بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية


Warning: sprintf(): Too few arguments in /home/shomos/public_html/wp-content/themes/newsphere/lib/breadcrumb-trail/inc/breadcrumbs.php on line 254

” موت الأحلام ” رسالةٌ لِمن يهمهُ الأمر ! د . / عبد الرحيم درويش

1 min read

ســيــد جــمــعــه ناقد تشكيلي واديب

يقول سيغموند فرويد :
( إن الأحلام هي وسيلة تلجاُ إليها النفسَ
لإشباعِ رغباتِها ودوافعُها المكبوتة خاصةً
التي يكون إشباعِها صعبا في الواقع ) .

في رواية ” موت الأحلام ” لــ د . / عبد الرحيم درويش ..
.. يواصلُ الكاتب بصورة غيرمسبوقة تكادُ تكونُ بانوراميةٌ العرض ؛ ففيما بين الزمان والمكان و الأشخاصِ ؛ يواصل الغوص في بيئاتٍ مختلفة لرصد وتحليل ظواهرقيم ليست جديدة ولكنها قديمة و متطورة وفق الزمانِ والمكانِ والأشخاص الذين يحملون هذه القيم ويعكسونها عبر مراحل التطور أو لنقل في تدنيها الفج ، وبمعنى أدق أبرزُ ذلك من خلالِ الكْم الهائل الذى في هذا التغير الحاد والسريع في البيئات أو الطبقات المصرية المختلفة نتاج العولمةِ والأنظمةِ السياسية معاً . والإجتماعية وعوامل محلية أو شخصية اخري بسبب التداخل والإرتباط الوثيق بين هذه التجمعات وإتساع مساحة البرزخ الذي بينها وتداعيات الإلتحام المباشر وغير المباشر بين هذه الطبقات وما يعكسهُ ذلك من تبادل ونقل تجارب وخبرات وتقاليد مدفوعةً بعوامل نفسية خاصة حينا أو يحملها بعض الإفراد والشخصيات النمطية التي تتواجد في كل طبقة كا الرغبة في الإنعتلاق من الماضي بمآسيه وجراحه وملامسة اجواء الطبقة الأرقى على الأقل في الظاهر أو بمعنى أخر مُلامسة هذا الواقع المختلف أو المصبوغ بالماديات كا لسيارات والفيلل والخدم وأشكال الترف في الملبسِ والمطعمِ والعلاقات الإجتماعية برجالِها ونسائِها وما يتعلقُ بهذا كلهِ من سلوكيات كالترفع والإنفة ، فضلا عن الصلافة ومظاهر القوة والسيطرة سواء في الكلام أو الأفعال ألخ ، مع قرائن تُدلل على الفساد الذي سَبب إنهياراً فجائياً وأحدث ما يُشبه التلاشي والمحو لكثير من هذه القيم الموروثة والمتوارثة دينياً أوأخلاقياً وعشائرياً في كل أنحاءِ مصر ما بين الوادي أو الصحراءِ ؛ مُدناٌ أوقرى .

عنوان الرواية ” مــو تْ الأ حــلا مِ ” .
وصورة الغلاف بما فيها من تضادٍ بين الأبيضِ والأسودِ وإيحاءٍ أننا بصدد حالة ” موتٍ” ؛ يُمهدُ بها الكاتب لفصول روايتهِ ؛ يكون الأبيضُ فيها هو الخلاص أوالفرار للحلمِ أو الأحلامِ من سوادٍ داكنٍ يحيطُ بكلِ شئٍ فلا يكونُ هناك إلا الموت .

