مترو الحياة … قصة قصيرة

قطعت تذكرة المترو واتجهت مسرعة إلى محطة الانتظار لتركب أول عربة تفتح لها أبوابها السريعة التي لا تنتظر أحداً من منتظريها … وفي زحام عربة المترو التي بالكاد ترى مكان قدمك فيها وقفت هي بجانب الباب الزجاجي المغلق للجهة الأخرى من العربة في انتظار أن تصل بسرعة إلى محطتها.
كان الجو حاراً والعربة مكتظة بالناس، وتختلط فيها رائحة العرق برائحة البرفان المتنافرتان … ويملأ العربة صوت بائع يغرد على بضاعته التي يقوم بتوزيعها على الراكبين كأنها حلوى بالمجان، وما أن ينتهي حتى يعود لجمعها أو أخذ مقابلها المادي. لم تجد أمامها غير منظر بارد لأناس مشتتين مجتمعين ولكلٍ وجهته … منهم من شتته التفكير في الحياة، ومنهم من يحاول نسيانها … وآخر يحسب الدقائق للوصول ربما للعمل أو لحبيبٍ ينتظر.
يضجرها المنظر فتلتفت ناظرة إلى بابها الزجاجي لترى الأشياء تتسارع من حولها كسرعة الزمن حاملةً في طياتها ملامح لوجوه أشخاصٍ ينتظرون بسرعة ومحطات تمر بسرعة  وعربات مترو أخرى تلقي السلام بسرعة.
وعند أحدى المحطات توقفت عربتها بجانب عربة أخرى على الجانب الآخر للمحطة .. تلقي عيناها بالنظر في العربة الأخرى بجانبها لترى فيها حبيبها المفقود، فتأخذ نبضات قلبها بالارتفاع كما كانت في ماضيهما عند اللقاء .. كان يقف ممسكاً هاتفه يستمع للموسيقى.. وما هي إلا لحظة وتفترق العربتان كأنهما يعلنان فراقهما مرة أخرى. تهمس بداخلها: هل تراه يذكرني كما أذكره؟!
لم تجد إجابة لسؤالها، وربما لن تجد، فقد وصلت لمحطتها وحان وقت النزول .. هكذا هي الحياة كالمترو تجمعنا فيها قاعة انتظار واحدة، وتفرقنا فيها محطات. لحظاتها كعربات المترو مسرعة يرافقنا فيها أناس كثيرون، ونمر بأناسٍ أكثر .. تجمعنا فيها الصدف بالأحبة المفقودين  لنفترق فيها بعد كل لقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *