الخميس. يونيو 24th, 2021

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

لقاء مع الشاعر اللبناني روبير البيطار

1 min read

حوار: آمنة وناس – تونس

السلام عليكم

وعليكم السلام

ركبنا معه الأعماق، و رحنا نبحث عن أطواق الغرق، يقودنا حبره المبلّل بالترياق، إلى نزف قلم احتضن شجن الورق، امتطينا صهوة حرفه فغمرنا باشتياق، لنلمس إحساسا صدق، صرخ بأن الحزن و الفرح للروح الوثاق، و العمر بهما يحدّق، و أن الحياة رحلة انعتاق، و من جذورها يزهر الحبق، رفع بمرقمه صهيل المحبة و الشقاق، فكانت معانيه لخلجاتنا تخترق، فكلماته مع جناننا في وفاق، و للجرح في دواخلنا ترتق، تؤكد لنا أنفاسه أنه للحلم توّاق، و بركْب الأمل التحق، صافحته القصيدة فهو من الجلاّس و الرفاق، صاحب النُّظم و للقب الشاعر استحق، هو الشاعر اللبناني “د.روبير البيطار”.

مرحبا بك سيدي

أهلًا بكِ، افتتاحيّتك تفتح النفس على الشعر

س يدعو الشاعر اللبناني “الياس أبو شبكة ” اجرح القلب و اسق شعرك منه، فدم القلب خمرة الأقلام”، إلى أي المسافات يأخذنا هذا البريق نحو دواخل الشاعر “روبير البيطار”؟

ج الشعر مقدودٌ من الأعماق من هذا الكون السحيق في دواخلنا. هو لا يُسقَط علينا من خارج بل يتصاعد من معاريج الروح نحو الأعلى ليعود ويخترق دواخلنا كالنور. ومتى أتانا الشعر من القلب لامس شغاف القلوب.

س “على الشعر أن يغيّر العالم”، ما هي شمائل هذا الشعر حتى يتسنى له أن يقبض على هذه المهمة و لا تنزلق من بين أصابعه؟

ج الشاعر يقبض على اهتزازات الكون وهو بلغته الشفيفة ونصّه المفتوح على الخير والحقّ والجمال قادر على التحريض وخلق مسافات جديدة. إنّ لغة القصيدة الصادمة تستطيع أن تُحدث الخرق بشكل كبير أكبر من اللغة المباشرة. وهو ما أسلفنا دفقٌ عاطفيٌّ مصحوب بعصف ذهنيّ ملؤه الرؤيا. من هنا، فإنّ الشعر الّذي يصدّع الأفكار الجاهزة ورتابة العالم نحو خلق جديد قادر على تغيير العالم وإعادة ترتيبه على إيقاع جديد أساسه الحرّيّة والانفتاح…

س أضع كفي في جيبك، أيها الحرف، علّني ألتقط ملامح قصيدة تعكّزت على صفيرك، بماذا توشوشك هذه القصيدة؟

ج الحرف لا يهمس في أذن الشاعر إلّا إذا احتكّ بحرف آخر لينشأ من هذا الاحتكاك اشتعال مختلف. عندئذٍ يحدث ارتطام عنيف بين الكلمات لتأتي إلى الوجود لغة جديدة على اللغة. وهي لغة تتحقّق فيها إنسانيّة الإنسان الّذي يتشكّل العالم على أصابعه.

س لا تثقب أذن المعنى، أيها الحرف، حتى لا يقبر صدى الكلمة، كيف هو ملمس هذا الاعتقاد عبر قلم الشاعر “روبير البيطار”؟

ج هذا اعتقاد لا يلائم اللغة الشعريّة. فالشعر الشعر هو الثاقب المخرّب المجدّد. فالحرف الّذي يثقب هو الشعر الّذي يولّد ارتدادات وأصداء أمّا الحرف الّذي يسير على سطح اللغة أفقيًّا هو الصدى بعينه. و

حين يتحوّل الشاعر إلى مجرّد انعكاس أو صدى فهو تكرار لأمسه وغرقٌ في متاهة الماضي وموتٌ أخير.

س عندما يُجرح الحرف، كيف يلملم إحساس الشاعر “روبير البيطار” نزف المعنى حتى لا تتوجّع القصيدة؟

ج حين يُجرح الحرف على الشاعر أن يُطلق سراحَ النزف حتّى الغيبوبة. ومن داخل الجرح العميق يُطلع الأزاهير والفراشات ويفتح مواسم الكلمة على فصول الحبّ والتمرّد والإبداع.

س كفكف النزف، أيها القلم، لقد بات ضجيج الصمت يقلق السطور، كيف السبيل لمنع الألم و جبر الكسور؟

ج ثمّة كلام كثير عن علاقة الشعر بالألم والواقع أنّ المعاناة ليست مقتصرة على الألم فحسب. إنّ المعاناة الّتي تولّد الإبداع متعدّدة ومفتوحة على احتمالات كثيرة. الفرح معاناة والنصر معاناة والحلم معاناة والحبّ معاناة أيضًا. وهذا الهدير الداخليّ الصامت ولّادٌ وخلّاق. وعليه فإنّ القلم يحوّل النزف عن مصبّه المكتوب له إلى آفاق واسعة. القلم يعيد كتابة القدر ليصير نبع أقدارٍ حرّة ونهر حيواتٍ جديدة.

س ينام القلم خارج الورق، حتى حلمه لا يحترق، فهل صدق؟

ج نعم إنّ القصيدة تخرج من كينونتها المُعَدّة لها من قبل. وتتحوّل من كتابة مألوفة إلى وجود آخر أبعد من حدودها الّتي وضعها لها المعجم. وهكذا، فإنّ القلم إشعاع ينطلق من الورقة الصغيرة لينير العالم الرحب.

س متى يقول الشاعر “روبير البيطار” كل صرخة لصداها تسمع، و قلمي يجهل أي صفحة من الكتاب سيوقّع؟

ج الشعر صراخ ونشيد لغدٍ موعود. والشاعر يسير دائمًا على صفحات العمر الّتي يجهلها. فالكون مليء بالأسرار والأحلام فنراه يسعى دائمًا إلى استجلاء مكنوناته، لذا نراه دائمًا يحترف السؤال ويسعى إلى العجب والدهشة… وفي كثير من الأحيان تأخذه قصيدته إلى غياهبَ ساحرة، مبحرًا بسفن الإيقاع اللامتناهي…

س “الكتابة مغامرة”، ما ملامح نقاط العبور التي تعترضنا، و كيف هو مذاق الوصول؟

ج التوصيف رائع. لأنّ الكتابة فعل حرّيّة وانطلاق في حقل من الألغام. هي مكابدة الصعب وتذليل المستحيل. هكذا، تتحوّل الكتابة من تقنيّة آليّة إلى مغامرة تأخذ النصّ إلى ما وراء الحلم والخيال إلى الماوراء والمطلق…

س أركل المساء بنظرة، مازالت الريح تغزل لها وشاحا بتنهيدة حلم، إلى أين تصل مع هذا النشيد؟

ج هذا الكلام يدعوني إلى التأمّل. وكلّ كلام يأخذني إلى هذه الحالة العميقة هواء يغذّي رئة الشعر ويحملني على التجاوز. ففي نشيد شاعريّ كهذا مناخ فنّيّ جميل. يبقى أنّ النصّ كلّ متكامل ولديّ شعور بأنّ ما تفضّلت به جزء من نصّ له قول سبقه وآخر لحقه.