سيقدمُ لنا الكاتب شخصيات هي التي تحملُ” الموتُ ” أو” الحُلم ” وتسعى بهما ربما لِتَتطهر أو تغتسل أوتُبرءُ نفسِها من إثمٍ أو دنسٍ أو خطيئةٍ أقدمت عليها أو وقعت فيها أوسَبِحت فيها مُرغمة حتى إِستعذبتها وصارت لا حقاً مُبرراً أوسبباً لوجودِها .
إن كُل شخصية تحملُ كفنِها أو حُلْمِها داخلِها بوعيّ أو بدونَ وعيٍ ؛ وتطوف بهِما بين الناسِ آملةٌ في عفوٍ أو راحةٍ تخفف عنها وطأةَ لحظةِ ضعفٍ أو إستسلامِ نتيجة قَهرٍ ؛ أوأملاً ورغبةٍ في الفرارِ من جحيمٍ ما عاد يُطاق ، سَنلمسُ شئٍ من هذا أو بعضهِ في الشخصيات الرئيسية أو الشخصيات التي تدور فى مدار أو حول كل شخصية ، وكأن الكاتب مِن خلال هذه الشخصيات وأحلامِها و بيئاتِها المُتضادة أو المُختلفة يُؤكدُ لنا أن الموت قرين الأحلام الغيرِ سوية .
وتُعدُ براعةً وذكاءً خاصاً من الكاتب أنه في هذا العرض البانورامي الذي قرن فيهِ المكان با الزمان وبالأشخاص وتطورِ الأحداث ليؤكد لنا أن هذه الأحداثِ وأشخاصِها مُقترنةٌ بفسادِ الأزمنة والأمكنة وذلك مِن خلال دلالات أو أحداثاٍ وسلوكياتٍ واقعية وشاهدةٌ على ذلك ؛ منها كمثالٍ أشهر علاماتٍ فسادٍ ظهرت في جهاز الشرطة من خلال سلوكيات كانت عامة – وبالضرورة – لا ترتبطُ بإشخاصٍ ؛ وهي واقعة إستشهاد شهيد الأسكندرية ” محمود سعيد ” التي كانت إرهاصاً لبدياتِ نهاية ” زمنٍ ” أو نظامٍ تمتطع فيه الفسادِ بقوةٍ وطغي ، وكان لهذا التأثيرُ المباشرُ علي شخصيات الرواية وبالتالي أحلامهم ، ومعاناتهم ومن ثَم نهاية أحلامهم مع إختلاف هذه الأحلام .
ا لــر و ا يــة
الرواية قد تبدو من خلال الصفحات الإولي رواية عادية ومتكررة عن ثلاثي العشق المُحرم والآثم ؛ الذي يجمعُ في العادة بين زوج – بالعامية المصرية – ” أهطل” مخدوعٍ ، وزوجةٍ عاهرة تُحركها رغباتِ الأنثى العادية والمكبوتة والنابعة مِن جسدٍ وبيئةٍ مُشجعةٌ لها لكن في الإتجاه المُحرم، وعشيق فاجرٌآكلٍ وماصٍ لأموال من يصطادها و تقع في براثنهِ كفريسةٌ لكنهُ لا يَقضي عليها وإنما يُبقيهأ حيةٌ لِيستنفزفُ دَمِها ، إن هذا يبدو مع بدايات الاحداث في الصفحاتِ الأولى إلى أن يأخُذنا الكاتبُ إلى ذاتِ ” الأحلامِ وموتها ” وهو إسمُ الرواية ؛ عبر أحداثٍ مُكثفة و شخصيات ثُنائية اُخرى مُتشابهةٌ أو مُتضادة أومُتباينة ولكنها مُختارة بعناية إسماً و وصفاً ، تُضيف لهذه الثلاثية تَضمِيناتٍ مؤثرة في أحلامِها الأثمة و غير المشروعة .
هؤلاءِ هُم ابطالِ الثلاثية الأثمة أو محور الرواية الأساسي كما جاء وَصفهِم الدقيق من الكاتب .
عبد الجواد الزوج المخدوع “الاهطل” ! :
” .. تمر اللحظات عليه كئيبة متباطئة كسنواته العشر التي قضاها في غربة قاتلة ووحدة دائمة.

  • تحمل يا عبده. لا تنزل مصر هذه السنة.
  • عبده حبيبي تحمَّل من أجلنا. تحمل يا روح قلبي.
    وتمر السنوات وهو يعمل كثور في ساقية وعلي عينيه غمامة تضعها شريفة وتلسع ظهره بسياط من الحب تارة وسياط من ضرورة تحمل المسئولية تارة أخري. في أحيان كثيرة كان صراخ أطفاله كل ما يدفعه إلى التحمل والمثابرة. في لحظات كثيرة كان يتمني أن يتملي من ملامح عمر التي تغيرت بالتأكيد الآن, كان يود أن يقبل سمر ابنته الوحيدة, كان يتمني أن يحتضن مطر الذي لم يره.
    كل ما كانت تقوله شريفة: تحمل يا حياتي أنت رجلي, تحمل, ألا تثق بي؟ أنت عمري وظلال حياتي وغاية آمالي. تحمل يا عبده ” .
    الزوجة العاهرة شريفة ! :
    خططتُ كثيرا لأحصل على عبدالجواد. صبرت طويلا ونلت. تزوجته
    هكذا كانت تفكر وتتذكر رحلة العمر
    تتقلب في فراشها في نفور وغيظ. يثور جسدها عليها ثورة عارمة فلا تقنع بوحدتها. كانت كلها ترغبُ وتشتهي, ويبدو أنْ سميرها سيتأخر حتى يهاتفها. أيام تمر وليال تنقضي سواء بمفردها في وحدة قاتلة. مرت حياتها وعقد عمرها ينفرط مع شهور وسنين تنسل من بين يديها .
    ثلاثة وأربعون عاما مرت من سنوات عمرك في يم تتقاذفه موجات الحرام والحلال يا شريفة. بلغت هذه السن ولم تتورعي عن فعل أي شيء يرضي رغباتك حتى تزوجت عبدالجواد. ابتسمت لنفسها ولجمالها. نظرت بعين الرضا لقوامها وجسدها الممتلئ الذي يفور بالحياة والرغبة. زوجك تركك فريسة للوحدة ولنار الغريزة التي تلسعك باليوم عشرات المرات. تركك ثمرة شهية لكل عين جائعة, ولكل محاولة بائسة أو يائسة من أجل الحصول عليك. تركك وأنت في أواخر العشرينيات, والآن صرت شيطانة بعد الأربعين. كان يجب أن يغادر البلد ويسافر من أجلك. لا . بل من أجل أحلامه وأحلامي في الثراء. لا أدري لماذا وافق بعد إصراري أن يرحل ويتركني. لكم كرهت ضعفه بين يديَّ! لكم كرهت موافقته على كل شيء أريده. لا أدري ماذا يريد الرجل من المرأة, ولكني أعرف ما الذي تريده المرأة من الرجل.

