بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

ماذا بقي من مشروع أحمد لطفي السيد ؟ ( أستاذ الجيل )

1 min read

بقلم دكتور محمد صابر عرب

يعد أحمد لطفي السيد (١٨٧٢-١٩٦٣) واحدا من رواد الثقافة المصرية والعربية ، ولد في إحدى قرى الدقهلية بمصر (برقين) ونشأ في أسرة مصرية عريقة ، وكان والده من بين كبار ملاك الأراضي الزراعية ، حفظ القرآن الكريم كاملًا في كتاب القرية ، ثم واصل تعليمه الابتدائي في عاصمة الإقليم ( المنصورة) ، إلتحق بعدها بالمدرسة الخديوية بالقاهرة ، حيث أتم تعليمه الثانوي ، ثم أكمل تعليمه العالي بمدرسة الحقوق العليا ١٨٨٩، وكان من بين ممتحنيه في ليسانس الحقوق في المقررات الشفهية الإمام محمد عبده ، الذي أُعجب بفصاحته وثقافته الواسعة ، لذا تنبأ له بمستقبل باهر ، وخصوصًا في القضايا ذات الطابع الفكري والثقافي ، وقد عُني أحمد لطفي السيد بالكتابة في الصحافة ، وقد التحق وهو في المرحلة الجامعية بالعمل في (صحيفة المؤيد ) .
لم يكن لطفي السيد نتاجا استثنائيا في الحياة الفكرية والثقافية المصرية ، لقد واكب ظهوره يقظة ثقافية واجتماعية لم تنشأ من فراغ ، وإنما راحت تتخلَّق نتيجة التعليم والبعثات خلال عصري محمد علي وإسماعيل ، عندما أُتيح للكثيرين من أبناء الفلاحين إن يشاهدوا عن قرب نهضات الشعوب الأوروبية ، وأن ينهلوا من التراث العلمي والفكري الذي كانت أوروبا قد قطعت فيه شوطا كبيرا .
مع بداية ثمنينات القرن التاسع عشر كان المجتمع المصري يموج بتيارات فكرية وثقافية ، أحدثتها حركة الترجمة من الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية ، وشهدت ذات الفترة ظهور نخبة من المصريين راحت تعمل على النهوض بمصر لكي تلحق بمثيلاتها في الدول الأوروبية ، لكنها لم تكن تعرف ما هو الطريق الذي تسلكه لتحقيق هذه الغاية ، لكن الجميع لم يختلف على أن التعليم هو المدخل الأساس لكل النهضات التي شهدتها أوروبا ، وكان لطفي السيد من أكثر أبناء جيله إيمانًا بتلك القضية ، وكانت له مقولة شهيرة :” من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم ” . في الوقت الذي كانت فيه مصر تمر بحالة غاية في الصعوبة عقب هزيمة العرابيين ( ثورة عرابي ١٨٨٢) حينما تراجع دور جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده عن الاشتغال بالسياسة ، وظهور جيل جديد راح يشعر بالمسئولية الوطنية ، لم تنل منه وطأة الاحتلال البريطاني ، لكنهم اختلفوا فيما بينهم حول أنجع الوسائل ، فبينما راح فريق يقوده مصطفى كامل يعمل على تأليب الرإي العام العالمي والمصري بالكتابة في الصحف المصرية والأجنبية ، معتمدا على مساندة فرنسا ودعم الدولة العثمانية واستثمار الخلافات الإنجليزية الفرنسية ، إلا أن فريقا آخر قد تبنى فكرة النضال السلمي والعناية بالتعليم والاقتصاد وتحرير المجتمع من الثقافة القديمة ، والعناية بحقوق المرأة والنهوض بالحياة العلمية والفكرية ، وكان رائد هذا الفريق أحمد لطفي السيد ، وقد التفت من حوله قلة من المصريين ، لكنها القلة المثقفة الواعية .
كان أحمد لطفي السيد ديمقراطي الفكر والسلوك ، مؤمنا بفكرة التراكم المعرفي ، محذرا من مخاطر الطفرة التي يعمل عليها مصطفى كامل وجماعته ، لأنها قد تُحدث عواقب لا تؤتمن نتائجها ، وكانت هزيمة العرابيين وما نجم عنها ماثلة أمام ناظريه ، لذا كان واثقا بأن التعليم والوعي والثقافة جميعها رغم أنها في حاجة إلى وقت ، لكنها الطريقة المثلى للنهوض بالأمة لكي تكون جديرة باستقلالها الحقيقي .
في سبيل العمل على مشروعه الكبير أنشأ صحيفته الشهيرة ( الجريدة ١٩٠٧-١٩١٥ ) ، وهي المرحلة المؤُسسة لظهور جيل كامل من المفكرين والمثقفين كان لطفي السيد الملهم لهم جميعا ، وقد التفوا من حوله كان من بينهم طه حسين ، ومحمد حسين هيكل ، وسلامة موسى ، وملك حفني ناصف ، والعقاد ، وغيرهم ممن أصبحوا فيما بعد قادة للفكر والسياسة والثقافة ، كما كانت صحيفة ” الجريدة ” هي الأب الشرعي لمجلة السفور ، وصحيفة ” السياسية ” ، وقد اتسع هذا التيار رافعا شعار : الثقافة والتعليم أولا ، فضلا عن دعوته ( مصر للمصريين) .
لم يكن لطفي السيد من أنصار العنف ضد الاحتلال ، بل كان يرى أن التعليم والوعي هما الطريق الأمثل للنهوض بمصر ، كما كان مؤمنا بفكرة التطور والارتقاء واثقا من لوصول إلى أهدفه الحقيقة ، لقد راح الرجل ينشر في صحيفته ( الجريدة ) آلاف المقالات منذ صدورها ١٩٠٧ م ، متحدثا باستفاضة عن التعليم والثقافة والمرأة والحياة الاجتماعية ، كما عُني بالترجمة من الثقافات الأجنبية في قضايا الفكر والثقافة ، ولولا عناية إسماعيل مظهر ( زوج شقيقة أحمد لطفي السيد) لضاعت هذه المقالات ، وقد عني بجمعها فئ جزئين كبيرين بعنوان (المنتخبات) ، كما نشر جزءا ثالثا تحت عنوان ( تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع) ثم أصدر جزء آخر تحت عنوان ( صفحات مطوية) .
إن جيلًا كاملًا من المثقفين والكتاب الكبار مدينون بالفضل لهذا المعلم الكبير، لذا أطلقوا عليه ( أستاذ الجيل ) وهو لقب يستحقه بجدارة ، فقد فتح صحيفته أمام الشباب ، الذين أصبحوا فيما بعد من رؤاد الفكر والثقافة ، كما عُني بشكل كبير بالترجمة ، وأعطاها كل اهتمامه ، وخصوصًا بعد أن توقفت صحيفة الجريدة ، وانصرف لطفي السيد إلى الترجمة ، وترجم أعمال أرسطو ، وهي المؤلفات التي تركت آثارها على النهضة الأوروبية ، وكان يراها مهمة في النهضة المصرية والعربية.
شغل لطفي السيد وظائف عديدة ، من بينها مدير دار الكتب المصرية ١٩١٥ م ، وهو المنصب الذي شغله الألمان منذ إنشاء دار الكتب ١٨٧٠ ، وحتى الحرب العالمية الأولى ١٩١٤، وهو بهذا يكون أول مصري شغل هذا المنصب ، ثم أول رئيس للجامعة المصرية حينما تحولت من جامعة أهلية إلى جامعة تابعة لوزارة المعارف ١٩٢٥، ثم وزيرا في عدة وزارات ، كما أختير رئيسا لمجمع اللغة العربية (١٩٤٥-١٩٦٣) ، وكان من بين مؤسسي حزب الإمة وحزب الوفد ، وعضوا في مجلس الشيوخ ، وعضوا في وفد المفاوضات المصرية البريطانية ، وفي كل الوظائف التي شغلها كانت الثقافة والتعليم والترجمة جميعها القضايا الأكثر اهتماما في عمله ، ولم ينغمس في السياسة إلا بقدر عنايته بقضايا التعليم والثقافة ، ويبدو من قراءاته وكتاباته انه تأثر كثيرا بفلسفة ابن رشد وابن سينا وابن حزم ، فضلا عن الفلسفة اليونانية ، إضافة إلى تأثره بالفيلسوف الألماني ( كانت ) ثم (ڤولتير ) و ( چان چاك روسو)، ومن الفلاسفة الإنجليز ( چون ستيوارت ) لكنه يعترف بأنه قد انبهر كثيرا بڤولتير على وجه الخصوص.
لقد صنعت دار الكتب والوثائق المصرية خيرا ، حينما نشرت أعمال هذا المصلح الكبير (٢٠٠٨) في مجلدين كبيرين يستحقان العناية من الباحثين والدارسين ، وخصوصا وأن الرجل في كل ما كتب كان معنيا بالعقل ، وبمشروع إنساني يستهدف الإنسان تعليما وثقافة ، و كانت له رؤى سابقة لعصره ، لعل الكثير منها ما يزال صالحا حتى الوقت الحاضر .
اللافت للنظر ، أن كل هذا الجيل من المؤسسين الكبار للثقافة جميعهم قد تأثروا بالإمام محمد عبده ، وقد اعتبروه بمثابة الأب الروحي لهذا الجيل ، وكثيرا ما كان لطفي السيد يعترف بفضل أستاذه محمد عبده ليس عليه فقط ، وإنما على كل الجيل الذي لحق به ، لذا فان المنجز الذي حققه أحمد لطفي السيد جدير بإعادة القراءة ، وخصوصا صحيفته ( الجريدة ) التي كان يكتب فيها بشكل منتظم ، وهي الصحيفة التي شهدت صعود كل الجيل الذي ظهر في مصر في تلك الفترة ، لا سيما وأن غالبية هذه الكتابات كانت تدور حول الثقافة والفكر والترجمة ، من خلال مشروع كبير كان يعمل على تأسيس نهضة مصرية وعربية كبيرة.
لعل السؤال الذي يطرح نفسه : كيف تستفيد الأجيال الحالية والقادمة من تراث هذا المُصلح الكبير ؟
د. محمد صابر عرب