السبت. أغسطس 15th, 2020

بوابة شموس نيوز

إلكترونية – يومية – مصرية

ألا يكفي أنّه فقير؟

1 min read

مارى القصيفى

بقلم مارى القصيفى – لبنان

ألا يكفي أنّه فقير؟ ألا يكفي أنّه لا يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا، فاتركوا له على الأقلّ كرامته، ولا تجعلوه موضوعًا لبرامجكم ومقالاتكم في مناسبة الأعياد ثم تركنونه على الرفّ في خزانة الضمير بعد أن تقولوا له: وإلى اللقاء في الحلقة القادمة، من العامّ المقبل، وكلّ عيد وأنت فقير يا فقير.
الفقير في العيد يقول للتلفزيونات والصحف التي تجعله حبش العيد المحشو وعودًا وتمنيّات: زوروني كلّ سنة…أكثر من مرّة.
على الإعلام أن يسلّط الأضواء على الفقر لا على الفقراء، على الإعاقة لا على المعوّقين، على اليتم لا على الأيتام، وبمعنى آخر يجب أن نعالج المشكلة لا أن نكتفي بفضح نتائجها أمام الكاميرات وفي عناوين الصحف. فمن السهل أن نجد فقراء راغبين في عرض مشاكلهم على شاشات مضاءة في كلّ بيت، ولكن إلى كم من الوقت سينقذه ذلك من عتمة يغرق فيها باقي أيّام السنة؟ ففي ليالي العيد، الأثرياء لن يتسمّروا أمام الشاشات لمشاهدة فقراء يحسدونهم على ثرائهم، والفقراء سيقولون في أنفسهم: نملك ما يكفينا من المشاكل ولسنا في حاجة إلى مزيد منها. أو يقولون: لماذا حلّت نِعَم التلفزيونات على هؤلاء وليس عليّ؟ وبالتالي كيف حلّ الإعلام مشاكل الفقراء؟ “دي ليلة حبّ حلوة” بحسب كوكب الشرق، ولكنّ فقراء هذا الشرق لا تكفيهم ليلة عطف، فيها من النجوميّة أكثر ممّا فيها من الحبّ.
أنا لا أنفي عن مقدّمي هذه البرامج أو عن الصحافيّين عمومًا مشاعر صادقة تجعلهم يرغبون في تقديم المساعدة، غير أنّ المنافسة المهنيّة والتسابق على من يحقّق سبقًا صحافيًّا مع أكثر الفقراء فقرًا أو مع أكثر المرضى مرضًا يجعلهم يتعامون عن الناحية الإنسانيّة ويتغاضون عن حقّ الفقراء والمرضى في خصوصيّة مشرّفة لا تجعلهم نجومًا تنطفئ مع إطلالة صباح العيد حين ينتهي الإعلام من تسليط أضوائه المخادعة على الفقر والمرض.
يقول العارفون ببواطن أمور الإنتاج إنّ كلفة الحلقات التي تعالج مشكلة الفقر والتي تعرض خلال الأعياد، مع ما يرافقها من إعلانات، تكفي عائلات كثيرة طيلة سنة كاملة. والملابس التي يرتديها مقدّمو هذه البرامج مع كامل زينتها وأكسسواراتها تخفّف بثمنها المرتفع الديون عن كواهل كثيرين من أرباب العائلات، فما الحكمة التي تقف خلف هذا النوع من البرامج، وما الهدف منها؟ وكيف نفسّر لأنفسنا الإعلانات عن السيّارات والمجوهرات والكحول والعطور في برامج مخصّصة لمعالجة الفقر؟ وهل نريد القول للفقراء لا تقتربوا من هذه السيّارات النظيفة للتسوّل ولا تتركوا بصماتكم القذرة على لونها المشعّ، ولا تتردّدوا في البكاء فدموعكم تشبه حبّات اللؤلؤ حول أعناق نسائنا، ودعونا نمطركم بالكحول لتنسوا فقركم وبالعطر لننسى رائحتكم النتنة؟
إنّ إراحة الضمير لا تكون بعرض فنيّ باذخ، والإحسان والصدقة لا يكونان في العلن وأمام ملايين المشاهدين، وليلة الحبّ هذه ستكون حتمًا بألف ليلة وليلة من النسيان والإهمال والجوع.
وإلى اللقاء في العيد المقبل مع فقير آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *