بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

قصــة قصيرة (على ضفافِ الهاوية )

1 min read

بقلم فادية عريج – سوريا

تسَمّرَتْ عيناها بوجهِه الشَاحبِ وشعره الأبيضَ المَشوبِ بالسّوادِ
وسيجارته التي يتململُ دُخانها كالثّعبان.
تحتسي الأملَ الأخير فيه مع القهوة التي قدَّمَتْها له على طبقٍ مُزينٍ بزهورِ اليَاسمين، حَـدجَها بنظرة ساخرة قائلا:
أنتِ كالأطفالِ بوضعِـكِ الزّهرَ حَولَ الفناجينِ.. ما يعني هذا؟!
تسْتمعينَ للموسيقا على وقع المطر وتتأملين مليــاً هذا الجماد القمرَ، وتكتبينَ له الأشعار والعِبَــر! كالمَجانين أنتم معشرَ الشُّعراءِ.
لمْ تَـنْبِسْ بِبِنتِ شفة، لقـد أرهَـقَتها سُخريتُه المعهودة، وكأنَّها اعتادتْ على ما لا تحبُّ من تصرُفاتِه وأقوالهِ الجارحة طوال السّنين.
خَـيمَ الصّمتُ بينهما، وأسدلَ الحزنُ ستائره على شُرفاتِ القلب من جديد، صار رفيق دربها صار صديقها الأنيق.
لأنَّها امرأةٌ شرقيةٌ بكلِّ ما تَـعنيهِ الكلمةُ من مَعانٍ إيجابيةٍ أو سلبيةٍ، ولأنّها مؤمنةٌ أنّ المرأة يجب أن تستوعبَ زوجها بكل ظروفهِ وطباعِه، هكذا عَـلمَتْها جَـدتُها وأمّها فسارت على دربيهما في حياتِها الـزّوجية.
رغمَ أنّها تمتلكُ المفاتيحَ التي تُخرجُها من الدائرة المُفرغة، لكنّها لم تفكر يوماً في هذا الخروج، ليس خنوعاً، إنما الطّيبة والإخلاص والوفاء طبعها. كم هو مؤلم أن لا يحب المرء نفسه كما يحب الآخرين..
هذا الصَّمتُ الرّهيب يُشعرُها بالوحدةِ القاتلةِ مع أقربِ النّـاس إلى قلبِها؛ فعمَدتْ إلى افتضاضِه ومسحت بكفها على رأسه وقالت مُمازحة:
لا عليك لنْ أضَعَ الزُّهورَ مرةً ثانيةً على أطباقِ فناجينِ القهوةِ، ولنْ أُغازِلَ القمَـرَ وأنتَ موجود.. أ تغارُ من القمر يا قمري؟
أمسك بكفِـها ورفعها عن رأسه وقال ساخراً: ما أهضمك، أنا لستُ طفلاً أمامك لتردي بهذا الأسلوب!
كانت كلماته كالصّاعقة، هي تريدُ حبّاً، حناناً، اهتماماً، لا أكثر.
أرادتْ بقولِها مُلاطفته وتغير الأجواء المشحونةِ بينهما بلا سببٍ وجيه، أرادت بث الدّفء في مواقده الخامدة، مواقدٌ تذرو رمادا ثقيلا في مُقلِ رّوحها، أرادت تذويبَ صخورِ الجليد برحيقٍ من بنفسجِ قلبها الحزين، لكنها صُدِمَت بأسوار الجفاء كالعادة.
حينها أخذتِ الأسئلةُ تطوفُ مُخيلتها كالعصافير الحائرة:
لماذا كلُّ لُغاتي الجميلة معهُ تعودُ إلى بيادري يتيمةً؛ تحملُ طيورَ الخيبةِ وبذور اليأس ..؟!
لمَ يهزأُ من أشيائي التي أحبُّها، الكتابُ والكتابةُ والموسيقا والفنون والهدوء.. يهزأ من عشقي للطبيعة ومناجاتي للقمرِ والبحرِ والشّجرِ وأناشيد الطُّيور..! يهزأ من كلّ ما أحِبُّ وكلّ ما أقول، كيفَ أمضي في دروبِه وقد أوصدَ الأبواب بأقفال الجهلِ والعصبية والإهمال والغيرةِ والظّنون..؟!
أ كانَ ربيعاً حين غَـفَـوتْ واستيقظتُ في نهاية الفصول ..؟!
باتتِ ترتمي على مصاطبِ الحيرة؛ تتناثرُ فوق أرصفةِ الذّهول، سَئِمَتْ رمادَ المواقـد وكذا نيران السّعير مُنذ سنين..
ما أشدَّ تعاسةَ المرءِ حينَ يُـولدُ مـن جديد، ولادة تضعه في قارب النّـدم حيثُ يدركَ متأخرا أنه كان وحيداً يَعدو فوق الرِّمال الحارقة تارةً وتارةً فوق أنهارِ الجليد، يقيمُ تحتَ نخيلٍ يابسٍ ونبعٍ بلا ماء وكلّ ما هو حوله سرابٌ بلا حدود.
قالت وابتسامة صفراء تعلو مُحياها الوديع، مُحَدقةً بجبينهِ المُقطَّبِ وعينيه المُسَمَرَتينِ على شمس المغيب:
حاولتُ جاهدةً رغم موتي آلاف المرات أن أجعلَ صّحراءك جنةً لكنني مع الأسف لم أفلِح؛ وهأنذا كلّ يوم أولَـدُ أنثى بِطعمِ الحُزنِ والـذّبول، بتُ شجرة تحتُطبُ أغصانُها بنيران البغضاء والجهل.
تنهدتْ طويلا وتابعت بنبرة المظلوم: ما كلّ الولادات حياة؛ بعضُها أشدُّ من الفناءِ؛ لكن لا بأس إن كان فيها الخلاص لأرواحنا المُعذبةِ.
رمقَها بعينينِ يطيرُ منهما الشّررُ وكأنّه يقول لها اصمتي لا تكملي.
لكنها تابعتْ بلهجةٍ لم يعْـتَــدْها أبداً: على ضفافِ الهاويةِ كنتُ أجدفُ وحدي بمجدافٍ وحيد؛ أقاومُ غبشَ الموج وخُـبث الأعماق بروحِ الأملِ والتفاؤل بغدٍ أفضل معك، لكن الأملَ ضاعَ وبقيت تلك الرّوح تُعاتبني وتهزأ بي؛ واليوم اكتملت ولاداتي بالجنونِ الذي تصفني به دائما، أصبحتُ مُصرة على الحياة رغم الأرضِ الهشيم، وفي كلّ يوم سينبتُ لي ألف جناح تأخذني من الغربة إلى عالم النور..
ردّ بسخرية: يا لكِ من بَـلهـاء.. وتجعلين صحرائي جنة ههه ههه!!
سلامة حدائق الغَنّاء.. هذا ما نَجنيه وتجنيهُ المُغفلاتُ أمثالك من الكُـتب.
بصوتِها المَخنوق المُلتفِ حولَ عُنُـقها والدّمع يملأ عينيها قالت:
ليتك في بُحُورِها تغوصُ؛ كي تُـدركَ سحرَ الأعماقِ وسرّها المكنون، حينها ستجدني بانتظارِك على الشّواطئ الورديةِ.
خيم الصّمتُ مُجدداً وانتصرَ في أعماقها ماردُ العقلِ على ماردِ القلبِ.
بقيتْ أثوابُ أمّها وجَـدِّتِـها على حِبال قلبها تزهو بها في كلِّ حين، لكنّها أحرَقتْ ثوباً قديماً كان ينتقصُ من انسانيتِها ويصفُها بالعورة، وناقصة عقلٍ ودين؛ ويُشَـوِه صورتها في مرآة الحياة، يُكبلُ ذاتها بقيودِ الخوفِ والخَجلِ التي رسمتها العادات البالية والجهل والسّيء من التقاليد.