بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

ما لم نعرفه عن الحملة الفرنسية على مصر

1 min read

بقلم محمد صابر عرب

بعد مرور أكثر من مائتي عام (٢٠٠٥) أفرجت وزارة الدفاع الفرنسية عن مراسلات نابليون بونابرت خلال فترة إقامته في مصر ١٧٩٨-١٧٩٩، وقد فعلت دار النشر الفرنسية ( ڤايار ) خيرا حينما نشرت هذه الوثائق ، وهو ما يعد حدثا علميا وتاريخيا كبيرا دفع المجمع العلمي المصري إلى الاهتمام بهذا الموضوع ، وكان له السبق في نشر هذه الوثائق وترجمتها إلى اللغة العربية في مجلدين كبيرين أجاد ترجمتهما باقتدار الدكتور أحمد يوسف الأستاذ بالجامعات الفرنسية .

أعتقد أننا لم نكن نعرف الكثير عن الحملة الفرنسية على مصر والشام قبل قراءة هذه الوثائق ، سواء فيما يتعلق بالممارسات العنيفة التي تعاملت بها القوات الفرنسية مع المقاومة الشعبية ، أو الصورة البراقة التي أشاعها بعض المؤرخين عن أهمية هذه الحملة باعتبارها قد نقلت مصر إلى عصر جديد من الحداثة وأنهت عمليا تبعية مصر إلى الدولة العثمانية ، وغير ذلك مما قال به المؤرخون الفرنسيون وبعض المصريين . إن الكتابة عن الحملة الفرنسية على مصر والشام لا يمكن معرفة أدق تفاصيلها إلا من خلال هذه الوثائق ، بعد أن اعتمد المؤرخون على مذكرات الساسة الذين عاصروا هذه الحملة بما في ذلك الوثائق الفرنسية والمصرية والإنجليزية التي خلت جميعها من معرفة التفاصيل الحقيقية التي كتب نابليون وقائعها بنفسه في مراسلاته .
رغم اعترافنا بأن الحملة الفرنسية قد أدخلت مصر إلى عصر جديد ، لكن بقيت الكثير من الأحداث غامضة ، وخصوصا فيما يتعلق بمقاومة المصريين للحملة ومواجهة الجيش الفرنسي من خلال معارك خاضها الشعب المصري رجالا ونساء ، بعد أن تخلى المماليك والعثمانيون عن مواجهة الفرنسيين وهروبهم إلى صعيد مصر أو بلاد الشام ، وهي ملحمة سجلتها مراسلات نابليون بكل التفاصيل ، وقد عبر عنها نابليون بكل مرارة ، إضافة إلى ما سجلته تلك المراسلات فيما يتعلق بمقاومة الفرنسيين في بلاد الشام ( أبريل ومايو ١٧٩٩) في غزة وصيدا والناصرة ويافا وعكا، كما احتوت الوثائق على مراسالات بعث بها نابليون إلى شريف مكة وسلطان عُمان وباي طرابلس في ليبيا وباي الجزائر وسلطان المسلمين في الهند وجميعها كانت بمثابة محاولات لتجميل صورة الحملة الفرنسية وتبشير المسلمين والعرب بأن الرجل يحمل مهمة حضارية وفكرية محترما الإسلام والمسلمين .
هذه الوثائق التي كتبها هذا القائد الفرنسي ، الذي لم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين من عمره ، تكشف عن أسرار ووقائع كثيرة ، بعضها يتعلق بشخصية نابليون المركبة ، بعد أن تضاعفت طموحاته عقب دخوله مصر ، لدرجة انه راح يفكر في أن يكون إمبراطورا على فرنسا ، وهو ما كشفته هذه الوثائق التي أوضحت قسوته المتناهية مع جنوده وإفراطه في قتل المصريين ، وقطع رقابهم ، وحرق بيوتهم في سبيل تحقيق مهمته ، التي كانت تتجاوز حكم مصر إلى أن يكون الرجل الأول في فرنسا . لعل ما تضمنته هذه الوثائق من معلومات يضاعف من أهمية مذكرات الچنرال كليبر، الذي خلف نابليون في تلك الحملة ، والذي توفي في القاهرة مقتولا على يد سليمان الحلبي بعد عدة أشهر من توليه مهمته الجديدة ، فضلا عن مذكرات القائد الذي خلفه ” مينو ” ، وهو آخر القادة الفرنسيين في حكم مصر .
تقع هذه المذكرات في ٢٥٥٠ رسالة ، جميعها موقعة من الچنرال بونابرت ( يناير ١٨٩٨- ديسمبر ١٨٩٩) ومن بين ما تضمنته هذه الأوراق عزم الفرنسيين على غزو مصر منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وقد بقي هذا الحلم يراود كل الحكومات الفرنسية ، وهو ما أشار إليه نابليون في هذه الوثائق . كما تتناول الوثائق المهام العسكرية التي قام بها نابليون في البحر المتوسط وخصوصا في إيطاليا ، فضلا عن تلك المباغتة التي نجح فيها هذا القائد الفرنسي لكي يصل إلى شواطئ الإسكندرية بعيدا عن عيون الإنجليز ، ليبدأ حملته على مصر والتي اتخذت طابعا عسكريا محضا ، إلا إن الرجل راح يروج من خلال منشوراته التي كان يكتبها من على ظهر السفن الفرنسية ، معتبرا انه جاء إلى مصر لكي يقوم بدور حضاري وثقافي وعلمي . وهو ما يفسر فكرته من إنشاء المجمع العلمي ، الذي جعله قضية محورية ، راح يروج لها بين المصريين ، رغم أن احتلال مصر وقطع الطريق على بريطانيا إلى الهند كان هو الهدف الأساسي من هذه الحملة . وقد نجح نابليون نجاحا لافتا في مهمته ، حينما كانت مصر تئن من قسوة العثمانيين وبطشهم .
