة التي لم أستطيع التفريق بين نشأتهما والحادثتين اللتين ألمت بهما، فهذه نجت من النار ودمارها، وتلك نجت من انهيار العمارة وردمها، وكلاهما عانيا أشد العناء من الفقدان، واليُتم.. وكأن بهيجة أرادت أن تُعوض هناء يُتمها التي عانته وهي صغيرة، وكابدته وهي كبيرة.. فعلت ذلك كما فعل معها عمها وزوجته وأولادهما..
ـ والسؤال الذي يلح علينا الآن.. هل فقدت هناء بهيجة كما فقدت بهيجة عمها وزوجته وأولادها من قبل ؟..
ونستطيع أن نقول أن بهيجة هي الماضي، وهناء هي الحاضر.. والحاضر يمضي، ويُعيد إيقاع الموج والزبد.. بلا توقف..
وإذا كان الزمن ماضٍ وحاضر.. فذاكرة الإنسان تسجيل وذكريات.. تسجيل للحاضر، واختزان للماضي.. وهذا هو حال الوعي الإنساني.. والذي تورطت فيه بهيجة، فلم يعد لها غير الذكريات، في حين أن حاضرها فارغ كالفضاء، فاحتاجت أن تملئ حاضرها بالذكريات لتستعيد حاضرها، فلحت بشكل محدود، فاستعانت بحاضرها نفسه ليؤمن لها حضور حاضرها ومستقبلها معاً..

ـ الرواية أبرزت حالة إنسانية مخلوطة بفلسفة دنيوية عميقة محورها أن الحياة منفعة متبادلة بين الناس بعضهم ببعض..
وتطرقت كذلك فيها لمواضيع سياسية عديدة، وقامت بمقابلات بين زمني السادات وعبد الناصر، وقارنت بينهما في إطار الإيقاع السردي بين الماضي والحاضر..
ويُحمد لها حياديتها، وقد عبرت عن ذلك بجملة مهمة أطرت لها فيها:
(لم أكن أهوى السياسة ولا أتابع أخبارها، لكنها كالرمال الناعمة سحبتني إليها منذ استشهاد أيمن وما أعقبه من زلزال سحقت سنوات العُمر وأحالتها إلى رماد.)
ولعلها تنوه باستشهاد أيمن عن ذكرى النكسة في عهد عبدالناصر، ما أعقبها من هزائم معنوية ومادية في جسد مصر..
كذلك جملة أُخرى أكدت فيها على حياديتها:
(خرجت من عيادته مشوشة، غير منتمية لفكر، غير مؤيدة لرأي، كأنني سفينة ورق تتناوبها الأنواء، كأن دفقة ضوء قوية سلطت على عيني فأفدتني الإبصار.)
وبرغم هذه الحيادية التي صرحت بها أكثر من مرة، فهي لم تشأ أن تعطي انطباع للمتلقي عن اعتناقها مذهباً معيناً، ولكنها في ذات الوقت اختارت الآراء السياسية المُرجحة على لسان شخصياتها، مثل الطبيب، ورأيه في معاهدة كامب دافيد.. أو أشارت إشارات موحية في سياق تاريخي مُشابه، وتساءلت أسئلة مُوحية تدعنا نُفكر واعين لإيحائها الوجيه..

ـ أعتقد أن المؤلفة لعبت بالزمن، وهي تيمة سائدة حالياً، ولعبة يهواها الكُتاب المُحدثون.. وهي جزء من تطور الأدب بشكل عام.. فالزمن أصبح مسألة مُحيرة أكبر من حكمة الفيلسوف، وفهم العالِم، وإبداع الفنان.. الزمن يحوي بداخله كل ألغاز الدنيا، وهو بأبعاده يُثير الفضول للبحث عن أسراره العظيمة..

الطباعة..
في الحقيقة الطباعة كانت تحتاج لتنسيق أجود، إذ فقدت كثير من التنظيم والترتيب.. فقد تداخلت فقرات مع فقرات، وسطور مع سطور بدون فواصل أو نقاط انتهاء للجُمل والفقرات.. وتباعدت أجزاء من الجُمل عن بعضها…
وأجد أن رواية بمثل هذا الإبداع المتميز يستحق اهتماماً أكثر في تنسيق شكله ومضمونه، وهذا مما يؤسف له في مطابعنا الأدبية.
عُمر أحمد سُليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.