"بلا عنوان" مسرحية ثنائية كتبها الفنان خالد عواد واخرجها ومثلها الفنانان خالد عواد ونسرين فاعور.
"بلا عنوان "لم تكن مجرد مسرحية ,انما صرخة عميقة تفتح أخدودا جديدا من الألم والقهر ومحاسبة النفس البشرية على ضعفها وعجزها وأنانيتها وغطرستها.
صرخة ايقضت المجتمع من سبات عميق واخرجته من قوقعة افكاره المشلولة وعقائده العاجزة عن تحقيق العدالة التي اصبحت حلما في مجتمع يتباهى بقوانينه المقلوبة.
لم تكن مسرحية "بلا عنوان " مجرد فكرة لطرح حدث معين انما كمن يرفع ثيابه ليعلن لمضطهديه عن آثار السياط التي مزقت لحمه وحفرت أخاديد في جسمه ,فكشف النقاب عن الجريمة التي سطرت بشاعتها على خطوط الطول والعرض لتصبح قانونا عادلا يسعى الى تحطيم مخلوق اسمه المرأة.
وغالبا ما ينفذ على جسدها الذي اصبح استراحة لسوط الجلاد وملاذا لجبنه.
ورغم ان المسرحية تناولت ظاهرة اجتماعية وتعالج مشكلة الفتاة العربية وأضطهاد المجتمع لها ,الا انها تطرق مواضيع سياسية حيث اختار الفنان خالد عواد المرأة كجسد ووطن , والحبل كأداة اتصال ومرض ودمار ,والمقبرة كنهاية الحلم ,ومرض الأيدز كالأضطهاد والأغتصاب والاحتلال كالرعد والشتاء.
الرجل السيد والمرأة الجارية
تمع) اذرعه ويمتص دمائها ولتموت رويدايعود الى ماضي طويل من التربية الخاطئة في مجتمعنا الذي تربينا فيه فرسخت في أذهاننا اخطاء شنيعة اهمها بأن الرجل سيد والمرأة جارية ,فحينما تحب المرأة تدفع الثمن باهظا,وتحاكم على ما قدكته من عاطفة ,وعندما تحب تحاكم على ما قدم لها,ويبقى الرجل يلوح بسوطه مهددا متوعدا فاتحا صدره لغزو جديد.
ان المسرحية ارادت ان تقول ان المجتمع يحاكم المرأة على ذنب لم تقترفه ولا تملك الدفاع عن نفسها لأنها تربت على الطاعة والخنوع وقبول الجرم الذي وقع عليها برضى واستسلام ,فليس من حقها الدفاع عن جسدها لأنه ببساطة ليس ملكها انما ملك المجتمع بداية من الأب والأخ والزوج وغيرهم.
وفي كل الحالات التي تتعرض لها المرأة للأذى فهي مذنبة لأن المجتمع يرمي بأثقال ذنوبه وأخطائه على المرأة معللا ذلك بأنها المحفز الوحيد للجريمة وينكر ان تفكيره المهزوز والأناني جعله يخطط وينفذ,وهذا ما أثبته خاد عواد حينما نقل المرض من جسده الى جسد أمل بعد تخطيط اناني ودراسة مشوهة ,فعندما يفقد الأنسان انسانيته يتحول الى وحش لا يفرق بين الخير والشر .
ورغم ان امل تحاول اخفاء المرض عن عيون مجتمعها (أي اخفاء الضرر الذي لحق بها نتيجة انانية رجل احبته) الا تفشل ,فالخوف والضعف الذي سيطر على المرأة في مثل هذه المواقف يكسرها ليمد الأخطبوط (المج رويدا دون رحمة .
ويتحول هنا الضعف,في لحظات ما قبل الموت الى شجاعة وجرأة في مواجهة المجتمع والسخرية منه وقرارته وغطرسته التي لا معنى لها.
البعد السياسي للمسرحية
ان الجسد في المسرحية يرمز الى ارض فلسطين التي اغتصبت بالمراوغة ,وتشرد اهلها لينعم المحتل بخيراتها مدعوما من قوى أخرى.
تقول امل في مقطع:" انا كنت هون مع اهلي ..كنت في بيت مع حبيب وبقيت بلا عنوان " وتعني هنا ان هذا الفلسطيني كان يملك بيتا وارضا وعائلة ,وفجأة,وفي لحظة تقرر اغتيال احلامه وحياته المليئة بالحيوية وسجنه وتشرده ليعيش بلا عنوان.
تظهر هنا قوة التحدي بالضعف والأمل في تغيير الوضع القائم واشراق شمس جديدة وبداية الصراع الذي سيجعل من الضعف قوة ومن الجبن شجاعة وسيسقط المحتل وقوانينه واحكامه يوما.
الا ان خالد يعود ليقول "انت هون وهي هناك وكل واحدة الها عنوان".
فيخفت الأمل وينطفئ الحلم مرة ثانية .
الممثلان خالد ونسرين ابدعا ونجحا في جذب الجمهور وتسييره معهما خطوة خطوة حتى النهاية حيث اتاحا للمشاهد ان يقف امام مرآة ليرى نفسه ويفكر بعمق بكل ما يجري حوله وان ينقد نفسه بنفسه ويحاول التفاهم مع الآخرين ,بدل لومهم ومعاقبتهم قبل الأستماع لدفاعهم .
اما الموسيقى التصويرية فقد كانت معبرة عن الزمان والمكان والظرف,والديكور صمم بدقة ونجاح.