أخيرا تحقق حلم نابليون الذي راح يزهو بمهارته وقد سجل كل ذلك من خلال مراسلاته إلى الإدارة الفرنسية ، وقد عبر عن سخريته من زعماء المماليك والعثمانيين الذين لم يصمدوا في مواجهة الحملة التي كانت بمثابة نزهة من الإسكندرية إلى القاهرة ، وهي اللحظة التي شعر فيها المصريون بالخطر ، وهبوا لمواجهة هذا الغزو القادم من أوروبا. لم يخجل نابليون في الاعتراف بلجوئه إلى القسوة بعد أن أصدر أوامره إلى قادة جنده :” لا تترددوا في قطع الأعناق، وقتل كل من لا تستطيعون الإمساك به ، وحرق كل قرية أو بيت يمكن إن يشكل خطرا على سير الحملة “. راح نابليون يمارس سياسته بكل عنف وقسوة ، وقد شعر أن مصر قد أصبحت في قبضة يده . لكنه قد فوجئ بإغراق أسطوله من جانب الإنجليز في معركة أبي قير البحرية ، وهي مشكلة حالت دون عودته هو وجنوده إلى بلاده ، وقد انتابه قلق شديد عبر عنه بقوله ” إنني محاصر في سجن كبير “.
لم ييأس نابليون من مقاومة المصريين ، بل راح يدير البلاد ويستعيض عن إمداد الفرنسيين له بالمؤن والذخيرة معتمدا على الموارد المصرية في تغذية جنوده ، الذين قاومهم المصريون بكل بسالة وقتل الكثيرين منهم ، وزاد الأمر سوءا انتشار وباء الطاعون . وهو ما دفعه إلى المزيد من فرض الضرائب على المصريين ، واستخدام جمالهم وخيولهم في دعم معاركه ، التي راحت تمتد إلى المديريات والأقاليم المصرية . وقد أفاض بكثير من التفاصيل التي تتعلق بالمصاعب التي واجهت جنوده ، وقد أشاد بدور المجمع العلمي الذي أنشأه ٢٢ أغسطي ١٧٩٨ ، وخصوصا بعد أن اعتمد على علمائه في كثير من الاستشارات الفنية والاقتصادية للجيش الفرنسي .
راح نابليون يتلقى أخبارا سيئة من فرنسا ، بعد أن أصبحت حكومتها في موقف صعب ، لذا قرر العودة إلى فرنسا في سرية تامة تاركا للچنرال كليبر قيادة الحملة ، وقد زوده بتعليمات وأوامر كانت بمثابة خطة عسكرية وسياسية لكي يتمكن من إدارة الأمور في مصر .
رغم أن أوراق نابليون قد احتوت على تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بالوضع الداخلي في فرنسا عقب عودته ، لكنه ظل مهموما بحالة جيشه في مصر ، بعد أن اغتيل كليبر الذي كان يقود ما يقرب من أربعين ألف جندي ، محاصرين من البحر لا يستطيعون العودة ، بينما يواجهون مقاومة شعبية شرسة .
كان احتلال الحملة الفرنسية لمصر فترة قصيرة بمقياس الزمن ١٧٩٨-١٨٠١ ، إلا أن نتائجها كانت خطيرة ، فقد تبدد نفوذ العثمانيين والمماليك ، وقد اختار المصريون حاكما عليهم لأول مرة ( محمد على ١٨٠٥) ورغم أن الحملة قد فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية إلا إنها فتحت المجال إمام المصريين لكي يعتزوا ببلدهم ، بعد أن شاع مصطلح ” الغرباء ” على العثمانيين والأتراك في مواجهة ” أولاد البلد ” وهم المصريون بكل فئاتهم وطبقاتهم .
وفق تعبير المرحوم الدكتور فؤاد زكريا ” دهاء التاريخ ” ، فقد قدمت الحملة غازية مستعمرة ، لكنها رحلت وقد حقق المصريون نتائج عظيمة من خلال مقاومتهم الباسلة ، وقد تعرفوا على الإدارة الحديثة وتواصلوا مع النتائج العلمية التي حققها المجمع العلمي في زمن قياسي ، وشعر المصريون لأول مرة أنهم أصحاب البلد ، بعيدا عن سطوة الغرباء، كما كشف المجمع العلمي بإنجازاته الكبيرة عن عوالم لم يكن يعرفها المصريون في مجال الآثار والتاريخ المصري ، لذا كان مصطلح ” دهاء التاريخ ” كما قال به فؤاد زكريا بمثابة حقيقة ملموسة أدركها المصريون طوال القرن التاسع عشر ، بعد أن انفتحت مصر على عوالم جديدة من خلال البعثات إلى إوروبا ، ومشروع محمد على في التعليم والإدارة والجيش ، ورغم ذلك فما تزال الحملة الفرنسية في حاجة إلى مزيد من الكشف والدراسة