العاشق والقواد الفاجر سمير ! :
“” .. أيتها الغبية هل تعتقدين أنني مغفل؟ هكذا لم أحصل منك على شئ يستحق. لم أحصل منك سوى على مئة ألف جنيه فقط. وشبابي ودلالي وجمالي وعمري ووسامتي كم يساوي كل هذا لديك؟ لم يحدث وأن استغفلتني امرأة هكذا. إنني لم أحصل منها سوى على هذه السيارة الحقيرة التي لا يتجاوز ثمنها خمسين ألف جنيه, كما أنها أعطتني هذا الشيك التافه بقيمة خمسين ألف جنيه. ماذا حدث لك يا سمير؟ أين تأثيرك على هذه الجربوعة الحقيرة؟ لقد تخطت سن الأربعين بثلاث سنوات كما أخبرتني. شكلها أكبر من هذا. سآخذ منها كل شئ وأدعها كالكلبة الجرباء, سأتركك أيتها الحيزبون. ماشي يا شريفة. سأريك من أنا. سأقتلها إذا لم تكتب لي كل شئ .”.
الغبية تظن أنني متيم بها. أنا متيم بهذه المرأة؟!
آه .. قال امرأة قال؟ طيب. فرضا أنا متيم بهذه المرأة تجاوزا, ماذا لديها وأنا الشاب الوسيم صاحب الأقل من ثلاثين ربيعا بعامين؟ ماذا ستعطيني؟ لم آت من البحيرة هربا لأحب. أنا هنا لأعمل ولأكوِّن ثروة أعود بها للبحيرة واسترد حياتي وحقوقي. معقول؟ أنا أحب هذه المرأة؟ لا أدري ماذا حدث للدنيا؟ هل ذهب الخير كما ذهب العقل من الناس؟.
كلٌ منهم له حلمٌ هو كما يقول سيغموند فرويد :
( إن الأحلام هي وسيلة تلجاُ إليها النفسَ لإشباعِ رغباتِها ودوافعُها المكبوتة خاصةً التي يكون إشباعِها صعبا في الواقع )
حُلم الزوج هوأن يقتلُ زوجتهُ شريفة ، وربما عشيقها لو تيسر، وحُلم الزوجة الخائنة مزيد من مُتعة المال والجسد مِن مالِ” الأهطل ” و فحولة رجلٍ يَصْغرُها سنا ؛ أحلامٌ دوافعها تتسقُ مع حرمانٍ و معاناةٍ شخصية ونفسية مُعفرةٌ و ملوثةٌ بإنهيارتٍ إقتصادية وإجتماعية بالتوازى مع إنهيارتٍ مُماثلة في القيم الدينية و الموروثات الأخلاقية ، و إختلاط بجديد الوسائل التي تُحرك وتُغير الثوابت المعروفة في الهوية المصرية.
هذه الأحلام يتعقبُها ” الموت ” فيُدركها أو يٌدركُ بعضاً من أصحابِها .
لقد صورورسم لنا الكاتب بإسلوبٍ سردي تَطور و تَصاعد تحقيق هذه الأحلام و وسائل تحقيقها لدى الشخصيات الثلاث من خلال أحداثٍ مكانية وزمانية وأشخاصٍ عِدة تدفعُ و تُصعدُ من خلالِ ديناميكية الحدثِ وتطوره و تصوير أجواء التلاقي أوالتقاطعات أوالإختلاف بين هذه الشخصيات ودرجات هذه الأجواء المُتراكبة من حِدةِ أو إتفاق مؤقتٍ أوالمرحليّ .
وكما نوهنا ؛هناك ثنائيات في الرواية تُلقي بظلالِها و تأثيراتِها بل وتشارك في ديناميكية الأحداثِ وتطورها وظفها الكاتب بدقة إحترافية شديدةُ التمكُنْ منها عباس السيد القواد الأكبر وإبنهُ عمرو نقيضهُ الذي فر من أبيهِ من جراء سلوكيات أب ماتت زوجتهُ و تزوج بأخرى أحبها الإبن ، فتكاتفا عليهِ لِيخرجاه ذليلاً معدوماً و مطروداً من جنةِ العباس إلى المستشفي مريضاً ليهرب منها حتى لا يلتقي بأباهُ الذي يبغضهُ وتجري الأحداث ليصيرَ شيخاً شهيراً معروفاً من خلال الإعلام .
وهناك مايسة التي ستحب عبد الجواد ويُحبُها ويتزوجا في النهاية .
الرواية غاصة ومليئة بالأحداثِ والشخصياتِ التي ربط بينها الكاتب ببراعة وحرفية وتوظيفاً دقيقاً من خلال إبهارٌ تقني في التناول وإستخدام مُمتاز بإستدعاء الماضى ” الفلاش باك ” في لحظة الحدث الآنيّ لِدعم التشويق للِأتيّ وحتى لا تنقطعُ الإستمرارية وترابط الأحداثِ عبر حلقات الرواية البالغة أربعون حلقة .
قد يكون الجنسُ أو العلاقاتُ الجنسية بتنوعها في رواية أمراً مُلفتاً للنظر لبعض الوقتِ لكن إدراك – وهذا ما يريدُ الكاتبُ في هذه الرواية وروياتهُ الأخري – تأكيد الإدراك أن الجنس يُمثلُ الحقيقة الوحيدة والدائمة في كل العلاقاتِ الإنسانية مهما تنوعت واختلفت درجات ونوعية هذا الجنس ومُسماهُ الشرعيّ أو غير الشرعيّ ، وهو لا يُمثلُ درجات الرقيّ أو الإنحدار البيئيّ ، بل تُمثلُ إستقامتهُ وشرعيتهُ عدالة النظام التي تُمكنهُ وتدعمهُ من خلال وسائل واساليب الممارسة الشرعية والقانونية ، وأن الإنفلات أو التغاضي والتسيب في التطبيق هو بداية الفسادِ الذي يسري في عظام وهيكل المجتمع ذاتهُ وحتى يتم السقوط الأخير والنهائي ومن ثم “موتِ الأحلام ” .
الرواية والكاتب حققا – معاً – رصدِ جيداً لكيف ” تموت الأحلام ” من خلال إسلوب سردي توفرت فيه قوة و وضوح عناصرالرواية ، فكانت اللغة العربية مثلاً وإسلوب الحوار داعمين في بِناء الشخصيات وتحقيق “غيبة الكاتب ” كُليةً مما أشعرنا اننا مع شخصيات تتحدث عن نفسِها حيناً أو تحاور الشخصيةُ الأخري مُباشرةً و إستمرارية التوق لِما هو آتٍ ، هذا فضلاً عن باقي عناصر الرواية المألوفة والمعروفة .
” موت الأحلام ” رسالة لمن يهمهُ الأمر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *