بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

لعنة الكتابة (1)

1 min read

بقلم ماري القصّيفي- لبنان

إلى الصديقات والأصدقاء في هذا العالم الهجين الجامع بين الواقع والافتراض:
تستوقفني منذ زمن بعض التعليقات التي تعترض أو تستنكر أو تستهجن أو تعتب على منشورات فيسبوكيّة أعبّر فيها عن قلق وتوتّر وغضب ونقمة ويأس و”تهديد” بالصمت والعزلة… ووصل الأمر بكثيرين إلى تعليمي معنى الكتابة على الفيسبوك (لا تعنيني وسائل التواصل الأخرى ولا أعطيها أهميّة)، أي عدم نشر الشؤون الشخصيّة، وعدم النقّ لأنّ الناس يريدون ما يخفّف عنهم، وما إلى ذلك من التوصيات التي أثق بأنّها نابعة من نيّة صافية ومحبّة خالصة، ولكنها أيضًا تنمّ عن جهل فاضح بمعاناة الكاتب ومزاجه المتقلّب.
لذلك صار لا بدّ من التذكير ببعض الأمور:
أولًا: في خضمّ ما يجري في العالم (أوبئة وحروب…) وما نعاني منه في لبنان أو سائر البلدان العربيّة الرازحة تحت ثقل الفساد والاقتتال، لا أعرف كيف يمكن أن يكون أحد بخير ويرى الدنيا في أفضل حال فلا ينقّ ولا يعترض ولا يجرؤ على التعبير عن يأسه واشمئزازه وقلقه على المستقبل… فهؤلاء يمكنهم مغادرة صفحتي لأنّني لا أتّفق معهم في التشبّث بأمل مخادع أو تفاؤل سخيف أو إيمان سطحيّ قائم على الاستسلام لمشيئة إلهيّة تطلب منّا أن نرضى ونرضخ.
ثانيًا: ماذا تعرفون عن أمزجة الكتّاب ومعاناتهم مع واقع يريدون تغييره نحو الأفضل وكتابةٍ تعجز عن إحداث فارق ولو بسيطًا في مسار الأمور؟ ماذا تعرفون عن الكتّاب الذين لا هاجس لهم سوى الكتابة، ولا يجدون لها وقتًا، ولا رغبة لديهم سوى في خرمشة الواقع كي ينزف ويتطهّر من القيح ولا يجدون من يتفهّم هذه الرغبة الملحّة العصيّة على الترويض؟ ماذا تعرفون عن مأساة كاتب حقيقيّ (أو أيّ فنّان حقيقيّ) آمن بأنّ الكتابة رئته ومع ذلك هو عاجز عن التنفّس لأنّ القارئ يريد كتابة من نوع آخر؟ وبأيّ حقّ تريدون أيّها القرّاء من كاتب أن يكتب ما يطلبه الآخرون كأنه مستكتِب في صحيفة أو موظّف في محطّة إعلاميّة أو ناطق باسم صاحب سلطة؟
ثالثًا: الفيسبوك وسيلة لا أكثر… فحين كنت أنشر لسنوات طويلة في صحف ومجلّات كالنهار والسفير والديار والحياة والناقد… كانت هذه هي لغتي ولعنتي… وكانت هذه هي أفكاري ولعنتي… وكانت هذه هي تقلّبات مزاجي ولعنتي… وما الفيسبوك الآن سوى الصحيفة التي توقّفت عن الصدور أو المجلّة التي لا تجد من يموّلها… الفيسبوك ليس وسيلتي للتواصل الاجتماعيّ، فأنا بالكاد أجد الوقت أو الرغبة في المشاركة في نقاش أو الردّ على الرسائل أو القيام بالواجبات الاجتماعيّة كالتهنئة والتعزية والتبريك…
رابعًا: ولكي أكتب لا أستطيع أن أهدأ وأعدّ للعشرة… فكتاباتي ثورة بركان لا سيلان نبع. ولا أستطيع أن أنظر ولا أرى، أو أسمع ولا يعلق في ذهني ما سمعته، أو ألمس جرحًا ولا تلتصق أوجاعه في شراييني، فكيف أبقى كاتبة إن لم أتفاعل وأنفعل؟ كيف أكون كاتبة إن لم أر وأكتب؟ وكيف أكون كاتبة مجنونة إن لم أنس أنّني كنت معلّمة ومربيّة طُلب منها أن تقدّم نذر الطاعة في سجن المناهج؟ ومن قال إنّني أردت هذه “الوزنة” أو هذه الموهبة، ومن قال إنّني لا أتمنّى عند كل صباح لو تختفي هذه الرغبة الشرسة في الكتابة عن الحبّ والحرب والفقر والموت والجنون والمرض… لأستمتع بزقزقة العصافير وجريان الأنهر وألوان الفراشات…
خامسًا: اللعنة ثمّ اللعنة ثمّ اللعنة على كلّ من لا يفهم أنّ نجوم الكتابة ليسوا كتّابًا، وأنّ أثرياء الكتابة ليسوا كتّابًا، وأنّ المتخمين بالفرح والضحك والنكات ليسوا كتّابًا، وأنّ العقلاء ليسوا كتّابًا… الكتّاب الحقيقيّون ساخرون ناقمون، انعزاليّون، مشاريع انتحاريّين،… ولا أقصد بكلمة كاتب صائغ المقالة، أو الناقد، أو المفكّر العاقل، أو الفيلسوف الهادئ… أقصد أولئك الذين عندهم أسئلة لا أجوبة: هم المصابون بالقلق ولا ينعمون برفاهية الطمأنينة… المضطربون المتوتّرون المكتئبون العاشقون الشرفاء الوطنيون الإنسانيّون، الذين لا يحصرهم حزب ولا يحتمل حريّتهم زعيم ولا يطيق ذكرهم قائد…
أنا كاتبة بالرغم عني… مصابة بلعنة الكلمات فابتعدوا… مريضة ولا أمل في شفائي فلا تقتربوا من حزني… فاشلة في الحبّ والصداقة والتعليم والبنوّة والزمالة… ولكني قد أنجح في الكتابة، فاتركوني أكتب ولا تعلّقوا على ما أكتبه آمالًا أو توقّعات، ولا تنتظروا جوابًا أو شرحًا… فلن أكتب بعد اليوم سوى لنفسي… وعن نفسي وكلّ ما يعنيها ويقلقها ويثير حزنها أو فرحها… ولمن يعتقد أنّ ذلك فضح لشؤون خاصّة فليرحل لأنّه لا يعلم أنّ ما من كاتب إلّا وكتب عمّا انحفر عميقًا في وجدانه (وجدانه هو) سواء أحصل ذلك معه أم مع سواه…