س ما طعم “المحاولات الفاشلة”؟

ج طعم التحدّي. هذا عنوان لقصيدة كتبتها في لحظة عبثية تولّد منها فضاء جديد لقصيدتي. ففي حين وجدت العمر محاولة والحبّ محاولة والوطن محاولة والموت محاولة… وكلّها محاولات فاشلة، سعيت إلى تحويل هذه الخيبات إلى البحث عن عمر آخر وحبّ آخر ووطن آخر وموت آخر… وإلى تحويل الاستسلام إلى وجود آخر داخل القصيدة الأخرى…

س “المرأة هي الوطن”، لماذا تأبّطتك هذه الترنيمة؟

ج الوطن لديّ ثلاثة: القصيدة والإنسان والبعيد. وداخل هذه الأقانيم الثلاثة يولد الشاعر القادر على قتل الموت. الأرض وحدها لا تتّسع للوطن والتاريخ لا يكفي لإرضاء الذات. الشاعر ابن غده وهو في الوقت نفسه ليس منقطعًا عن ماضيه. هو يبني عالمه على أساسات الإنسانيّة… أمّا المرأة فقصيدة الإنسان الّتي تشيل به نحو البعيد. وهذا البعيد يصير أبعد كلّما اقتربت منه. المرأة بُعدٌ جميل يبدأ فيّ وينتهي إليّ.

س عندما تعجّ الحياة بالأمس، ما ملامح النسيان في مضمار الازدحام؟

ج النسيان أوّل ملمح من ملامح المستقبل. قحين ننسى نبدأ بتأسيس وجود شعريّ جديد غير مكرور… أروع ما في الوجود هو نسيان الوجود. الأمس مقفاز ننطلق منه إلى الأواتي صوب الفوق الّذي لا سقوف له…

س يزداد شعوري بالغربة، كلما تعمّقت أكثر في الحياة، متى يخطأ هذا الشعور؟

ج أنا أنتمي إلى وطن الغربة. هنا، أشعر بالأمان. فلنتصوّر الحياة جاهزة وواضحة، ألا تصير مملّة؟ ألا تتحوّل إلى فناء؟ أجمل ما في الحياة أنّها سرٌّ يصعب حلّه. والتعمّق في هذا السرّ يزيد من شوقنا إليه.

س أشعر بالاشتياق الذي نفضه ذاك الليل من على وشاح أيامه المبعثرة على طريق العودة إلى مسارح الغياب، همس يسألني و فمه مرصّع بصهوة الصدى، متشرّد في اللامكان، عن الساعة الحائرة، في بحثها عن اللامسافات المنكسرة في جوف بلا صيحة، فإلى متى؟

ج إذا كنا نتحدّث عن لانهائيّة العالم فإنّنا نتحدّث حتمًا عن لا نهائيّة القصيدة ولانهائيّة السؤال… فكلّما اتّسع طريق التشرّد في اللامكان وكلّما تجذّر فينا الغياب وتاه طريق العودة تعدّدت الاحتمالات وانفتح الشعر على اللامُدرَك وانفتح الكون بعيدًا بعيدًا… فلا نسألنّ عن المتى بل عن الماذا واللماذا والكيف والهل إلى اللاوصول…

س “بعضُ الرحيل بلادٌ خارج العتب”، متى يكون كل الفراق عَلَمٌ داخل اللّهب؟

ج النظر إلى ما نعدّه سلبيًّا بعين ثاقبة نجد فيه توثّبًا وخلاصا… فمنهم من يرى الرحيل سببًا للحزن والفراق والخسارة.لكنّ بعض الغياب حضورٌ في الحياة أعمق وأنقى. وأجمل الرحيل ما كان منّا إلينا.

س لماذا يبقى الوكر جريحا عندما يحلق الطير؟

ج يبقى الوكر موعودًا. والوعد بالعودة أصدق من العودة نفسها. الطير ليس ابن الوكر إنّه ابن المدى اللامحدود. والوكر ملاذ آنيّ نصنعه بأيدينا … ولكي يكون الوكر حقيقة عليه أن يكون نقطة انطلاق الأجنحة إلى الفضاء.

شكرا لك الشاعر “روبير البيطار” على حسن تواصلك و إلى لقاء آخر ان شاء الله

أشكرك لهذه الأسئلة الموحية الشاعرة… إلى اللقاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *